بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> مقالات >>
هل أضعنا البوصلة وخسرنا الرصيد
  30/06/2015

هل أضعنا البوصلة وخسرنا الرصيد


بقلم: د. إحسان قضماني


ما أصعب البناء وما أسهل الهدم. لقد كان اسم مجدل شمس قبل الاحتلال الإسرائيلي للجولان في حزيران من العام 1967 ملطخا بسبب ما اقترفه عدد من أبنائها الذين كانوا قبل قيام دولة إسرائيل يسترزقون من بيع بعض المنتجات الفلاحية كالبيض في شمال فلسطين. وبعد قيام دولة إسرائيل سعت أجهزة مخابراتها إلى تشويه سمعة الدروز وجعل محيطهم يشك فيهم ويعتبرهم موالين للعدو الإسرائيلي فقامت بتجنيد عدد من الشبان الأغرار وبشكل جماعي ومكشوف من بين بياعي البيض والملفوف ومن لف لفهم وكلفتهم بتزويدها بمعلومات عن الجيش السوري، رغم معرفة تلك الأجهزة المخابراتية بأن أولئك الشبان الأغرار أعجز من أن يزودوها بأية معلومات جديدة عليها، فقد كان الهدف الحقيقي من وراء كل ذلك ليس التجسس عل العدو بل ضرب الجبهة الداخلية لذلك العدو من خلال دق إسفين بين الدروز وبين بقية أبناء شعبهم السوري.
وصادف أن كانت أجهزة المخابرات السورية على درجة متدنية من الوعي الوطني إلى حد أنها قد بلعت الطعم بكل سماجة وغباء، فرغم أنه كان من الواضح من الطريقة التي بها تجنيد أولئك الشبان من قبل المخابرات الإسرائيلية ومن طبيعة المهمات التي تم تكليفهم بها، بها ثم من دور المخابرات الإسرائيلية نفسها في كشفهم بعد فترة وجيزة جدا من تجنيدهم أنها كانت تريد إحداث شرخ هائل في النسيج الوطني السوري، إلا أن جهل القيادة السياسية في دمشق وأجهزة الأمن السورية لم يتمخض عنه إصدار أحكام بالإعدام على غالبية الموقفين فحسب، بل دمغ بلدة مجدل شمس برمتها بوصمة العمالة للعدو والتعامل مع سكانها قاطبة وكأنهم جواسيس إلى حد أن البعض درج على تسميتها ببلدة الجواسيس.
لقد ناضلت أجيال متعاقبة من أبناء الجولان المحتل نضالا مجيدا ضد وجود الاحتلال الإسرائيلي على أرض الجولان منذ اليوم الأول لوقوع الاحتلال وقدم دروز الجولان المحتل تضحيات جسام فاستطاعوا أن يغيروا الانطباع السائد عن مجدل شمس تغييرا كليا، بحيث صار اسم مجدل شمس رمزا وطنيا وصارت مسيرة أهل الجولان الوطنية مدرسة تحتذى في النضال يقدرها ويشيد بها القاصي والداني.
ثم نشبت ثورة الشعب السوري ضد نظام آل الأسد الطائفي الفاسد والمستبد في شهر أذار من العام 2011 فكان أن أضاع معظم أهل الجولان البوصلة فوقفت غالبيتهم من الجلاد المجرم وأداروا ظهورهم لكفاح وتضحيات أكثرية أبناء شعبهم السوري المكلوم. لا بل أكثر من ذلك فقد مارسوا بصورة طوعية واختيارية عبادة الفرد المفروضة فرضا وإكراها على المواطنين السوريين القابعين تحت نير آل الأسد، فكنت تراهم لا يفوتون فرصة أو مناسبة وطنية إلا ويتظاهرون حاملين صورا كبيرة للمجرم المأفون بشار الأسد، كما وتسمعهم يهتفون بأعلى الصوت (تحيا سورية ويحيا بشار الأسد) !!!
نشأ عن ذلك انقسام حاد وشرخ عامودي في مجتمع الجولان المحتل بين أكثرية موالية للنظام المجرم وأقلية معارضة له غالبيتها من المثقفين. وكان أن اغتنم الفرصة بعض من كانوا على امتداد عشرات السنين من عمر الاحتلال شبه مقاطعين أو معزولين اجتماعيا لكونهم محسوبين على الاحتلال ومصنفين من أزلامه فصار من المرحب به أن يشاركوا في مظاهرات ومسيرات الموالاة بل وأن يتقدمون الصفوف أحيانا. وسرعان ما صار أمثال هؤلاء المنافقين مواطنين شرفاء بنظر الموالين لبشار بينما تم دمغ المعارضين بأنهم عملاء يقبضون من قطر والسعودية ومن أمريكا وحتى من إسرائيل رغم أن تبين أن أمريكا وإسرائيل هما آخر من يرغب في أو يسعى إلى سقوط نظام آل الأسد، ورغم أن العديدين من هؤلاء المعارضين كانوا قد قضوا سنوات طويلة من أعمارهم خلف قضبان سجون إسرائيل عقابا لهم على ما قاموا به ضد الاحتلال الإسرائيلي.
ثم جاءت الطامة الكبرى مؤخرا بمهاجمة سيارة الإسعاف والاعتداء الهمجي على جريحين سوريين، فتحول اسم مجدل شمس من مضرب المثل في الصمود والوطنية والإباء والشمم إلى مضرب المثل في التنكر للشهامة العربية المعروفية التي طالما تغنى بها الشعراء الذين أثنوا على بالدروز وفي مقدمتهم أمير الشعراء أحمد شوقي الذي أشاد بالثورة السورية الكبرى بقيادة سلطان الأطرش وقال:
سلام من صبا بردى أرق ودمع لا يكفكف يا دمشق
وتعلم أنه نور وحق دم الثوار تعرفه فرنسا
وما كان الدروز قبيل شر وإن أخذوا بما لا يستحقوا
ولكن ذادة وقرات ضيف كينبوع الصفا خشنوا ورقوا
يبدو أننا قد فقدنا البوصلة فعلا وفقدنا معها معظم رصيدنا الوطني النبيل الذي بنيناه لبنة لبنة على امتداد عشرا ت السنين، ودفعنا في سبيله تضحيات جسام. فعسى ألا يكون الثمن الذي سيدفعه بنو معروف قاطبة جراء ذلك مكلفا جدا.

  للمزيد عن د. احسان القضماني

اضغط هنا



 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات