بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> مقالات >>
مشاهد من مجدل شمس..
  19/07/2006


مشاهد من مجدل شمس..

أيمن أبو جبل. 19\07\2006

تحت دوي أصوات قذائف المدفعية الإسرائيلية الرابضة في الجولان المحتل التي تدك بيوت القرويين في جنوب لبنان، تحرق مزارعهم وتدمر منازلهم، كان لقاء الصمت يوم أمس في مجدل شمس. صمت العيون وصمت الخطابات والكلمات. لم يكن لوجوه عدسات التلفزة من مكان مثلما لم يكن لمحبي الخطابة الجهورة والكلمات الرنانة أي مكان هنا. لم يكن في مجدل شمس مساء هذا اليوم مكانا سوى للغة الصمت.. فهي اكبر من كل الكلمات والمظاهرات والبيانات..

الحرب الإسرائيلية على لبنان لم تبتدئ بذريعة عملية المقاومة "الوعد الصادق" التي نفذتها، وانما مقدماتها كانت قيد التحضير منذ سنوات، لتتجاوز كل لبنان وصولا إلى كل الأرض العربية، حتى تلك المحميات الأمريكية والإسرائيلية في قصور الرياض وعمان والقاهرة وبغداد، بعد انتهاء وازالة العثرات والعراقيل المعيقة في لبنان وسوريا وإيران وفلسطين.

لغة الصمت في مجدل شمس كانت محاولة احتجاج تعبيرية عن عجزنا، عن خيانتنا، عن تآمرنا وكذبنا، وذاك الخوف الذي تختزنه صدورنا، من اتساع رقعة الحرب، فكدنا حتى لا ندري أو نعلم كيف نفسر ألمنا وضياعنا، وبحثنا المتواصل عن حضن لهويتنا، يمنحنا فيه الدفء والأمان والحلم بحرية..

متاجر مجدل شمس تتناقص منها المواد الاستهلاكية، وهناك رائحة بدأت تفوح منها الزيادة في الأسعار، والحرب لم تزل بعيدة عن سمائنا وبرنا وأجسادنا، لكننا نسرع خطواتنا في تامين ما يلزم من مواد ودواء وطعام، تحمله رفوف مخازننا داخل البيوت. "الاحتياط واجب" بكل تأكيد، قال لي احد الرجال أمام المتجر. لكن كل شئ يمضي بصمت، حتى ارتفاع الأسعار يجري بصمت أيضا، وفائض المديونية يجري بصمت، والعمولة البنكية، وفاتورة الهاتف وأجهزة النقال والكهرباء والمياه تتزايد بصمت، وأسعار الوقود وضريبة الأملاك، حتى فاتورة الدواء وحليب الاطفال أصبحا يتزاحمان ليحتلا الأولويات في سباق ارتفاع الأسعار. وحدها فقط رواتبنا يجري تقليصها وتحديدها بخطابات، وكلمات وأسباب واجتماعات خالية من المنطق والعدل، قبولها تفرضه هذه الزيادة في جيش العاطلين عن العمل، وقلة مصادر الإنتاج، وشحه الفرص في إيجاد أماكن عمل جديدة، لكنك في النهاية تضطر إلى البحث عن الصمت...

غدا الصمت في مجدل شمس، في السنوات الأخيرة، حالة يعتاد عليها معظم الناس. فنحن نتقن الصمت جيدا، ونتقن الصمت جيدا عن قول كلمة الحق، حين يتعلق الفعل بواجباتنا السياسية والوطنية، ونتقن الفعل المعلن حين يتعلق بحقوقنا، وصباغة مواقفنا وآراءنا المحسوبة والمنطورة، ونتقنه أكثر في شخصنة خلافاتنا السياسية والاجتماعية أو العائلية أو المهنية، فنستبعد من ذاكرتنا وقاموسنا صمت الكلمات ونقترب أكثر من الإعلان الصاخب عن دونيتنا الجارحة بوحدانية الذات، وإلغاء الأخر دون خجل او وجل.

فعندما تفقد الكلمات معناها، والشعارات فعلها، وعندما تشعر بان الصوت الهادر هو مجرد كلام لإحياء الذات وتصغيرها.. وعندما تشعر بان ما تقوله وتعلنه وتجاهر به من مواقف وهتافات وأغنيات ووعودات وشعارات هو مجرد مصبغة الوان للمواقف.. فالأفضل لك أن تصمت...

مع كل قذيفة تطلق من مرابض المدفعية الإسرائيلية على لبنان، تهتز لها جدران بيوتنا وأبداننا وأذاننا، وربما بكاء أطفالنا خوفاً هو ليس من الصوت بقدر ارتباطه مع تلك المشاهد التي يرونها بعد لحظات أو دقائق على شاشات التلفزة، لطفلة جنوبية تقطعت أوصال جسدها كما تقطعت أوصال لبنان كله في الجنوب والشمال والشرق والغرب.. ومع كل صوت قذيفة أخرى نتسمر أمام شاشة الجزيرة وننتقل إلى الشاشة العبرية واللبنانية، يعترينا القلق ومظاهر الحزن والوجع، وأحيانا البهجة حين تتساقط صواريخ المقاومة في الشمال الإسرائيلي، لكننا في النهاية نمارس صمتنا كل في طقوسه الخاصة.

يوم أمس، وككل يوم، مجدل شمس والجولان كله مارس الصمت بكافة أشكاله الأخلاقية والإنسانية، ولكن أجزاء منه أيضا تمارس الصمت الأخرس على كل ما يجري. ربما لم تعلم، وربما لم ترغب، وربما أصبحت الحرب والقتل والجرائم والغارات وشلالات الدماء النازفة فوق ارض لبنان، لديها، روتينيا، كما هي روتيينة وبعيدة عن إدراك ووعي واهتمام هذه الأمة العربية التي اهترأت أحلامها وتبرأت من جذورها. امة اختارت الاحتضار بوعي وإدراك وقرار حكامها، واختارت الصمت الاخرس.

لبنان اليوم، وكعادته منذ سنوات، يتلقى في صدور أبنائه خناجر أمريكا وإسرائيل المسمومة الموجهة الينا، إلى ما تبقى من أحلام العرب، ويدفع ضريبة صمتهم وعهرهم ومزايداتهم، وزيف شعاراتهم، وكذبهم، "فالعدوان على أي بلد عربي هو عدوان على الأمة". فهل اسقط لبنان من جسد الأمة رسميا؟ وهل ستكون أجسادنا ومنشأتنا و جسورنا ومصانعنا وقصورنا وبيوتنا، بمنأى عن الحرب والقصف والقتل والتدمير في حلقتها التالية فوق ارض عربية أخرى جديدة بعد فلسطين والعراق ولبنان. فان تُركت صدور أبناء لبنان، ومقاومته عارية بوجه العدوان، ورهينة لدعم عربي لن يكون إلا لمواصلة العدوان، فالأفضل أن نخرس وان نصمت، جبناء أذلاء، ما دام خيارنا الرضوخ والاستسلام، واستجداء حكامنا لصفقات سياسية قادمة، على حساب كرامة تولد من جديد تحت أنقاض الضاحية الجنوبية من بيروت، وحرية تلوح فوق أعمدتها المحترقة، وكبرياء يكتب بالدم النازف على كل الأرض اللبنانية

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات