بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> مقالات >>
ستار الصمت...
  18/07/2006


ستار الصمت...
أيمن أبو جبل
الثلاثاء 18\07\2006

ماذا يقول سمير القنطار داخل زنزانته اليوم؟ بماذا يفكر؟ وبماذا يحلم؟ كيف هم رفاقه الأسرى الفلسطينيون والسوريون؟ وكيف يفكرون؟ وماذا يقولون حين يشاهدون شاشات التلفزة، ويقرأوون صفحات الجرائد العبرية والعربية المتوفرة لديهم، بعد مصادرة معظمها اثر اسر الجندي الإسرائيلي في قطاع غزة؟ أسئلة شغلت عددا من ضيوف الشاشة اللبنانية، لم تخلو من خبث سياسي، وصيد في مياه عكرتها القذائف والصواريخ الإسرائيلية، واشغلت بعض المهتمين والغيورين الجولانيين على أمن ومستقبل ومصلحة لبنان البلد الشقيق، في مواقفهم وأرائهم حول العدوان ودوافعه وأسبابه.

من عايش فترات عصيبة وأليمة وجريحة مر بها شعبنا في فلسطين ولبنان والجولان والعراق، وهو داخل زنزانته، يستطيع الإجابة على بعض تلك التساؤلات، ويستطيع استحضار مشاهد الجدالات والحوارات والنقاشات والعراكات السياسية ما بين المؤيد والمعارض والمحلل والمراقب، فللجميع حق الإدلاء بدلوه، بعصبية وردة فعل أحيانا، وبهدوء وموضوعية أحيانا أخرى. في السجن كل شيء متاح ما دام يخضع لمنهجية الرأي والري الأخر. كل شئ متاح فكريا وعاطفيا، ما دام هناك صمود لأحرار هذه الأمة. أحلام كبيرة، وعواطف متناقضة، وربما دموع يختلط فيها الفرح بالالم والحزن، وتمتزج فيها الأفكار، وخاصة إذا كانت تتعلق بقضية الأسر، والحرية، وانبلاج فجر يبشر بخاتمة الآلام وسنوات الحرمان، وبدء ملامسة أشكال الحياة العادية للبشر، دون أن تكون أحلامك ورغباتك وحياتك، كلها، رهينة مرتبطة بقرار او مزاج الاخرين.

ثمن الحرية لا يقدر بأثمان أو كنوز. وطبعا، لا تقارن حرية الإنسان بالأرقام المالية، ولا تقارن بأي من ملذات ومتع الحياة الفردية الذاتية. ومثلها حرية الشعوب، لاتقارن بخسارة وفقدان المعالم العمرانية والبني التحتية، وشلالات غريزة من دماء الأبرياء.

سمير القنطار ومن معه من الأسرى والمعتقلين في سجون الاحتلال، هم طلاب حرية، وأصحاب حق وقضية، وهم بكل ثقة وتأكيد يدركون كما هي الحقيقة إن تلك الحرب الإجرامية والعدوانية التي تشنها إسرائيل على الأبرياء والمدنيين في لبنان، وحرق الأرض فيه، والقضاء على كل إنتاج زراعي وصناعي وغذائي، وتدمير البنى التحتية، وشل الحركة الإنتاجية في لبنان كله، ونسف الجسور والمعابر والمنشات الحيوية، وتشريد الآلاف من الأبرياء وقتلهم بدم بارد، ما هي إلا محاولة انتقام واستئصال لفكرة المقاومة وثقافتها، التي تتجدد أكثر فأكثر في عملياتها وشموليتها في فلسطين والعراق ولبنان، بعد الانتصار الكبير الذي حققته على الجيش الذي لا يقهر في أيار 2000، ودحره من ارض الجنوب، واتساع ضرباتها المؤلمة في فلسطين.

حين كانت آلة الحرب الإسرائيلية تحتل ارض الجنوب اللبناني، لم تتوانى عن إلحاق الدمار والخراب والقتل وارتكاب المجازر البشعة بحق الأبرياء من المدنيين العزل، وأصبحت تلك المشاهد اليومية شبة روتينية للمراقبين والمزاودين والانتهازيين، وللقابضين على جمر حريتهم في لبنان وفلسطين، إلا أن الحال قد اختلف تماما حين اندحرت القوات التي لا تقهر تحت ضربات المقاومة، فابتهلنا من محيطنا إلى خليجنا المهترئ تحت النعال الأمريكية، وخرجنا للشوارع نهتف ونتغنى بانتصار الدم اللبناني لكرامتنا المسلوبة، وحريتنا المفقودة، ولعجزنا وجبننا المخزي في تقديم العون والمساعدة والتضامن، حين كانت الشعب اللبناني ومقاومته بأمس الحاجة إلينا، شعوبا وحكاما ومثقفين ومفكرين وفنانيين وشعراء، تسارعوا إلى رجم قوات الاحتلال بعد دحرها بالحجارة من وراء الأسلاك في الجنوب، بل غدونا وكأننا من انتزع هذا الانتصار، ببرقيات ملوكنا وخطابات رؤسائنا ووزرائنا، وفي أغانينا وقصائدنا ومؤتمراتنا الهزيلة. ولكنهم وحدهم أولئك الصامتون من جنود المقاومة وبواسلها، تابعوا عملهم بإتقان في صون التحرير من العابثين، والانتهازيين والمنتفعين، وضمان استكمال طريق الحرية الممزوجة بدماء الشهداء، فكما هي الحرية لا تتجزأ، هو النصر أيضا لا يتجزأ.

من منا لم يهتف للمقاومة؟ من منا لم يشاهد فرحتنا واعتدادنا بعروبتنا المجروحة، حين عمدتها دماء الشهداء في لبنان وفلسطين؟ لكننا اليوم وبعد أن سقطت أوراق التوت عن كل عوراتنا،أصبحنا نحمل المقاومة وزر هذه الحرب وهذا الدمار الذي يلحق في لبنان وأزدهاره، وعمرانه واقتصاده، الذي ولد من تحت أنقاض الحروب، والاقتتالات الداخلية الطويلة، رغم ان لبنان وحده تحمل دفع فاتورة دفع ضريبة الكبرياء والكرامة والحرية العربية، وحروب الآخرين على أرضه منذ سنوات.

إن الحرب المجرمة والمدمرة التي تشنها إسرائيل على لبنان، ليست من أجل استعادة جنودها المخطوفين، حتى وان كان <<الوعد الصادق>> هو الذريعة، كما حصل مع العراق أثناء غزوه لدولة الكويت، مع فارق التشبيهات والدوافع والأسباب، إلا أن كل ذي صاحب عقل يدرك أن إسرائيل، وحلفاءها في لبنان وغيره في المنطقة، تروج لخلق واقع آخر، بتواطؤٍ دولي مفضوح، واقع لا تكون الأوطان فيه مقدسة بقدر ما تكون فيه المصالح.

لكنها المقاومة.. باقية، وستنجز مهمتها، وستصمد، وتعيد إعمار لبنان ثانية، وسيكون لنا أن نعلم قريبا حقيقة المشاعر والأفكار التي راودت سمير القنطار ورفاقه من الأسرى، ليس كأفراد ومواطنين، وإنما كحالة رمزية شمولية للمقاومة، للصمود والتحدي والكبرياء النضالي العربي، في زمن هيمنت فيه ثقافة الاستسلام والخنوع والاستجداء، على الخطاب العربي الرسمي والثقافي.

كان يكفي نلسون مانديلا في جنوب إفريقيا، أن يدعو رفاقه في حزب المؤتمر الوطني الإفريقي إلى ترك السلاح، ويطلق سراحه من سجون الـ <<ابرتهايد>> العنصري، لينعم شعب جنوب إفريقيا كله بحريته المشروطة الملوثة بحياة الذل والخنوع، لكنه أبى حياة الذل والاستسلام، وانتزع حريته المعمدة بالدماء صامدا رغم صرخات وعذابات شعبه، مقاوماً بكل أسلحته المتوفرة.

وكان يكفي جمال عبد الناصر الانصياع إلى الاملاءات الأجنبية في حرب السويس 1965، ويتمتع باعتراف رسمي، ومساعدات مالية هائلة، ليجنب مصر تدمير ونسف عمرانها وأبنيتها، وجسورها وموانئها، والفتك بشعبها، واحتلال أرضها، لكنه رفض ذلاً لن يكون لمصر وحدها، فكيف إذن تُطالب المقاومة والسيد حسن نصر الله، عربياً، بقبول ذُلٍ لن يكون إلا مستقبلا مخزيا ومعيبا للأجيال الحالية والمستقبلية، ناهيك عن خيانة إرث الشهداء والأحرار، تحت شعار <<حقناً للدماء، وصونا للأموال، والمقدرات والإمكانيات>>، التي ستتكدس وتصدأ كإمكانيات الجيوش العربية، وميزانيات الاختلاس والفساد الوطنية.

فهل نستطيع أن نسدل ستار الصمت عن الحقائق الدامغة، رغم كل اجتهاداتنا ورغباتنا، وآمالنا وأفكارنا، التي تترنح بين الثورية والانتهازية، والإنسانية والأخلاقية، ورغم كل خوفنا وقلقنا على لبنان ومستقبل العرب، كوجود ومستقبل ومصير من ورائه

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات