بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> مقالات >>
سميح القاسم...نورٌ ... يزداد توهّجا...
  11/10/2014

سميح القاسم...نورٌ ... يزداد توهّجا...

 موقع الجولان للتنمية

حامد الحلبي

\
 عندما توفي المجاهد والقائد العربي الكبير/ سلطان باشا الأطرش/ عام 1982 ، كتب/ سميح القاسم / : { إنّ أبطالاً مثل : (عبدالكريم الخطابي وعبد القادر الجزائري وعمر المختار ، وسلطان الأطرش ، عند ولادتهم تشرق الحياة ، وعند موتهم تتوهّجُ الحياة ...) .
 صدقتَ يا سميح .. فهذا الكلام البليغ ، ينطبق عليك أيضا أيها المبدع المناضل ... فأنت وأمثالك من الراحلين من مبدعي شعبنا الفلسطيني ، كنتم مناراتٍ في مسيرته و مسيرة أمتنا العربية ،.... وبعد موتكم ارتفعتم لتصبحوا شموسا تضيء الطريق أمام الأجيال القادمة ...
 بوفاة جسدك- أيها النقي - سيزداد التوهّج العظيم في تراثك الإبداعي و الأدبي والوطني و القومي الرائع ، الذي اثريت فيه حياتنا على مدى ثلاثة ارباع قرن من الزمن ...
 لقد كنتَ مع شقيقك في الإبداع و النضال / محمود درويش / رمزين من أبرز ، و أشرف ، و أعظم ، رموز فلسطين والنضال العربي ، ... حياتكما الشخصية ، هي سيرة قضيتكما الوطنية ... لقد اندمجتما مع فلسطين ... أرضا و أهلا.... فمـَن يقول : /فلسطين/، يعـنـيكما ، ومن يلفظ اسميكما ، يعني فلسطين .. هو التزام المثقف المبدع بأبناء شعبه وقضاياهم وهمومهم ..
 إنك - يا سميح - آخر عمالة الشعر الفلسطيني المعاصر ... وسيمضي وقتٌ ليس قصيراً ، ليعطي الشعب الفلسطيني قاماتٍ شامخة ، مثلك أنت و صديقك محمود درويش والاخرين .
 لم تكن شاعرا وطنيا فقط ، بل حملتَ هموم أُمتك العربية، والهمومَ الإنسانية العميقة.. وانعكس ذلك على شِعرك وإبداعك المتنوع ،... لقد دمجتَ الثقافة العالية الرفيعة ، والابداعَ الأدبي الرائع ، وجعلتَهما في خدمة أرض فلسطين وشعبها والعرب عموماً ،... فكنت/ شاعر العروبة/ و/شاعر المقاومة / بحق ،
انت وزملاؤك الاخرون .
 أذكركَ /أيها الكبير/ ، وأذكر لقاءاتنا في دمشق، خلال مجيئك في زيارة مع وفد عرب فلسطين ال 1948 عام 1997.... لقد كانت تلك اللقاءات إضافةًً كبيرة الى معرفتي ، وعاطفتي، ووجداني ...
عرفـتــُك عن كثب ، بعد ان عرفتك بأشعارك ، وكتاباتك ، ومواقفك الاصيلة الكبيرة وطنيا و إنسانيا ، ولا أنسى روعة شرحك للصحفيين عن أوضاع عرب ال 1948 ومحاولات التفرقة الطائفية بينهم التي تقوم بها إسرائيل والصهيونية ، وكيف يقوم بعض العرب -- في داخل فلسطين وخارجها-- بتبنّي تلك المقولات /عن جهل أو عن خبث/ وخاصة في محاولات تشويه سمعة بعض الطوائف العربية في فلسطين/ ... وانتقادك النظام الرسمي العربي، الذي لم ينفتح على عرب ال 1948 ، وزاد من العزلة التي تفرضها إسرائيل عليهم... وحرصك الكبير على الوحدة الوطنية لكل الفلسطينيين ، وعلى دعم جهود الوحدة العربية، واعتزازك الكبير بالتراث العربي العريق، أدباً، وحضارةً، ومساهمةً في إغناء الإنسانية.
 لقد أمضى /سميح القاسم / حياتَه كلّها ، عطاءً دائماً ، كالنبع الصافي الغزير .. وبهذا كان جديراً بالتكريم في حياته ، وفي مماته ... وفي قلوب الأجيال القادمة ... ومن آخر حفلات التكريم ، حفل الأربعين الذي أقيم له في بلدته الرامة في 10/10/2014..... وهنا نستذكر ان فكرة إقامة حفل الأربعين لتكريم المتوفى ، هي بالأساس فكرةٌ ، و طقسٌ ، من الحضارة المصرية القديمة ،.. حيث كانت تجرى المراسم الجنائزية لدفن الميت بعد أربعين يوماً من وفاته (وهي المدة اللازمة لإتمام عملية التحنيط لجسده) ... فالتحنيط بالأساس فكرةٌ لتخليد الانسان ... وهي ناتجة عن عدم اقتناع البشر ، بان الموت هي نهاية الانسان ...
 في أربعينك يا /سميح/ وفي كل يوم ... يتجدد تخليدك ... كما الينابيع ، و الشجر ، والورود ، وتــَوالد البشر ... وتجدُّد الحياة ..... لقد رفضت التحنيط -- بكل اشكاله -- في حياتك ، سواء أكان التحنيط فكرياً ،أم أدبيا ، أم سياسيا.. أو أيّ شكلٍ من أشكال الإنتماءات الضيقة ...
 لقد كنتَ مصرّا على عروبتك وإنسانيتك ، القائمتين على فلسطينيـّتـك. من خلال نظرةٍ توحيدية إنسانية جامعة منفتحة ومتجددة .
وإذا كان يصعب الإلمام بإبداع /سميح/ في مقال ... فان الإطلالة على بساتينه ممكنة ،لنقـطف من كل ّبستان وردة :
 في عام 1948 أُقيمت ( إسرائيل ) فوق الأرض الفلسطينية ، وبقي عدد قليل من عرب فلسطين في أرضهم تحت الحكم الإسرائيلي ... فكان الموقف البديهي لهؤلاء هو تمسّكهم بما تبقى من أرض فلسطين ، وقد عبـّر سميح عن ذلك قائلا :
(( ويعبر التاريخُ ... أحزانُه .. ركضٌ ، وفي ساحاتنا ركضُ
نقولُ للمـُرهـَق في ليلنا .. ...لا يصمـُد الليلُ ...إذا وَمْضُ
نحن هـُنا ... نحن هـُنا ... فاهدئي ... واستبشري أيتها الأرضُ )
ترافقت السيطرة على الأرض ، بمحاولة إلغاء الهوية القومية لعرب فلسطين1948 ، فأجابهم سميح :
 (( ... مثلما تنهضُ ساق القمح في الأرض الجـَد يــبـة...
مثلما يحملُ تلميذٌ حقيبة ...
مثلما تعرف صحراءٌ خصوبة .....
هكذا تنبضُ في قلبي العروبة ...))
وعزّ على عرب فلسطين ، أن يروا الأغراب يسيطرون على أرض آبائهم وأجدادهم ، فقال سميح:
(( ... قطرة من دمِ عيسى ..
سقطتْ من جــَفـن مريم ..
يا دمي ، قـُمْ ، وتكــلّم ْ...
غصّت الأرضُ مَجوسا !! ))
 ورأى معاناة أبناء شعبه اليومية وعذاباتهم ...فقال :
(( آن للحنطة ِ أن تنضج في مرجِ ابتهالاتي الفســــيــح
آن أن ينزِل عن صُلبانهم : حـُبـّي ، وشعبي ، والمسيح )) .
ومن ضمن معاناة فلسطين كانت معاناة / القدس/....احتلالاً ، وتهويداً ، وتشريداً لأهلها فقال :
(( وها أنتَ تمشي ، من الشّمسِ للقـُـد سِ
والقدس تمشي إليَّ ، من الشـــــمـــسِ )) .
ورغم الأسى والمآسي .... لم يفقـِـد سميح التفاؤلَ والعزيمةَ ، لتحقيق الحرية ، فقال باسم الشعب الفلسطيني :
(( بيدٍ ، أُغلقُ أبوابَ جراحي ... ويدي الأُخرى على بابِ الصّباح
فافهموا – يا سادتي - أُخبركم .... إنني صاحٍ ، أُعــيـدُ القولَ ، صاحِ
ألفُ هولاكو ، أنا أغرقـتـُهم.... في دياجيري ، وأطلعتُ صباحي
ينتهي العدوانُ غيما عابرا ... وأنا أبقى ، وحـُبـّي ، وكــفـاحي ))
 تنوعت جوانب الإبداع لدى سميح ، وكانت للعاطفة الإنسانية منها إشراقات رائعة...منها الحب : (( ... صافحـَتــْني ... وحينَ مـَـضـَتْ ...رافـَـقـتـْها ذراعي ...ضاعـتـا في الضّياعِ ...)) .
وكذلك كانت له المطوّلات الشعرية الملحمية الرائعة .......وكذلك ، في التأمـُّل الفلسفي عن استمرارية دورة الحياة ، وعن جسد الإنسان (( الذي ليس لي )) قائلا :
(( ليسَ لـِــي ، غير هذا الذي ليسَ لـي ...
وأنا مـُد رِكٌ .... مُــدركٌ ..
أنـّـني .... آخِـري ، أوَّلـــِي .. )) .
 ويبقى الهم الوطني الفلسطيني والعروبي هو الشـّغل الشّاغل لإبداع سميح فيقول :
(( لم أمـُت بـَعـدُ ... ها أنا ذا لم أزل ... جُـثـّتي فـيْـلَـقـي ... حارساً خندقي ... بين أهلي الطُّغاةِ ثمود .... وطُغاةِ اليهود ... ذاهبٌ .... كي أعود .. )) .
 ويخاطب الاحتلالَ الذي طالَ قائلا :
(( وسواءٌ ، قـَصُرَ الحسبـانُ ، أو طالَ الحِسابْ ... هذه الوردةُ ... من هذا التـــُّــرابْ ))......
 لقد عاش / سميح القاسم / -- ابن فلسطين والعروبة والإنسانية ، البار--- كما قال :
(( منتصبَ القامةِ أمـشي ... مرفوع َالهامةِ أمشي
في كفِّي قـصـفـةُ زيتونٍ .... وعلى كـتـِـفي نعــشي ))...
ولقد غطت قصفة الزيتون الفلسطيني العريق ، نعشَ تلك (( القامة المنتصبة )) وتلك (( الهامة المرفوعة )) في يوم وداعه الأخير في/ الرامـة / حيث تعطـَّـر تراب فلسطين به ... وهذا العـِطر، سيبقى مـُنتشرا وباقياً مع فلسطين وشعبها ، ومع نور / سميح / الذي ازداد توهـُّجا يومَ وفاته ....
حامد الحلبي

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات