بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> مقالات >>
هل ستنتقل سورية من فاشية العسكر إلى فاشية الجهاديين
  25/08/2015

 هل ستنتقل سورية من فاشية العسكر إلى فاشية الجهاديين


د. إحسان القضماني

 


على ضوء الواقع الميداني القائم في سورية في هذه الفترة من عمر الثورة نرى البعض ممن تحمسوا للثورة في بداياتها قد فتر تأييدهم لها في هذه الأيام، رغم استمرار إقرارهم بفساد نظام آل الأسد وضرورة التخلص منه آجلا أو عاجلا ومهما كلف الأمر. وهم يبررون ذلك الفتور بخشيتهم من أن انهيار النظام حاليا يعني استيلاء تيارات إسلامية جهادية متطرفة على مقاليد الحكم في دمشق وتحويل سورية إلى دولة خلافة إسلامية قد لا تختلف الأحوال فيها كثيرا عما هي عليه الآن في دولة الخليفة أبو بكر البغدادي.

حال من يعتقدون هذا الاعتقاد كحال من لا يرى من الغابة المترامية الأطراف سوى الصف الأول من الأشجار الذي يلوح أمام بصره.

إن بروز ظاهرة المد الإسلامي الجهادي المتطرف كداعش وجبهة النصرة وسائر الحركات التي على شاكلتهما يبدو لنا من المنظور التاريخي أمرا صحيا للغاية بل ربما ضروريا أيضا، لأنه بعد تهافت شعبية التيارات ذات الصبغة اليسارية والقومية، فقد شاعت لدى قطاعات واسعة من الجماهير العربية أوهام مفادها أن الخلاص لا يأتي إلا من خلال تطبيق الشريعة الإسلامية والعودة إلى نظام الخلافة. وبالتالي فقد راج شعار (الإسلام هو الحل) وارتفعت أسهم الإسلاميين على اختلاف أصنافهم ارتفاعا كبيرا.

ومن تحصيل الحاصل القول بأن الجماهير العربية المنقادة وراء شعار (الإسلام هو الحل) لن تستفيق من نشوة أحلام اليقظة التي تغط فيها لكي ترى الأمور على حقيقتها إلا بعد أن تلمس لمس اليد وتنظر بأم العين إلى الممارسات على أرض الواقع، التي سيتحفنا بها رافعو رايات ذلك الشعار البراق، وما سوف يقدمونه لتلك الجماهير إن هم وصلوا إلى سدة الحكم وتبوئوا المناصب في أنظمة الخلافة الإسلامية المزمع إقامتها من قبلهم.

إن المنظومة الفكرية التي تستند إليها معظم التيارات الجهادية المتطرفة تجعلها لا تختلف كثيرا لدى ترجمة تلك المنظومة الفكرية إلى ممارسة ونهج مسلكي عن ما شهدناه من أفعال إجرامية وسلوكيات ظلامية في المناطق التي سيطرت عليها داعش في سورية والعراق، أو عن ممارسات جبهة النصرة في محافظة إدلب التي ما أن صارت لها اليد الطولى فيها حتى فرضت على الأقلية الدرزية هناك أن تتحول بالإكراه إلى المذهب السني، رغم أن الأقلية الدرزية في بلاد الشام قد عاشت منذ أن نشأت قبل قرابة حوالي العشرة قرون تحت حكم دول إسلامية سنية بامتياز بدءا من الدولة الأيوبية مرورا بدولة المماليك ووصولا إلى دولة الخلافة العثمانية دون أن تتعرض هي أو غيرها من الأقليات الدينية لمثل هذا الإكراه في الدين، الذي أسفر عن اقتلاع الكثير من أبنائها من ديارهم التي عاشوا فيها مئات السنين. أما من لم يقتلع منهم من بيته فقد أجبر مكرها على الرضوخ لأوامر ونواهي عصبة من أمراء الحرب الأجانب في جبهة النصرة يوحي تحجرهم وتغطرسهم بأنهم قد خرجوا لتوهم من كهوف القرون الوسطى. ناهيك عن إحلال مجاهدين من تركستان في بيوت لمواطنين سوريين دروز ذوي جذور ضاربة في عمق الأرض السورية أبا عن جد.

وفي تقديرنا فإن حجم الفشل الجماهيري الذي منيت به التيارات اليسارية والقومية فيما مضى سوف يبدو غاية في الضئالة ومتناه في الصغر مقابل حجم الفشل التاريخي الذي ستمنى به مستقبلا الحركات لإسلامية المتطرفة إذا ما قدر لها أن تمسك بدفة السفينة وتحكم سورية في يوم من الأيام، لأنها محكومة برؤى فكرية لا تستطيع الانفكاك منها تلزمها بالإبحار في الاتجاه المعاكس لحركة التاريخ. ولعل النموذج الذي قدمته حركة طالبان عندما استولت على الحكم في أفغانستان يعطي الدليل على طبيعة ما يمكن أن تنطوي عليه تلك التيارات الجهادية المتطرفة، فبدلا من أن تفلح طالبان في النهوض بذلك البلد الفقير وفي وضعه على طريق التقدم والتطور والازدهار، قد سارت به إلى الوراء بحيث ازداد سكانه جهلا وفقرا وتخلفا عن ركب حضارة العصر الذي نعيش فيه.

ورغم أن حركة الإخوان المسلمين في مصر وحركة النهضة الإسلامية في تونس تمثلان وجه أكثر اعتدالا وتعصرنا بما لا يقاس من طالبان وداعش وحركة النصرة وبقية التيارات التي تتبنى نهجا متشددا، إلا أن غالبية الشعب المصري لم تطق أن يستمر الإخوان في حكمها لأكثر من سنة واحدة، حيث ما لبث المصريون أن خرجوا في مظاهرات حاشدة مطالبين بإسقاط مرسي وبإنهاء حكم الإخوان بعد أن كانوا قد أوصلوهم إلى سدة الحكم من خلال انتخابات ديمقراطية نزيهة قبل عام واحد فقط.

وللأسف فإن النقمة الشعبية العارمة جراء الممارسات الخاطئة التي اقترفها الإخوان في مصر قد أتاحت فرصة ذهبية سانحة للعسكر لم يترددوا في اغتنامها من أجل العودة إلى الحكم والإمساك بمقاليد السلطة من جديد، وهو ما مكن الدولة العميقة في مصر من استعادة معظم ما كانت الثورة قد انتزعته منها من مواقع وأدوات حكم.

ورغم وجود فارق كبير بين ما حدث في كل من مصر وتونس، إلا أن الانتخابات التي حصلت في تونس قد أظهرت أن الشعب التونسي لم يستطب العيش تحت سلطة الإسلاميين رغم أنهم معتدلون نسبيا، ورغم أن قيادة حركة النهضة متمثلة براشد الغنوشي وعبد الفتاح مورو قد أفلحت – والحق يقال- في تمثل واعتناق الكثير من قيم الديمقراطية المنشودة.

لكن ما يبشر بالخير في تجربة تونس هو أن النهضة قد أفلحت في التأقلم مع النظام الديمقراطي البرلماني الذي ما زال يعتبر الأفضل بين كافة الأنظمة (السيئة كما قال ونستون تشرشل ذات يوم). وبالتالي فليس من المستبعد أبدا أن يعيد الشعب التونسي حركة النهضة سدة الحكم مستقبلا وأن تقدم للجماهير العربية نموذجا يحتذى لنظام إسلامي ديمقراطي قائم على العدل والمساواة والتسامح، يستمد خلفيته الثقافية من القيم الإسلامية النبيلة التي يعتز بها كل عربي حتى ولو كان غير مسلم، ويتعاطى مع تصريف أمور الحياة الدنيا من منطلقات مدنية وعصرية وحداثية، وذلك على غرار النماذج التي أفلحت الأحزاب الديمقراطية المسيحية الأوربية في تقديمها من خلال إدارتها لدفة الحكم في عدة بلدان متطورة كألمانيا مثلا.

إن شعبنا السوري كما نعهده هو من أكثر شعوب المنطقة العربية انفتاحا وتمدنا وبعدا عن التطرف والانغلاق، وقد اضطر بسبب حشره في أوضاع بالغة الصعوبة إلى التماهي إلى حد ما مع بعض التيارات الإسلامية المتطرفة التي أبدت بسالة محمودة في مقارعة قوات النظام، ربما بفضل الإيمان الشائع بين مقاتليها بأن نيل الشهادة هو أقرب السبل للوصول إلى جنات الخلد والتمتع بنعيم السماء. بيد أن هذا الشعب ما أن يخرج من ضائقته الخانقة ويتخلص نهائيا من نظام آل الأسد البغيض حتى ينفض عن عاتقه أغلال أي تماه حصل مع كافة الحركات الجهادية المتطرفة كداعش والنصرة ومن على شاكلتهم من حركات ظلامية ليس في جعبتها ما تقدمه له سوى القمع الاجتماعي والسياسي والحرمان من الحريات العامة وتحريم الكثير من متع الحياة الدنيا ومن ثمار العصرنة والتحديث.

ولعل ما حدث في بنش والأتارب مؤخرا عندما انتظم الناس في مظاهرات حاشدة وهتفوا مطالبين بخروج جبهة النصرة من ديارهم هو مؤشر قوي على اتجاهات المزاج الشعبي الحقيقي في بلادنا، ناهيك عن أن الأعداد الغفيرة ممن سيعودون إلى سورية من البلدان المتطورة التي لجأوا إليها خلال سنوات الثورة سيحملون معهم فكرا جديدا وإرادة حقيقية للتغيير والتقدم في اتجاهات لا تتفق قط مع اتجاهات الجهاديين المتطرفين من ذوي العقول المتحجرة، الذين لا يمكن أن تكون لهم اليد الطولى في سورية بعد انتصار الثورة، لأن أفكارهم وطروحاتهم المتمثلة بالنظر إلى الماضي من أجل الرجوع بنمط الحياة مئات السنين إلى الخلف لا تلبي تطلعات إلا فئات هامشية من الشعب السوري.

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات