بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> مقالات >>
طين الهزيمة: إستعراض لفيلم <<صندوق الدنيا>>
  06/06/2006

طين الهزيمة: إستعراض لفيلم "صندوق الدنيا" لأسامة محمد

منير فخر الدين

جرى عرض فيلم "صندوق الدنيا" لأسامة محمد في افتتاح تظاهرة الفيلم السوري مساء أمس، وقد أثار الفيلم ردود فعل مختلفة وأعرب العديد من الزملاء عن الحاجة إلى مشاهدته أكثر من مرة وإجراء نقاش حوله لأنه يقدم مادة غنية ومثيرة للجدل. نأمل أن يُجرى مثل هذا النقاش بعد عرض الفيلم ثانية مساء غد، الأربعاء. ونظرا لكوني أحد منظمي هذه التظاهرة ومن المعجبين بالفيلم، وددت المساهمة باستعراض سريع له بما قد يخدم كمقدمة للنقاش المحتمل وكدعوة للجمهور الأوسع لحضور العرض الثاني.

تصحيح: سيجري العرض الثاني للفيلم مساء الأربعاء، في الساعة 7:30 وليس 8:30 كما ورد خطأً في البرنامج المطبوع.

يبدأ الفيلم بمشاهد لجدّ يلفض أنفاسه الأخيرة على فراش الموت، في الوقت الذي يولد فيه لعائلته الكبيرة طفلان. يوضع المولودين بين ذراعي الجد ليعطيهما أسماء، لكنهما يخرجان من غرفة الاحتضار دونما أن يحدث شيء. يموت الجد وينشأ الأطفال هكذا من دون أسماء. الأب، حاملا بيده صورة الرئيس، يخطب بالعائلة قبل أن يلتحق بجبهة القتال، يصف لهم بصوت حالم خطبة الرئيس بالناس، والناس كانت تصفق، تصفق… ثم يكبر الأطفال صبياناً إلى أن يعود البطل من المعركة غائصا بالطين، فيخطب فيهم عن مسئولية كل فرد من أفراد الأمة عن الهزيمة، يوجه أصبع الاتهام إلى إحدى النساء فيقول: أنت مثلا، أنت مسئولة. يخطب فيهم عن أن المرأة نصف المجتمع، وعن أن الأمة العربية هي أمنا والوطن العربي هو أبونا. في تلك الآونة يبدو الجميع مذهولين وقد توقفوا عن الحراك، وحين يخرج من الباب وتعود الحركة كما كانت، نشعر وكأن ثقل الجنون قد انزاح عن المشهد.

رغم بساطة القصة، فإن مشاهدة هذا العمل ليست كذلك. ثمة رمزية عميقة مبنية في تفاصيل مواد بصرية أخاذة أحيانا، وبالكلام ولغة الجسد أحيانا أخرى. هذا التنويع في مادة التعبير ذاتها تجعل العمل مركبا من عدة مستويات، مما يصعّب على المشاهد الانتباه إليها دفعة واحدة. برأيي هنا تكمن صعوبة الفيلم وفي الآن ذاته فرادته وأهميته كعمل تعبيري مدهش مليء بلوحات بصرية آسرة ومعبرة، يتجدد رونقها بتكرار المشاهدة.

ثمة بعد آخر أراه مركزيا في هذا العمل، وهو قضية المسئولية عن الهزيمة. يقصد الفيلم الهزيمة العربية أمام إسرائيل، إلا أن مفهومه للهزيمة يشير إلى الطينة الاجتماعية ذاتها. فبخلاف بطله الملطخ بالطين، لا يوجه الفيلم أصبع اتهامه لأحد بعينه، فهو أصلا لا يتناول الهزيمة من منظور التحكيم وتوزيع المسئولية. غرضه، بالأحرى، هو عرض كيفية عمل تقنيات العنف المادية والرمزية داخل جزئيات الواقع الاجتماعي، في لحظة يعاقب فيها أطفال بالضرب المبرح لأنهم ركضوا سعداء أنصاف عراة في حقل قمح ذهبي وراء طفلة ذهبية، هي الوحيدة التي يعطيها المخرج اسماً جميلاً: فيروزة. ركضوا وراء حلمهم الصغير ليتبدد. ثم قرر أحدهم أن يتمثّل دور الجد-الأب، وهذا هو الطفل الذي سيسعى إلى تلقي تقنيات السلطة ويتفنن في ابتكارها: كأن يقطع لسان ديك مسكين حتى لا يسمع صياحه، أو أن يضع دجاجات في عبوات زجاجية لتأكل بيضها… الدجاجات مثل أبناء هذه العائلة: حيوات تعيش في ميكانيك العنف، بين لحظتي موت وولادة لا حياة بينهما. لحظتان لا يفصلهما سوى عنف وحرمان، ومجرد حلم بحياة مثلى مليئة بالسعادة تتحول بدورها إلى مغرية أساسية وراء التسلط. الطفل الذي ابتكر طقوس التعذيب هو الذي يعيش في نهاية الفيلم لحظةً من هذا الحلم بالحياة المثلى. إنّ مجتمعا يصبح فيه التسلط الوسيلة العفوية لأن يمتلك المرء حلماً بالسعادة، هو مخلوق يأكل ذاته داخل عبوة زجاجية فارغة، تماما كالدجاجة بائسة المصير.

انتظر أسامة محمد خمسة عشر عاما مليئة بالمشقة والإصرار والتضحية على الصعيد الشخصي، لينتج عمله السينمائي الرائع هذا، وهو فيلمه الثاني بعد "نجوم النهار" (1988). هذا الانتظار الطويل من أجل إخراج فيلم ليس اعتياديا في السينما، ولا هو نتاج ظرف ذاتي، إنما نتاج شرط مؤسساتي يخضع فيه الإنتاج الثقافي عامة لسلطة الدولة الشمولية. منذ أن أنشأت "المؤسسة العامة للسينما" في العام 1963 بمرسوم رسمي، من أجل نهوض الثقافة الوطنية ودعمها، باتت هي الجهة الوحيدة المنتجة للسينما في سوريا حتى يومنا هذا، لكنها سرعان ما سقطت من دائرة عطف الدولة وتركت، بعكس السياسة الاشتراكية المعلنة، لتبحث عن مصادر تمويلها بذاتها. يصف محمد الوضع الناتج بسخرية مؤلمة، أقتبس منه بتصرف ما يلي:

"سيداتي وسادتي: كل شيء هو مرآة لذاته وكل شيء أشبه بما حوله: التصويت الموحد، الحزب الأوحد، المنتج الأوحد، والفيلم الأوحد. وهذه هي النتيجة الحاسمة: مؤسسة الإنتاج السينمائي الوحيدة تُنتج ما يعادل فيلما واحدا في العام... تنتج عن هذا الوضع مسألة حسابية: إذا كان معدل إنتاج المؤسسة العامة هو فيلم واحد في العام، وإذا كانت توظف ما لا يقل عن ثلاثين مخرجاً، فكم فيلما يستطيع كل أن ينجز في حياته إذن، بمقتضى العدل في توزيع الفرص؟ الجواب البسيط هو: فيلما واحدا كل ثلاثين عام. وإذا ما حظي المخرج بفرصة جيدة فأنتج عمله الأول حين بلغ الثلاثين من العمر، سيأتي فيلمه الثاني في الستين، والثالث في التسعين."

"خذوني أنا مثالا: أنا مخلوق من سوريا لا يرغب، لأسباب بالغة الأهمية، في أن يكون ضلعا في جهاز تفكير أمريكي. وأفترضوا أنه علي الانتظار حتى فيلمي السابع لإنتاج سيرتي الذاتية في عمل سينمائي، كما فعل فريدريكو فيلليني في فليمه "الثامنة والنصف"، أو إيليا كازان في فيلمه "ترتيبات". في الحساب المعقول، وبموجب المعادلة البسيطة آنفة الذكر، سأكون حينها قد بلغت درجة من الذكاء العاطفي وعمق الرؤيا تخولاني أن أحكي قصتي. سأكون حينها قد بلغت 242 عاما. طبعاً 242 هو رقم قرار مجلس الأمن الذي لم يطبق بعد، ومن عدم تطبيقه ينتج تطبيق قوانين الطوارئ... تستطيعون الآن أن تروا كيف تحمل السينما السورية في داخلها مكونات علم الخيال والفنتازيا..."

على ضوء هذه الكلمات، يبدو فيلم أسامة محمد أفضل استعارة عن مصير السينما السورية ذاتها، التي تبدو أسيرة عبوة زجاجية مفرغة... لا لسبب يُعقل.


نبذة قصيرة عن المخرج:

ولد أسامة محمد في اللاذقية عام 1954. تخرج من معهد فغيك للسينما في موسكو في العام 1979. أخرج خلال فترة دراسته فيلما وثائقيا قصيرا بعنوان: "خطوة خطوة" (1978) [سيتم عرضه مساء غد، الأربعاء، الساعة السابعة]. أخرج بعد عودته إلى سوريا فيلما وثائقيا قصيرا للمؤسسة العامة للسينما بعنوان: "اليوم كل يوم" (1980). عمل مساعد مخرج مع محمد ملص في فيلم "أحلام المدينة" (1983)، وأخرج فيلمه الروائي الأول عام 1988، بعنوان: "نجوم النهار". يقدم هذا الفيلم، برأي الكثيرين، نقدا لاذعا للمجتمع السوري القابع تحت سلطة الحزب الواحد. ورغم أنه من أنتاج المؤسسة العامة للسينما ولم يمنع رسميا، إلا أنه لم يمنح فرصة العرض على الجمهور في سوريا حتى يومنا هذا. يتهدد الفيلم اليوم التلف المادي في مخازن المؤسسة العامة للسينما، حيث يحفظ بظروف غير مناسبة. اختير الفيلم لمهرجان "كان" ونال محمد تقديرا كبيرا عنه، ثم حصد ذهبية الزيتونة في مهرجان فالنسيا في اسبانيا.
في العام 1992 شارك في إعداد سيناريو فيلم "الليل" مع مخرج الفيلم، محمد ملص، وأخرج بالاشتراك مع عمر أميرالاي ومحمد ملص فيلم "ظلال ونور" (1991) و"فاتح المدرس" (1994). لم يتمكن محمد من إنتاج فيلمه الثاني إلا عام 2002، وهو "صندوق الدنيا". الفيلم معد بمثابة تحية لفيلم "التضحية"، العمل الأخير للمخرج السوفيتي المنفي أندريه تاركوفسكي. نال هذا العمل المركب والأخاذ بصريا تقديرا خاصا في مهرجان "كان" السينمائي عام 2002، مؤكدا على موقع مخرجه كأحد أمهر خريجي معهد فغيك في الإخراج السينمائي وأكثرهم تميزا.
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات