بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> مقالات >>
الغجر.. <<نموت هنا ولن نرحل>>
  26/06/2006

الغجر.. "نموت هنا ولن نرحل.."

أيمن أبو جبل. الاثنين 26\06\2006

في حمى الصراع اللبناني الإسرائيلي ، تختفي تدريجيا الحياة الطبيعية لمواطني قرية الغجر العربية السورية، حيث غدا مصير الأرض والسكان والهوية والانتماء وذكريات المكان، مجرد ورقة سياسية للتفاوض وفرض الأمر الواقع دون ادني اعتبار لأحلام سكان القرية وتطلعاتهم الوطنية والقومية والإنسانية. وتتحول الغجر إلى خارطة تتنازع فوقها صكوك الملكية والسيادة الوطنية في محور دولي ثلاثي الأطراف بين سوريا ولبنان وإسرائيل، ووحدهم أبناء القرية يدفعون ثمن هذا الصراع الذي لم يحسم مصيره بعد.

نقطة التفتيش الإسرائيلية في المدخل الجنوبي للقرية، تبدو كثكنة عسكرية مجهزة بأحدث وسائل وأدوات التفتيش الالكتروني، وأفراد طاقم التفتيش من الجنود الإسرائيليين، ينتشرون على طول وعرض ومحيط نقطة التفتيش المحاذية لمدخل القرية،وحتى نقطة التفتيش الخلفية المحاذية لجسر وادي العسل التي تبعد عنها حوالي 6 كلم. وبينهما أسلاك كهربائية ونقاط مراقبة تطل على الحدود الشمالية مع لبنان، التي تنتشر على حدوده أيضا مواقع عسكرية لمقاتلي حزب الله، في مواجهة الوجود الإسرائيلي في القرية على حدوده الجنوبية. وبين الثكنات والمواقع العسكرية، هناك قرارات سياسية، سيكون ضحيتها الأولى مواطنون عزل، لا ذنب لهم سوى أنهم يتشبثون كالسنديان في أرضهم، وارض أجدادهم." نموت هنا ولن نرحل عن أرضنا" كما قال لي احد أبناء الغجر.

في التاسع عشر من الشهر الجاري اصدر الجنرال" دان حالوتس" رئيس هيئة الأركان في الجيش الإسرائيلي أمرا عسكريا بإغلاق منطقة رقم 1 بالاستناد إلى قوانين الطوارئ عام 1945 بموجبه سيتم تحويل قرية الغجر إلى معبراً حدودياً دولياً يفصلها عن باقي الجولان المحتل،ويتطلب دخولها أو الخروج منها تصريحا عسكريا . وقد ذكر مراسل القناةالاسرائيلية الثانية " أن إسرائيل قررت عزل قرية الغجر بشكل نهائي عن باقي الجولان، وأنها تبني لهذه الغاية معبراً حدودياً يفصل القرية عن باقي الجولان، وأن شروط العبور خلال المعبر ستكون مماثلة للمعابر الحدودية مع الدول العربية المجاورة، على حد تعبير المراسل العسكري الإسرائيلي"

وقد بدأت إسرائيلي فعليا في خلق حقائق على ارض الواقع لتنفيذ خطتها الأمنية، حيث طلبت قيادة الجيش المرابطة في "الغجر" من المجلس المحلي ورئيسه تقديم قائمة أسماء حيوية لأشخاص يعملون في القرية في فروع الخدمات من سكان باقي القرى السورية من الجولان. إلا أن رئاسة المجلس ووجهاء القرية رفضوا الطلب الإسرائيلي بشدة مؤكدين" على أن الغجر ارض عربية سورية تخضع للاحتلال الإسرائيلي أسوة بكامل أجزاء الجولان السوري المحتل،ويحق لسكان القرية تلقى كامل الخدمات المدنية والإدارية والطبية،ولا يحق لأي جهة كانت من تغير الحقائق في قرية الغجر، ومصير القرية ومستقبلها مرتبط بشكل كامل لا يقبل الجدل بمصير الجولان كله سياسيا وامنيا وتاريخيا، وهذا الأمر تحدده الحكومة والقيادة السياسية في الوطن الأم سوريا صاحبة الحق والسيادة على كامل تراب الجولان دون أي نقصان، بما فيها قرية الغجر وكامل أراضيها البالغة حوالي12.500الف دونم.

ويتجلى الإصرار الإسرائيلي في تطبيق خطة التقسيم والفصل في القرية من خلال بناء ثكنة عسكرية أمامية في مدخل القرية، وتشديد الحراسة الأمنية على مدخل القرية والتفتيشات الصارمة التي يقوم بها الجنود للسيارات في خروجها ودخولها من والى القرية والاستعانة بالكلاب للكشف عن وسائل او مواد قتالية داخل السيارات، وتوقيف كل من يعترض على صعودها داخل سيارته كما حصل منذ يومين لأحد مواطني القرية الذي تم اعتقاله لساعات وتفكيك سيارته بعد رفضه صعود الكلاب إلى داخل سيارته حيث كان برفقة زوجته وأولاده.

تدريجيا تتحول قرية الغجر، إلى جزيرة نائية تتقاذفها الدوائر السياسية والعسكرية والأمنية وموازين القوى الدولية، التي يوظف كل ركن من أركانها المناكفات والاستفزازات والادعاءات والشكاوى في مجلس الأمن لصالحه، لكنهم وحدهم سكان القرية يوظفون الحقائق الدامغة الرافضة لمشروع تقسيم القرية وفصل سكانها عن أرضهم، ورفض الاحتلال الإسرائيلي المسئول الأول والوحيد عن مأساتهم اليومية التي تتركهم وحيدين في الفضاء السياسي، في مشهد لا زمن ولا ماض له وإنما مستقبل يكتنفه الغموض والضياع واستحضار حكايات النزوح واللجوء والتشريد .

منذ أيام وأسابيع معدودة، ينكشف المشهد السياسي الإسرائيلي، في ضرب عرض الحائط قرار المحكمة العليا الإسرائيلية القاضي بمنع إجراء أي تعديلات أمنية في قرية الغجر حتى استكمال النظر في شكوى أهالي البلدة بشان الخطة الأمنية الإسرائيلية في الفصل وبناء جدار عازل داخل القرية.

في البداية ابلغت  قوات الجيش الإسرائيلي الطاقم الطبي في صندوق المرضى العام " كلاليت"  العاملة قي القرية بضرورة انهاء عملهم داخل القرية خلال فترة الاشهر القادمة، لأسباب ودوافع أمنية، حيث اعتمد حوالي 80% من سكان القرية على الخدمات الطبية التي يقدمها صندوق المرضى العام" كلاليت"  وما باقي السكان20% فقد تلقوا الخدمات الطبية من قبل " مجمع العيادات الطبية في الجولان"( الجولان لتنمية القرى العربية)، الذي افتتحت العيادة في القرية عام 2001 لتقديم الخدمات الطبية أسوة بباقي قرى الجولان.

في شهر أيار الجاري، وبدون وضع خطة متكاملة، وخلق بدائل طبية وصحية، اقفل صندوق المرضى العام" كلاليت"  في القرية عيادته،تاركا مئات الحالات المرضية التي تتطلب العناية والرقابة والمتابعة الصحية والطبية، الأمر الذي وضع جمعية الجولان لتنمية القرى العربية في الجولان المحتل، ومجمع العيادات الطبية امام خيارين الاول اصعب من الثاني . فإما الإسراع في خلق البدائل الطبية والإدارية والمالية، لتقديم العناية والخدمات الطبية والصحية لمواطني القرية بالتوافق والاتفاق  مع صندوق المرضى العام " كلاليت " ، في ظل عدم توفر الإمكانيات والموارد والبرامج مسبقا لدى الجمعية ،وإما عدم المجازفة في تحمل هذا العدد الكبير من المرضى، وترك الخيار الطبي في القرية مقتصرا على الخدمات الموجودة لديها سابقا .إلا أن تظافر جهود وجهاء وشيوخ وشباب القرية وإدارة المجلس المحلي مع تلك الجهود التي تبذلها عيادة المجمع الطبي ساهمت في إعطاء الضمان في نيل سكان القرية لكل الخدمات والرعاية الطبية في وقت قياسي، حيث يبذل الكادر الطبي في العيادة قدر استطاعته من اجل الوصول إلى تقديم أقصى درجات الخدمة للمرضى والمحتاجين، وهذه أيضا تحتاج إلى جهود مضاعفة من اجل الوصول إلى الأهداف المبتغاة للسكان ولمجمع العيادات الطبية على حد سواء في تقديم الأفضل لمواطني القرية.

وبترجمة عملية وسريعة لخطة الفصل والتقسيم وفرض واقع جديد، أقدم الجيش الإسرائيلي على منع تقديم الخدمات المدنية لسكان القرية ودخول سيارة التموين والخدمات إلى داخل القرية، فشبكات خطوط الهاتف معطلة، شركات مواد البناء تعود أدراجها لا يسمح الجيش الإسرائيلي للعاملين فيها من دخول القرية، وعمال البناء من أبناء قرى الجولان المختلفة والذي يقدر عددهم حوالي 60 عاملا، مهددين بفقدان لقمة عيشهم، وترك أماكن عملهم وهم يعملون ف في بناء مبنى المدرسة الجديد في القرية ، وبناء بيوت ومنازل لمواطنين من قرية الغجر، وذلك بعد إصدار رئيس أركان جيش الاحتلال " دان حالوتس" القرار العسكري بإغلاق القرية، إضافة إلى منع شركات الغاز من تزويد المنازل باسطوانات الغاز التي فرغت،ومنع دخول مواد التدفئة من حطب ووقود حيث يستعد أبناء الغجر أسوة بباقي سكان الجولان إلى تجهيز أنفسهم لمواجهة الشتاء القارص في الجولان، ومنع دخول السيارات التي تحمل المواد التموينية من الطحين والقمح والسكر والقهوة والخبز والسكر ومواد تموينية أخرى،واضطرار أصحاب المحلات أحيانا جلب سياراتهم الخاصة لتفريغ حمولات سيارات التموين الإسرائيلية على بعد مسافة 6 كلم في وادي العسل لتامين احتياجات السكان والأطفال خاصة.وحتى الحيوانات لم تسلم من القرارات الإسرائيلية الجديدة، حيث منع الجيش الإسرائيلي الأبقار التي تعود ملكيتها إلى مواطنين من القرية من العودة إلى القرية أو الخروج منها برفقة أصحابها، بحجة أن لا تصاريح لعبورها وعودتها، الأمر الذي يدفع البعض من أصحاب رؤوس الأبقار إلى البحث عن تجار لبيع الأبقار بأي ثمن خوفا من موتها بسبب عدم السماح لها من الخروج للمراعي.

شعور خانق، وعيون حائرة، وتساؤلات حول المصير والمستقبل المجهول تنتاب كل مواطن من أبناء القرية، من سيصدر أخيرا قرار إنصاف أهالي قرية الغجر، واعتبار قضيتهم  قضية إنسانية وأخلاقية عادلة، في قلب معادلات شرق أوسطية مركبة ومعقدة، وفي ظل واقع سياسيي وشعبي عربي مكبوت ومخنوق، وفي اجواء مسلسل طويل من المؤامرات والخطط العدوانية لقلب الحقائق،فيكون المجرم الحقيقي هو الضحية، والضحية هي المذنب في كل شئ.

ريما يشهد أبناء الجولان السوري المحتل المزيد من القضم والضم والفصل السياسي الذي يطال أرضهم ومصيرهم ومستقبلهم منذ أن ابتلى الجولان بمحنة الاحتلال الإسرائيلي، وربما سيشهد الجولان عاجلا أم أجلا، مرحلة جديدة من استنهاض همم غافلة عن حقيقة هذا الصراع التاريخي وأولويات مواجهته شعبيا وسياسيا وإعلاميا وعسكريا حين تتوفر مقومات المواجهة الحقة، لكن في نهاية الأمر لن تغير سلطة سياسية ما ، مهما كبرت وعظمت وبطشت من حقيقة إن الجولان بكامل ترابه وأجزاءه ماضيا وحاضرا ومستقبلا، لن يكون إلا وفيا لانتمائه وتاريخه وتراثه، ولهذه المسيرة التي أضاءها الخالدين جيلا بعد جيل فوق ترابه وجباله وسهوله وتلاله.
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات