بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> مقالات >>
السينما السورية تستردّ الهضبة المحتلة
  07/11/2006

السينما السورية تستردّ الهضبة المحتلة
أهالي الجولان يحاورون عمر اميرالاي وأسامة محمد

بقلم: حسان شمس (نشرت في النهار - 11\07\2006)

في حزيران، على مدار أيام خمسة متواصلة، امتدت بين الخامس والتاسع منه، وعلى بضعة عشرات الأمتار مِن خط الفصل، شهدت قرية مجدل شمس السورية المحتلة حدثاً متعدد المضامين والدلالات، محمّلاً أكثر من رسالة، وفي غير اتجاه: "تظاهرة الفيلم السوري" في "مركز فاتح المدرّس للثقافة والفنون في الجولان السوري المحتل". يضمّ المركز مجموعة صبايا وشباب ذوي اهتمامات وميول شتّى، يلتقون على دفع الحراك الفني والثقافي في قراهم المحتلة. ليس لهم من معيل إلا جيوبهم، التي تغذّي نشاطاتهم المختلفة. وكنوع من التواصل الوجداني الأحادي القطب مع وطنهم، اختار القيّمون على المركز تسميته "فاتح المدرّس"، عرفاناً بقيمة الرسام الفنية وميراثه، وإحقاقاً لحقّ لم يفز به في حياته، أسوة بمعظم كبار الوطن، ممّن عاشوا غربة في داخله كما في خارجه. وكان القيّمون، أقاموا ملتقى سمّوه "عود النعناع"، يساعدهم في سدّ جزء من نفقات المركز.
جاء هذا العمل امتداداً لنشاطات فنية وثقافية وعروض مسرحية محدودة، قامت بها جهات مختلفة في الجولان. وهو ثمرة اتصالات عديدة وجهود بين مخرجي الأفلام والقيّمين عليه في الجولان المحتل. ورغم أن الحضور جاء غير موازٍ لأهمية التظاهرة والأفلام المعروضة، إذ لم يتجاوز العشرات يومياً في أحسن الأحوال؛ ومردّ ذلك، قد يكون بعض الارتجال في طريقة الإعلان والترويج، وربما خلوّ قرى الجولان المحتل الخمس مِن أي مسرح أو دار للعرض، وعدم وجود ثقافة مسرحية أو سينمائية من الأصل، فإن مجرد حصول التظاهرة، يعتبر حدثاً تأسيسياً. في مطلق الأحوال، هو أمر من المفترض أن يخضع لإعادة تقويم من إدارة المركز نفسها.
تظاهرة الفيلم السوري، ضمّت اثني عشر فيلماً، موزّعة بين المخرجين أسامة محمد، عمر أميرالاي ومحمد ملص. الأفلام المعروضة، جاءت على النحو الآتي: القنيطرة 74، الذاكرة، صندوق الدنيا، نور وظلال، فاتح المدرس، الحياة اليومية في قرية سورية، خطوة خطوة، فيلم محاولة عن سد الفرات، طوفان في بلد البعث، طبق السردين، وهنالك أشياء كثيرة كان يمكن أن يتحدث عنها المرء، الدجاج.
البادرة، تزامنت مع ذكرى ضياع الجولان التاسعة والثلاثين. فهل جاء التوقيت نوعاً من الردّ على الهزيمة في عيد مولدها، بطرق التفافية، تنأى عن زواريب السياسة ومفاسدها، وحسابات دهاقنة الرهان على الأحصنة الخاسرة، والقفز تالياً فوق جدار الاستثمار السياسي لقضية الجولان، إلى تواصل فعليّ طال انتظاره مع نخب الوطن ومفكريه وخلاّقيه؟ تأتي أيضاً في وقت، وربما ردّاً عليه، تكثر فيه ثقافة التخوين في الجولان، وبيانات التهديد والوعيد، كشكل آخر للتعبير عن عمق الانتماء للوطن السوري. ألم تكن بضاعة التخوين في سوريا، الأكثر رواجاً وتجذراً وعراقة في بازار الدعوة إلى وحدة العرب، وردع الهجمة الإمبريالية في العقود الأربعة المنصرمة؟
لسنا في معرض تحليل الأعمال المعروضة أو نقدها. فالأفلام، أشبعت نقاشاً ونقداً على صفحات الجرائد وفي المنتديات. فتظاهرة الفيلم السوري في الجولان، لا تستمد قيمتها من نوعية الأفلام المعروضة وسمعة أصحابها فحسب، بل تتعدى ذلك، وللمرة الأولى، إلى نوع من التواصل بين الفرع والجذر، ليس بواسطة مهرجانات خطابية رسمية على "تلّة الصيحات أو الدموع"، خميرتها تفخيم وتعظيم وإشادة، ووعود تحرير مؤجلة، بل عبر كوكبة مِن مبدعي الوطن، ومحاكاة أصلية لواقعه المعيش.
قد تكون هذه التظاهرة الجولانية السورية بداية إعلان لمرحلة جديدة، عنوانها نعي احتكار السياسة قضية الجولان، يعود الفضل الراجح فيها إلى اجتهاد أصحابها، والتكنولوجيا والإنترنت، إذ تمكّنت مِن القفز فوق حقول الألغام والأسلاك الشائكة المكهربة، التي تفصل الجولان عن عمقه السوري والعربي، بعد فشل جميع شعارات "ما أخذ بالقوة لا يستردّ إلا بالقوة"، مروراً بـ"لاءات العرب الثلاث" الشهيرة، ثم "مرحلة التوازنات الإستراتيجية"، فـ"سلام الشجعان العادل والشامل"، في اختراقه أو زعزعته قيد أنملة.
عرض الأفلام السورية بهذا المحتوى، يحمل أكثر من معنى. إنه، ينقل أهالي الجولان إلى بعض أدقّ تفاصيل الواقع السوري غير المنقول عبر الإعلام الرسمي، بطبيعته وعاداته وتنوّع لهجاته وطريقة تفكيره، أو تدجينها إذا صحّ القول. وهو أسلوب آخر لانقلاب الأهالي على "مواطنة نظرية" حكمت علاقتهم بدولتهم طوال سنيّ الاحتلال. وفي الوقت نفسه، رسالة إلى نخب الوطن، لتبنّي قضيتهم وحمل همّهم إلى الشعب السوري والضمير العالمي، عبر محاكاتهم بالريشة والقلم والمؤثر الصوتي والمرئي، ليعود الجولان إلى صدراة اهتمام السوريين، التي كانت خسارته أصل بلواهم، ومفتاحاً لبداية حل أزمتهم في آن واحد.
فقضية الجولان، أكبر من أن تُختصر بضرورة العمل على تحرير بضعة أسرى في سجون العدو، رغم عدالة قضيتهم، أو تحقيق بعض القضايا المطلبية هنا وهناك، على أهميتها. إنها مرتبطة في الدرجة الأولى بطبيعة وأرض ومياه ونزوح، وبأجيال كاملة، خُلقت تحت الاحتلال، وكبرت بعيداً عن وطنها، في ظل قطيعة شبه كاملة. أجيال، يحمل كثيرون منهم أسماء مدن وطنهم وقراه وأنهاره. وطن، يهتفون باسمه ليل نهار، ويتغنّون بانتمائهم إليه، لكنهم مدركون في أعماقهم حجم مأساته وكبر فجيعته. هنا، مكمن الخوف من الأيام المقبلة.
أن يُعرض فيلم "طوفان في بلد البعث" لعمر أميرالاي في الجولان المحتل، بينما هو ممنوع في الداخل السوري، بل طاولت ملاحقته "مهرجان قرطاج"، يشبه كثيراً طريقة أميرالاي نفسها، المستخدمة في فيلمه، أي عرض الشيء لتأكيد نقيضه. وهو، من دون شك رسالة من القيّمين على النشاط في الجولان، شاؤوا الإفصاح عنها أم أبوا، لا يمكن تحميلها الكثير من المعاني، فيما الوطن مهدّد بطوفان من نوع آخر، يحرق الضرع فيه والزرع.
فليس اكتشافاً عظيماً، أن ما تقوم به السلطات السورية من اعتقالات وتضييقات على المثقفين وناشطي المجتمع المدني، يعكس عمق الأزمة التي يعيشها النظام هذه الأيام ويقحم الشعب فيها. وهو في المحصلة، ليس إلا إقرانا لقول "علية القوم" بالفعل، إن الأصوات المعارضة تُحدث تشويشاً وقت الأزمات، وتهديدها بعظائم الأمور.
شكل آخر للأزمة ينذر بالطوفان، تجلّى أخيراً على صورة تديّن غير معهود؛ فعند العرب مظهران، كان كلما استُحضِر واحد منهما حلَّت اللعنة: استحداث رتبة "مشير"، وإقحام الله في معارك خاسرة على الأرض. فتلزيم الله حماية الدولة في هذا الوقت (سوريا، الله حاميها)، لا يشبهه سوى استدعائه على العلم العراقي في "أم المعارك"! لكن الحاصل، أن الله عاشق لسوريا، أكثر مما هو مغرم بحمايتها. وقيل: "إذا أحبّ الله عبداً ابتلاه". وعلى هذا، يبدو سبحانه، أنه محبّ لسوريا كما لم يحبّ دولة قَبلها ومثلها.
مسكُ تظاهرة الفيلم السوري، جاء على شكل اتصال هاتفي بين الجولان المحتل وبيروت، معطياً بعداً إضافياً، لا يقلّ دلالة عن التظاهرة نفسها. تحدّث فيه الحاضرون في مكان العرض مع المخرجين أسامة محمد وعمر أميرالاي، تمّ خلاله "كسر سور وهمي في تعاملهم مع أهلهم خلف الشريط"، على حدّ وصف أميرالاي.
النقاش، تمحور في شقه الأول حول الأعمال المعروضة نفسها. كان لفيلمي "طوفان في بلد البعث" و"صندوق الدنيا" الحصّة الأوفر فيه، أجاب خلاله صاحبا الأعمال عن استفسارات الأهل وتساؤلاتهم. بينما خاض في شقه الثاني في استعراض المشهد السوري من جوانب مختلفة، وفي أدقّ التفاصيل. عبّر فيه المخرجان عن حزنهما الشديد على "وطنية سورية"، لم تُستنهض ضد إسرائيل، أو ردّاً على هزيمة 1967، وإنما في مواجهة بلد عربي إسمه لبنان! وعلى سيرة أن العرض تمّ في مركز فاتح المدرّس، نقل أسامة محمد عن فاتح المدرس قوله يوماً: "لو وعى السوريون جمال الجولان وطبيعته، لما تمكّن من احتلاله أحد".

منير فخر الدين: أرحب بكم بإسمي وبإسم مركز فاتح المدرس وجمهور الحاضرين وأشكركم على إتاحة هذه الفرصة الجميلة لمشاهدة أعمالكم واللقاء بكم هاتفياً.
عمر أميرالاي: مساء الخير، اعتقد أنها لحظة إستثنائية جداً بالنسبة للجميع، وليس من السهل أبداً التعاطي معها بأريحية بعد كلّ هذا الانقطاع الطويل والمفروض علينا للتواصل مع أهلنا وراء الشريط، لذلك أريد أن أقول إننا الآن في حالة انفعالية ووجدانية عالية جداً.
أسامة محمد: هذه اللحظة هي تعبير فني، ويمكن القول إننا نرى الصوت. إحساسي الشخصي أن هذا الصوت هو مثل العدسات، مثل البصر الذي ينتظر سماع الجهة الثانية ليبصر. أشعر بالأسى لقولي الجهة الثانية، ولكن أحيانا عندما تصبح الوقائع كالحكايات وتطول في الزمن تبدأ إثبات أنها حقيقية رغم كونها حكاية.
منير فخر الدين: نحن في الحالة الانفعالية نفسها، ونعتبر هذا التواصل جزءا من ممارسة الانتماء الحقيقي والعميق لشيء اسمه المواطنة السورية التي نعيشها عن بعد بشكل غريب تماما، لكنها دائما في أفق أحلامنا. أنا شخصيا كنت أسمع بأسمائكم في الثمانينات من خلال التلفزيون السوري، ومن خلال برنامج "الفن السابع" تحديدا، كنت اسمع عن أعمالكم وأتعجب لهذه الجغرافيا التي جعلتنا بالرغم من قرب المسافات نسمع عن هذه الأفلام من دون أن نتمكن من مشاهدتها. هذا اللقاء بعد عقد ونصف عقد هو بالنسبة لي لحظة تاريخية ووجدانية في آن واحد. أرحب بكم ثانية، وافتح باب الحوار للراغبين بالحديث من جمهور الحاضرين.

وعي الهزيمة

نهاد الصفدي حلبي: مساء الخير للمخرجين الكبيرين عمر أميرالاي وأسامة محمد. دائما نلتقي الإعلام السوري بالانزعاج النسبي، كثيرا او قليلا، حسب الجرعة الموجهة، لكننا أصبنا بما يشبه الغثيان لهذه الجرعة المكثفة وتوضحت لنا الصورة كم هي مأسوية، وكم هي ماكنة التدجين البعثية نشطة. وبالنظر للأسباب الواضحة لعدم عرض هذه الأفلام في سوريا، أسأل: إلى أي درجة حاولتم تكثيف هذا الإنتاج الذي يلامس الحقيقة؟ مثلا، إلى الحد الذي لا يدخلكم السجون؟ أتمنى عليكم في أفلامكم المقبلة أن تذكّروهم: كيف سيستطيعون تغيير المستوطنات والمزارع اليهودية في الجولان والتي تنتج الملايين، من الناحية القومية وليس الهندسية، ليجعلوها أكثر حضارية في إشارة إلى وصف النظام لسد الفرات بأنه اجتثاث شعر النهر الأشعث وتحضيره، الذي يرد في فيلم أميرالاي "طوفان في بلد البعث"؟!
عمر أميرالاي: شكراً على سؤالك الذي يتمتع بجرأة طرح موضوع حساس جداً، وبهذين الوضوح والمباشرة، لأننا لسنا معتادين كثيرا على ذلك. لذا إذا تأتأنا وترددنا قليلا، فالسبب أننا نصارع فينا الرقيب الداخلي الذي يسكننا منذ أربعين سنة أو أكثر حتى اليوم. طبعاً لا مشكلة في الإجابة عن هذا السؤال السياسي المباشر، لأننا عاهدنا أنفسنا منذ بداية عملنا في السينما، سواء أنا منذ أول يوم مارست فيه مهنتي كسينمائي عام 1970 (مع بداية الحركة التصحيحية في سوريا)، أو أسامة محمد في ما بعد، ومحمد ملص من قبل في منتصف السبعينات. سينمانا منذ البداية كانت مجبولة بالسياسة، وهذا شيء ليس عظيماً في الضرورة، إلا أنه في مكان ما حدّد خياراتنا. ففي ممارسة أي مبدع أو مثقف أو فنان لمهنته، يكون لديه عادة حرية اختيار توجهه، فإما أن يربط عمله الإبداعي بالسياسة وإما بالمجتمع وإما بالتأمل الذاتي أو الفلسفي،... الخ. نحن مع الأسف أُجبرنا، أو بالأحرى اضطررنا، أن يكون عملنا دائماً مجبولا بالوضع السياسي لبلدنا. خلاصة الكلام: نحن لم نختر هذا الشيء، فوعينا تشكل منذ بداية علاقتنا مع هذه المهنة على هذا الواقع المرّ والصعب.
أنا أفهم تماما ما تحدثت به عن الإعلام الرسمي، وعن التعتيم وكمّ الأفواه، لكن أعتقد أنه منذ بدايات السينما السورية بشكلها المعاصر في الستينات، أي منذ استحداث مؤسسة السينما في سوريا وبداية عودة المخرجين الذين درسوا في الخارج إليها، ارتأينا ضرورة أن نؤسس لهذه العلاقة المتينة بين التعبير الفني وواقع البلد. وكما قلت، نحن في بلد موجود في خضم صراع مرير وربما أزلي بينه وبين العدو الاسرائيلي. نحن جيل نشأ في وجود هذا الصراع، والجيل الذي أنتمي أنا إليه تشكل وعيه السياسي مع هزيمة 1967، وبالتالي وُضعنا منذ البداية على سكة هذه العلاقة مع الاضطراب السياسي في بلدنا ومع الصراع مع إسرائيل. هزيمة عام 1967 هي التي فتحت عيوننا على هذه الحقيقة المرّة، وبالتالي عرفنا، سواء أنا أم سعد الله ونوس أم آخرون، أنّ معركتنا بعد 1967 ليست مع العدو الخارجي، إنما مع العدو الداخلي، الذي هو تخلفنا. هذا التخلف الذي أفرز أنظمة انحصرت مهمتها وكلّ همّها في المحافظة على استمرار هذا التخلف في مجتمعنا. وإذا وُجدت أعمال حاولت الخروج عن طوق هيمنة هذه الأنظمة على المجتمع، والمواطن، وحرية الأفراد، والإبداع الفني خلال السنوات التي تلت عام 1967 (أي على مدى أربعين عاماً)، فإنّ هذه الأنظمة نجحت في المحصلة أن تكمّ الأفواه مع الأسف، وهذا ما نحاول مواجهته ومقاومته داخل أفلامنا.
أسامة محمد: سأبدأ بكلمة استخدمناها اليوم بشكل عفوي، سواء نحن الاثنين أو منير فخر الدين، وهي كلمة المواطنة. المواطنة حرية، وبغض النظر عن الشروط المحيطة، السياسية أو الاقتصادية أو العالمية، فإنها تبقى حرية، وهي ليست موضوعا للنقاش. هي لا تُسلب في حال وجود عدوان خارجي، ولا تُمنح في حال زواله. هي واحد من أسباب العيش، ومن صفات الحياة. وهنا أتحدث أيضا عن نفسي، من المكان النقدي الذي أنا موجود فيه مع أفلامي، لشكل الحياة في سوريا، أو من موقعي المواجه لأسلوب الحكم والنظام السياسي فيها، أقول ببساطة أن منشأي الأساسي هو منشأ أخلاقي يتعارض تماماً مع تعريف هذا النظام للإنسان المقصوص الأجنحة واللسان والعقل. عام 1967، كنت شاباً صغيراً، ولم أقتنع بأنني يجب أن أكون مهزوماً، ووصلت إلى معادلة بسيطة: الانسان مهزوم لأنه غير مسموح له وللمجتمع ان يستخدم كل طاقاته الكامنة أو غير الكامنة. وأن الجزء الأكبر من هذه الطاقات يُهدر أو يُسرق. يُسرق كعمر وكمقدرات. وهذا ما يضع الإنسان أخلاقياً في موقع عدم قبول هذا الشكل من المواطنة.
أما أفلامنا، فهي تمرين، وأحب استعمال كلمة تمرين. إنها تمرين مستمر على الحياة وعلى التعبير عما تشعر وتؤمن به. لأن هذا الحقّ لا يمنحك إياه أحد، ويجب ألاّ تقبل أن يمنحك إياه أحد. هنا منشأ المغامرة. ونحن مستمرون بهذه المغامرة، لا نعرف إلى أين. ولهذه المغامرة الفضل بأنها جعلتنا نصنع أفلاما، قادرة، حتى بالمعنى الفني، على أن تدافع عن نفسها قليلا أو كثيرا أمام المتلقي.
نهاد الصفدي حلبي: لديَّ تعقيب. نحن ننظر إلى الأمور من وجهة نظر أناس محتلين. وعندما نلتقي بالإسرائيليين تجري بيننا هنا وهناك حوارات تأخذ شكل حرب دونكيشوتية، قد ترضي الشعور، ليس أكثر. يعتقد غالبية الإسرائيليين أننا ننعم بالعيش تحت الاحتلال الإسرائيلي ولا يصدّقون رغبتنا كسوريين بالعودة إلى سوريا، ويفسرونها على أنها خوف من غضب النظام علينا. جوابنا يكون غالبا بما معناه: لنا وطن ننتمي إليه، بنظامه الحاكم أم بغيره، والوطن ليس ملكا للنظام. ومن جهة ثانية، لا يمكننا القبول بمواطنة من الدرجة الثانية أو العاشرة في إسرائيل. ونبقى سوريين بالرغم من معرفتنا الدقيقة بمصاعب الحياة للمواطن السوري. فانتماؤنا هو للوطن وليس لأي نظام كان.
عمر اميرالاي: حول موضوع العلاقة بالوطن، نشكر الأخت على مداخلتها وعلى هذا التوضيح الضروري والمؤثر في الوقت نفسه. إنّ سياسات النظام هي التي أدت إلى نزوح أكثر من 5 ملايين سوري عن وطنهم لأسباب أكثرها طلب الرزق أو الحرية. وهناك التباس يخلقه النظام دائماً بجعل نفسه هو الوطن، كي يصبح المس بالنظام مساً بالوطنية. وهذا ما رأيناه أخيراً في أحداث لبنان بعد خروج القوات السورية منه. لأول مرّة صرنا نسمع بالوطنية السورية التي لم تستيقظ مع الأسف إلا في مواجهة بلد عربي. كنا نتمنى لو استيقظت هذه الوطنية قبل أربعين عاماً في 1967، وأنّ تُستنهض وطنية المواطن السوري اليوم لاستعادة أرضه المحتلة والمغيّبة حتى الآن بقرار سياسي. هكذا غُيّب الجولان حقيقة منذ العام 1967 حتى اليوم في أذهان جيل كامل من السوريين داخل الوطن. وأنا أتحدّى أن يكون الشباب السوري اليوم يعرف شيئاً عن الجولان، أو أن يأتي ذكره على لسانهم. هذه الوطنية في رأيي مشكك فيها عندما تغيّب من ذاكرة الناس أراض محتلة فقدها الوطن في هزيمة عسكرية وسياسية في مواجهة عدو خارجي.
أسامة محمد: كما قالت الأخت: خيارها لسوريا كوطن، هو خياري الشخصي أيضاً، وسوريا هي وطني النهائي. لكنها أبدا ليست سوريا التي تُملى عليَّ، ليست سوريا التي لا أتمتع فيها بحقوقي وهي، بالنسبة لي، شرعة حقوق الإنسان. سوريا الوطن هي سوريا المحررة من الداخل، والتي أشارك أنا أيضاً في تعريفها وفي بنائها. مجرد المنع من المشاركة الفعلية في نقاش مستقبل الوطن وبنائه، هو إساءة الى هذا الوطن، وإساءة الى معنى الوطنية. الفساد الذي يرفع شعارات الوطنية لا يحمي الوطن في رأيي، إنما يدمّره. الفساد مع شعارات وطنية في ظلّ انهيار مستوى التعليم، ومستوى القضاء، و... يؤدي إلى انهيار الوطن. أنا سوري، لكني أبدأ من مستوى ما قبل الصفر في بناء الوطن الذي لا يتناقض مع إنسانيتي. في تاريخ سوريا الحديث الذي أعرف، لا يوجد معتقل سياسي سوري واحد إلا شارك إما بالحرب ضد إسرائيل وإما سقط له شهداء في مواجهة إسرائيل، وهو من أشد الناس معرفة بالجريمة الإسرائيلية التي هي قبل كل شيء عار على المواطن الإسرائيلي ما لم يعترف بها، والتي ارتكبت في حق الشعب الفلسطيني وحق أمته وحقنا نحن.
وائل طربيه: أريد القول إن أعمالكم السينمائية قادرة على تعريف جيل لدينا في الجولان، على تاريخه القريب والصميمي والذي من المفترض أن يكون مكونا أساسيا لوعيه، إلا أنه مغيب عنه، ولكن لأسباب مختلفة عن تلك في سوريا. وأقول للأستاذ أسامة محمد: إن الانطباعات لدى من شاهد فيلمك الرائع "صندوق الدنيا" كانت على طرفي نقيض. فقسم من الجمهور كان مبهورا ومعجبا جدا بالعمل ورآه في مصاف روائع السينما، وقسم آخر لم يجد ما يتفق وتوقعاته فخرج غاضبا. وقد تعرفنا خلال هذا الأسبوع على مسائل تلامس عالم السينما السورية ومشكلاتها، ابتداء من المؤسسة العامة للسينما إلى كيفية إنتاج الأفلام ومعاناة المخرجين والسنوات التي تمر في انتظار إنتاج فيلمهم التالي والحصار لبعض الأعمال كـ "طوفان في بلد البعث" سواء في سوريا أو في قرطاج. وهنا أتساءل: أين يقف الفيلم السوري التسجيلي في المشهد الثقافي السوري وعلى مستوى المواطن؟ وهل انحصرت السينما السورية الناقدة في إطار المهرجانات أم تمكنت بطريقة ما من الوصول إلى الناس، والتي أعتقد أن رسالتها موجهة إليهم في الدرجة الأولى؟
أسامة محمد: سأبدأ بـ"صندوق الدنيا". إن انقسام الجمهور قسمين شيء جيد وصحي طالما هنالك حوار. أنا أعي هذا الانقسام، وهو مشابه تماما لما حدث بعد العروض في سوريا، وأثيرت حوله نقاط: هل هو مصنوع للجمهور،... الخ؟ بالنسبة اليَّ، ليس من الضروري في السينما أن تشاهد فيلما وتتمكن من إعادة سرده. لكني اعتقد أن ما تقدمه الصورة، وطريقة الرواية أو السرد أو التعبير، تخاطب مكانا ما في المخيلة الشخصية للمتلقي، لتذهب بحكايته وصوره الشخصية إلى مكان آخر. الفيلم فيه فكرتان: الأولى، أنّ الفيلم أو القصيدة أو الموسيقى تؤسس لطريقة في التفكير، وفي العلاقة مع الذات. الثانية، هي الطموح أو الوهم الشخصي أن هذه الطريقة من السينما تستطيع أن تؤسس لعلاقة جديدة مع المتلقي، فيها شيء من الحرية، وربما من الديموقراطية. فهي لا تملي عليه ما يريد أن يقوله صانع الفيلم، بحيث يتحول المتلقي إلى مشارك رئيسي حين يشاهد الفيلم. إن العرض السينمائي هو في ذاته مشكلة في سوريا، وصالات العرض قليلة، وحضور الأفلام ليس عادة يومية (أو عادة شهرية) في سوريا. إنها طفرات تعتمد على الفيلم، وعلى اسم صاحب الفيلم، ومعظم العروض التي جرت كان الحضور فيها لطلاب الفن، وطلاب الثقافة. أعمالنا لا تصل إلى ما يطلق عليه "الجمهور"، أو "الشعب". وهذا الملف يمكن الحديث عنه مطولا، وهو بالنسبة اليَّ ليس معزولا عن ملف الفساد، الذي أعتبره الباني الرئيسي للمجتمع السوري حاليا. حتى أفلام الزميل عبد اللطيف عبد الحميد، مخرج سوري معروف من مواليد الجولان على ما أظن، التي حظيت بجماهيرية نادرة واستردت تكلفتها الإنتاجية من صالات العرض، لم تعد اليوم كذلك، وهي في أحسن الحالات تسترد نسبة مئوية ضئيلة من تكلفتها الإنتاجية. وهذا مؤشر مهم جدا.
عمر اميرالاي: تعقيباً على سؤال الأخ حول موقع أفلامنا في سياق السينما السورية العام، أريد التنويه هنا بتظاهرة حضرناها أخيراً، وأقصد بها تظاهرة نيويورك عن السينما السورية، التي حُشد لها حوالى أربعين فيلماً تمثل حصاد السينما السورية المعاصرة على مدى أربعين عاماً، وقد فاجأتنا فعلاً التعليقات والانطباعات لدى الجمهور الذي عبّر عن دهشته مما رأى، لأنه كان يتوقع أعمالا موالية للسلطة، ومن النوع الذي يأتيهم عادة من الصين الشعبية أو كوريا الشمالية أو كوبا، التي فيها تأييد للنظام ولأيديولوجيته، وتطبيق لشعاراته ومفاهيمه. جمهور نيويورك فوجئ ونحن معه أنّ حصاد السينما السورية في مجمله هو حصاد سينما مقاومة بدرجات متفاوتة. فيها المقاوم والحادّ الذي يقول الأشياء بمفرداتها الصريحة، وفيها البسيط والعادي ولكن الذي لا يخدم مصلحة النظام. ثمة حالة خاصة ووحيدة في تاريخ السينما السورية، وهو فيلم عن حرب تشرين، الذي استنفرت وزارة الثقافة إمكاناتها كلها من أجله على مدى سنوات، وشكلت لجنة خاصة من الاستشاريين ومن الحزب لعمل هذا الفيلم على طريقة الأفلام السوفياتية. ولم تفكر هذه اللجنة بمخرج سوري لسبب بسيط في اعتقادي، هو أنهم لم يجدوا المخرج السوري المناسب الذي يمكن أن ينفذ طلبات الحزب والسلطة. لقد فتحت مكاتب، وصُرفت أموال، واقتنيت معدات، واستحضر خبراء عسكريون وسينمائيون سوفيات، وفي النهاية سقط هذا المشروع. أسوق هذا المثال لأقول إنّ السينما السورية بفضل تراكم تجربة سينمائييها، وعزيمتهم، نجحت في ألا تنحرف عن هدفها الأساسي، وهي أن تكون انعكاسا وفيا وصادقا للواقع السوري، وهذه نقطة شرف لصالحها.
في ما يتعلق بأفلامنا، لا استطيع الحديث عنها إلا ضمن هذا السياق. وقد تكون أكثر نتوءاً من غيرها لسبب بسيط أن بعضنا، وهو قليل، قد ناضل دائماً كي يبقي هذا العصب المشدود والحاد النبرة حاضراً داخل السينما السورية، كي لا تفتر ولا تتحيّد. وأتمنى أن يأتي اليوم الذي يُتاح لكم فيه الاطلاع على السينما السورية بأكملها كي توافقوني على هذا الاستنتاج.

العنف المنتج ذاته

بشار طربيه: رأيت أن القاسم المشترك بين هذه الأفلام هو مسألة العنف السياسي والأبوي والاجتماعي الذي شاهدناه بالتحديد في حالة "صندوق الدنيا". وهو عنف تاريخي يمتد من العثمانيين ويعاد إنتاجه في مرحلة الاستعمار وفي مرحلة الاستقلال الوطني ما بعد الاستعمار. وفي حالة "صندوق الدنيا" وقد تكون قراءتي مغلوطة، أرى سوداوية من حيث أن هذا العنف يعيد إنتاج نفسه بسبب هذا العمق التاريخي للتفاعل العضوي بين العنف العائلي والأبوي والتمييز ضد المرأة والعنف السياسي. نسبيا، يمكن القول إن حركة التحرر ضد الاستعمار وبسبب تبنيها للعنف في ممارستها، خرجت عنيفة هي بذاتها. وهكذا يبدو أن هذا العنف تأصل في تفكير حزب البعث والحركة القومية العربية عموماً وممارساتها. وهنا يعود سؤال المواطنة والديموقراطية. وتعريف سوريا على أنها الجمهورية العربية السورية، مبني على استثناءات مجموعات كبيرة من المجتمع السوري. ففي أعمال الأستاذ عمر أميرالاي نرى بالفعل انعكاسا لواقع سوريا، ولكن بدون تعليق. سؤالي لكم: كيف ترون المخرج من هذه الدائرة من العنف الذي يعاود إنتاج ذاته؟
أسامة محمد: دعني أولا أستفيد من هذه العواطف التي نعيشها في هذه اللحظات، لأشكرك على قراءتك، وأشاركك في ما قلت حول "صندوق الدنيا". أريد التوقف عند النقطة السوداوية. هذه النقطة محط جدل نظري وغير نظري بالعلاقة مع الفن أو علاقة الفن بالمجتمع، سواء أكان هذا الفن سينما أم شعراً أم موسيقى أم فناً تشكيلياً. أرى أن النقطة المفصلية هي المعرفة. هل نحن نقدم معرفة من خلال هذا الأسود؟ هنا يكمن السؤال وهنا منشأ المغامرة ومنشأ التجربة. والمغامرة هنا في صناعة فيلم سوداوي، فيلم لا يحوي العناصر المتفق عليها للتشويق أو المتعة أو سهولة القبول. في فيلمي الأول "نجوم النهار" نرى كيف ترشح السلطة من الأعلى إلى الأسفل بهذا الجدري المقيت الذي يسمُ الناس الهامشيين على تعدد درجات هامشيتهم وضعفهم وثانويتهم الإنسانية، وعوزهم ولا حول ولا قوة لهم، وكيف تغويهم السلطة، فتنمو عندهم حاسة العنف، وحاسة التفرد بالسلطة، فيفقدون علاقتهم الإنسانية بأنفسهم ويتحولون إلى شخصيات هزلية ومضحكة. الهدف دائما بالنسبة اليَّ في السينما هو الإنسان والشخصية الإنسانية، من هنا نبدأ بالاتفاق على معنى "الوطن". في "صندوق الدنيا" شعرت بضرورة البحث عن مسؤوليتنا كمواطنين وكمجتمع عن إنتاج العنف، إنتاج السلطة، وإنتاج الديكتاتورية، والاتكاء على العنف بتقاليده الشعبية وثقافته الدينية والاجتماعية، ثقافة البطولة، ثقافة البحث عن البطل الفرد، ثقافة البحث عن الراحة بالانصياع.
قد لا يصحّ الحديث عن السينما بهذه المباشرة، لكني أردت إقفال النقطة التي بدأت منها. فاليوم، كي نحصن أنفسنا وإنسانيتنا يجب أن يبدأ كل من نفسه، يجب أن نطالب المستبد فينا، أيا تكن لغته أو شكله بالكفّ عن الاستبداد. البداية هي في الإمساك بهذا المفصل، بدءاً بالمعرفة والقوة الذاتية التي تتجلى بأنسنة الإنسانية وعدم القبول بخيانتها، وربما لهذا السبب لم أخرج من السوداوية. في المقابل، مشاهد الحبّ ليست سوداوية، وليست جزءاً إلزامياً من سياق التحليل السياسي، لكنها لا تقل أهمية أو قوة عنه، وتبقى متضمنة فيه، وهي ربما القوة المستقبلية.
أكرم الحلبي: سؤالي استاذ عمر هو عن فيلمك "طبق السردين". ما منشأ الفكرة؟
عمر اميرالاي: شكراً على سؤالك. سأبدأ بالكتابين اللذين هما من إهداء غاليري أتاسي التي نشرتهما، "تاريخ الفن التشكيلي السوري المعاصر" و"فاتح المدرس"، والشكر يجب أن يوجّه الى السيدة منى الأتاسي التي أعربت عن أمنيتها في أن تقيم معرضاً لأعمال فاتح المدرس بمجدل شمس في يوم من الأيام، وخصوصاً أن المدرس لقي تكريما عندكم لم يلق مثله في سوريا، إذ لم يخطر على بال أحد في سوريا مثلاً أن يسمّي جمعية أو رابطة بإسم فاتح المدرس، وهو بالتأكيد أحد أهم أعلام الفن التشكيلي في سوريا، إن لم يكن أهمهم على الإطلاق.
أما فيلم "طبق السردين" فله حكاية بسيطة، وهي أني التقيت عام 1978 بالمخرج الإسرائيلي عاموس غيطاي في مهرجان المتوسط، وكان يعرض يومذاك فيلمه "البيت" الذي يتحدث عن دار هجرها أصحابها الفلسطينيون عام 1948، وهو فيلم مهم جداً. ومن خلال الحديث معه تبيّن لنا أنّ كلانا خدم عسكريته على جبهة الجولان عام 1973، والمصادفة الأغرب أننا كنا نقوم بالمهمة نفسها تقريبا، كلّ من جهته. أنا كنت مكلفا خلال الحرب على رأس دورية لاعتقال الطيارين الإسرائيليين الذين كانت صواريخ سام السورية تسقط طائراتهم في منطقة الجولان السورية، وهو كان مساعد ممرض ضمن مجموعة تدخل لإنقاذ الطيارين الإسرائيليين الذين كانوا يسقطون في الجولان المحتل. كنا نؤدي المهمة نفسها تقريباً في الوقت نفسه والظرف والمكان. بعد عشرين سنة من حدوث هذا اللقاء، قدّم عاموس لقناة "آرتي" الثقافية الأوروبية مشروع سهرة عن الصراع السوري الإسرائيلي، واقترح اسمي للمشاركة في هذه السهرة التي كان من المفترض أن يروي فيها كلّ منا علاقة جيله بهذا الصراع. السهرة كانت مكونة من شقين: الأول فيلم تسجيلي قصير يحكي قصة سماع كل منا ببلد الآخر (العدو) لأول مرّة، فكان فيلم "طبق السردين" الذي رويت فيه كيف سمعت أنا للمرّة الأولى بإسرائيل، والثاني فيلم تسجيلي طويل يحكي قصة الصراع السوري الإسرائيلي من خلال تجربة كل منا الشخصية، وتجارب مجايلينا مع هذا الصراع. فصورت في البداية شهادتين لصديقين عاشا هزيمة 1967، وعندما وصلت إلى شهادة الصديق سعد الله ونوس، وجدت صراحة أن شهادته قوية الى درجة جعلتني أتنازل عن شهادتي وأستبعد شهادات الآخرين، فكان فيلم "وهنالك أشياء كثيرة كان يمكن المرء أن يتحدث عنها". من هنا أتت فكرة "طبق السردين" والحكاية فيها حقيقية.
أسامة محمد: هل سمعتم ما قاله فاتح المدرس ذات مرة عن الجولان؟ قال بما معناه إنه لو أدرك السوريون، أو لو وعوا بمداركهم العميقة، مدى جمال الجولان، لما استطاع أحد على الإطلاق أن يحتله. يمكن أن نضيف إلى هذا أشياء كثيرة نرغب بقولها. فالسينما ليست دائما خطاباً سياسياً، وفي أماكن معينة لها علاقة بالوعي - الذكاء الأعمق - لتشكيل لغة وخطاب جديد نتحاور من خلاله. نختلف ونتفق. لأن علاقة المتلقي بالمفكر، أو الصانع بالمتلقي، تكون معيبة إذا كانت تشبه علاقة السلطات بالجمهور، حيث المتلقي له دور المصفق كما في السياسة. الحوار في رأيي لا يتطلب أبدا الموافقة على خطاب من يحاورك، بل يتطلب الإصغاء والاحترام المتبادل.
رياض محمود: لاحظت من خلال فيلم "طوفان في بلد البعث" أن القمع الذي يمارسه النظام يتجلّى في ضرب التربية والتعليم. ما هو دور التعليم في إنتاج النظام السياسي والتلقين الإيديولوجي في الجامعات السورية؟
عمر اميرالاي: المنهاج التعليمي الذي ينتج نمطية كهذه في معظم المدارس السورية، قد تم التقاطه في الوقت المناسب، لأنه قبل أسبوع تماماً صدر قرار بإلغاء معسكرات التدريب الجامعي الإلزامية لطلبة الجامعة الذين كانوا بموجبها يحصلون على علامات اضافية. أعتقد أن الحالة السورية ليست هي الحالة الاستثنائية الوحيدة التي لا تليق بالتربية ولا بالتعليم. لأنها باختصار منتوج رث لمنهاج تعليمي سيئ ورديء جداً كان مطبقاً في دول المعسكر الاشتراكي، وقد ظنّ البعثيون أنهم بشطارتهم سيصنعون كوكتيلا يضاهي في رداءته مناهج التعليم السوفياتية والرومانية والكورية الشمالية والكوبية مجتمعة، فخرجوا علينا بهذه "السَلََطة" التي لا يمكن تسميتها تربية أو تعليما، وإنما تفريغا وغسل دماغ منهجيا للفرد. الجريمة الكبرى هي عندما يستهدف هذا النظام غسل دماغ الأطفال الصغار والأبرياء. حتى اليوم لا يزال الأطفال يهتفون للقائد والحزب خلال الفرص بين الدروس. لن أدخل هنا في التفاصيل، لأني أعتقد أنّ منهاجاً بربرياً من هذا النوع يلغي الحاجة لأيّ تفصيل.
أسامة محمد: قسم من السؤال كان عن التعليم الجامعي. ومع أني لم أدرس في الجامعات السورية، بل في موسكو، إلا أن الجامعات السورية جزء من ملف الفساد. الفساد كلمة لا يمكن الإحاطة بها. هنالك جيل من المدرسين الذين أصبحوا مدرسين على المستوى الجامعي عبر قناة الولاء السياسي، والتقرير الأمني، والموافقة الأمنية. قسم كبير منهم لم تأت بهم كفاءاتهم إلى هذا المكان، فألفوا ما يشبه الألف ليلة وليلة من قصص النجاح بالرشوة المالية أو التحرش الجنسي، أو غيره. هؤلاء المدرسون الذين لا يمتلكون أدوات المهنة التدريسية يهينون تلك المهنة المقدسة.
وائل طربيه: شاهدت فيلم "الرجل ذو النعل الذهبي" للاستاذ عمر على شاشة "تلفزيون المستقبل"، وأودّ طرح سؤال تفصيلي نوعاً ما. خلال الفيلم كنت تعود لجلسات حوار مع أصدقائك: الشهيد سمير قصير وإلياس خوري وفواز طرابلسي وتدخل معهم في نقاش ونقد وتحريض على أسئلة في عينها. هل أدخلت في الفيلم نوعا من الارتجال مستقى من الحوار مع أصدقائك، بدون خطة مسبقة أو تصور دقيق لنهاية العمل؟
عمر اميرالاي: يوجد جانب من الصدق في عملية صنع هذا الفيلم، كما يوجد جانب من الخداع المشروع لخدمة قضية الإبداع. فعندما قررت عمل فيلم عن رفيق الحريري حاولت تجميع ما هو متوافر من وثائق ومصادر عنه كالكتب والمنشورات، فكانت المحصلة هزيلة جداً وواهية، ككتاب نجاح واكيم الذي هو تجميع رخيص لتقارير مخابرات وإشاعات وأقاويل وقّعها بإسمه. ووجدت بعد الانتهاء من عملية البحث هذه أن أغلب هذه المصادر كانت سخيفة، ولم تضف جديداً إلى مقاربتي للموضوع. الحريري منذ اللحظة الأولى التي ظهر فيها اعتبر منتوجا مشبوهاً لتفاهم عربي إقليمي دولي لوقف الحرب الأهلية، وقد أسقط بالفعل على الواقع السياسي اللبناني بالمظلة، فاستفزّ هذا الجميع، من اليمين اللبناني إلى يساره إلى البورجوازية السنية التقليدية إلى الشيعة... أي في جو من العداء العام له. لقد استقبل بهذه الطريقة لأنه شخص غاب سنوات عن بلده وظهر فجأة على مسرح الاقتتال السياسي في لبنان ليلعب دور المخلص. هذا لا يعني أن ليس هنالك جوانب مهمة يُنتقد عليها الحريري، كمشروعه لإعادة إحياء لبنان، وبناء بيروت، ورهانه على موضوع السلام مع إسرائيل بعد مؤتمر مدريد، لإعادة إعمار لبنان،... الخ. لكن التاريخ والأحداث مع الأسف أجهضت توقعاته. من هذه الخلفية المعرفية رحت أتعاطى مع موضوع الحريري، فلجأت إلى أصدقاء مقربين لي كالياس خوري، وسمير قصير، وفواز طرابلسي وغيرهم، في اعتبارهم مثقفين لبنانيين عارفين للشأن اللبناني ولهم مواقف وآراء أحترمها جداً. وبالفعل حاورتهم وسألتهم عن كيفية التصدي لموضوع شائك ومعقد مثل موضوع الحريري، فزودوني يومذاك اقتراحات ونصائح ثمينة. لكن الحريري وفي أول اتصال مباشر لي معه أبدى تحفظاً شديداً عن قبول المشاركة في الفيلم لأن سمعتي السيئة كانت سبقتني إليه بسبب أفلامي الأخرى. وفي المقابل كانت والدتي اللبنانية الأصل والموالية للحريري تطاردني هي الأخرى بدعواتها ومناشداتها بألا أؤذي الرجل. بصراحة بعد مضي فترة على التصوير شعرت بانجذاب نحوه، خلق عندي تياراً ايجابياً جداً، ونسيت أني أصنع فيلماً عنه. فهو في مثل عمري تماما، لأننا ولدنا في العام نفسه، ومن منشأ اجتماعي مشابه لمنشئي. شعرت أني أعرف هذا الرجل منذ زمن بعيد، لاسيما أن علاقته مع سوريا كانت مجردة من أي مواقف مسبقة. كأننا من بلد واحد. لذلك وقعت بما لا أريد أن أسمّيه إغواءً، لأن الشيطان وحده هو الذي يغوي. ولكن لمَ لا إذا كانت الغاية هي الوصول إلى الحقيقة. عادة يُتوقع من المثقف اليساري الا يقرّ بهزيمته، وأن ينتصر دوماً على خصومه، وهذا السلاح كان في يدي، لأني أنا الذي يقرّر في النهاية مصير المواد التي صورتها، وكان في مقدوري طبعاً استبعاد أي مادة لم تكن في مصلحتي خلال السجالات والحوارات التي كانت تدور بيني وبين الحريري، وبالتالي الخروج منتصراً من الفيلم، وهذا ما يمارسه عادة السينمائيون الذين لا يتمتعون بالحدّ الأدنى من الفروسية والصدق مع الذات. أنا قررت أن هذا المثقف اليساري العنتر يمكن أن يخسر جولة، ويمكن أن يضعف أحيانا أمام ما تخبئه له الحقيقة من مفاجآت. كنت في الواقع أمام خيار صعب: إما أن أنتصر لنفسي كمثقف يساري وإما أن أخسر نفسي كسينمائي، أي إما أن أصنع فيلما فيه الحدّ الأدنى من الصدق والإخلاص للحقيقة، وإما أن أنتصر للمثقف فأنقذ كبرياءه ولا أسمح لرجل السلطة أن يغلبه. بصراحةً أنا ضحيت بعنترية المثقف اليساري لأؤدي الدور الذي يضمن ديمومة العمل، وهو دور المبدع.
وهيب أيوب: الأخ عمر أميرالاي، في أحد أفلامك تتحدث عن التشققات والتصدعات في السدود في سوريا. وسؤالي لكما: هل هنالك أمل في الأفق القريب بانهيار تلك السدود؟
أسامة محمد: سأجيب من مكان آخر. لا أعتقد أن الأمل هو في انهيار السدود، بل ببناء السدود. في السينما نحاول ذلك بالحوار، وهو المساهمة في بناء ثقافة القبول بالآخر. هذا المشروع مشروع سد عال وصعب جدا، وحجارته بحاجة لحزم وتواضع وجهد كبير. هكذا يمكننا أن نبني مشروعا مغايرا وبديلا ومناقضا للمشروع السياسي القائم، مشروع استبداد السلطة القائمة، بدل الجلوس متأملين منتظرين انهيار السدود الموجودة. وإذا انهارت قبل أن يكون لدينا أساس لسدود ثقافتنا ستظهر لنا بدائل مشابهة لسابقاتها. وأعتقد أن ما قاله عمر عن لحظة الخيار الأخيرة في فيلم "الرجل ذو النعل الذهبي" هي لحظة القبول بالآخر. ليس المهم الانتصار عليه، المهم القبول بوجوده. سأعطي الكلمة لعمر لأسمع فتواه في السدود لأنه مهندس سدود.
عمر اميرالاي: السؤال طبعاً فيه مجاز وفيه ذكاء لا شك، وهو من وحي المجاز الموجود في الفيلم كما أظن. ما حاولت تلخيصه في الفيلم عبر الترميز، أو بشكل أدق عبر المجاز أو الاستعارة، أن الموضوع ليس انهيار السدود، وإنما كيف يهيئ نظام استبدادي السرير لبديل استبدادي آخر. وهذا ما أردت قوله في فيلم الطوفان. السؤال هو هل أننا محكومون بأن تتوالى علينا إلى الأبد أنظمة الاستبداد، جيلاً بعد جيل، كي لا ننعم يوماً بلحظة حرية حقيقية خارج هذا الاستبداد الذي هو من صنع هذه المنطقة كما نعلم، ويبدو أنه يستهويها لآخر عمرها؟ الحلّ في رأيي ليس بسقوط السدّ الحالي، لأنّ خلف هذا السدّ تراكما هائلا من الكبت والحرمان والغضب ورفضا للفساد ولانعدام الأخلاق والكذب والشعارات، الخ. فهذه المياه التي يزداد ضغطها على هذا السدّ لا أحد يستطيع، سواء أنا أو أنت أو أي شخص آخر، أن يتصوّر إلى أي منقلب أو جحيم أو جنون سيأخذنا إليه انفجارها في حال وقوعه. هذا هو السؤال المرعب والمخيف الذي ألمحت إليه في الفيلم، والذي أحاول أن أغتاله كل يوم في مخيلتي لأنه مرعب بالفعل.
أسامة محمد: في أدبيات السنوات الأخيرة للخطاب السوري المعارض نلاحظ كلمة "السلم". إحدى مواصفات الخطاب المعارض السوري اليوم هي تأكيد السلم في إطار الثقافة الجديدة التي إذا تمكنّا من بنائها فلن تنهار السدود على رؤوسنا.
منير فخر الدين: أعتقد أنه لا داع لأي نهاية رسمية لهذا اللقاء، لأننا كما أشعر أصبحنا أصدقاء. أتمنى لكم التوفيق وأتمنى أن نلتقي قريبا في مركز فاتح المدرس في مجدل شمس وفي كل الجولان، ونستضيفكم في بيوتنا ونتواصل بعيدا عن الحدود الصادمة وغير الطبيعية، فأشكركم .
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات