بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> مقالات >>
مأزق الجولان .. والجولانيين
  21/01/2016

مأزق الجولان .. والجولانيين


موقع الجولان للتنمية / أيمن أبو جبل

 


لا شك أن الحرب السورية شكلت منعطفا هاما ليس في التاريخ السوري والعربي والعالمي، فحسب وإنما في تاريخ الجولان، فان كان الهمس في أوساط الجولانيين حول قضايا مصيرية وجوهرية ينحصر سابقا بأربعة عيون وغرف مغلقة، فانه اليوم قد تحول إلى حديث علني واضح في صفوف الجولانيين على اختلاف فئاتهم ، مفاده بان الواقع قد تغير والوقائع قد انقلبت رأسا على عقب. وان عدم انخراط الجولانيين في الأرض المحتلة في مستنقع الحرب السورية، بفعل" وفضل" وقوعهم تحت الاحتلال الإسرائيلي، قد شكل "نعمةً" عليهم وعلى أولادهم، وجنبهم تجارب الجوع والمجاعة والقتل والاعتقال والنزوح القسري، والتدمير والقصف" والموت الرخيص" والموت المجاني" الحاصل يوميا في معظم المدن والقرى السورية،رغم ما حملته تلك الحرب من صورا فظيعة في نفوسهم، وتعبيرات قاسية جدا في صدورهم ،عكست ذاتها على العلاقات الاجتماعية فيما بينهم، وخاصة في السنوات الأولى من الثورة السورية، وما افرزه انقسام الشارع الجولاني بين موال ومعارض للنظام المتمسك بالسلطة في سوريا رغم كل شلالات الدم السوري النازفة.


وقد دأب الجولانيون سابقا، وفيما بينهم، وعلى الملأ ، الإعلان بالخطاب والممارسة والقول والفعل، وفي كل مهرجان واحتفال ولقاء وحديث شخصي، على تأكيد انتماءهم للوطن الأم سوريا ،مهما طالت سنوات الاحتلال الإسرائيلي، التي تقترب من الخمسين عاماً، كان الجولان مُغيبا ومُهمشاً بالوعي السوري الرسمي. وباستثناء قلة قليلة في الشارع الجولاني، جاهرت بعدم رغبتها العودة إلى دفء الحضن الوطني السوري، واختارت ورغم الحرمان الديني والاجتماعي والسياسي، حمل الجنسية الإسرائيلية، وإعلان الرغبة بالعيش تحت ظل العلم الإسرائيلي، ورهنت مصيرها ومستقبلها معه. من دون أن تتعرض لأي اعتداء أو أذى جسدي ومادي من قبل الأغلبية الساحقة من مواطني الجولان، الذين اكتفوا بعقابهم بفرض الحرمان والمقاطعة عليهم منذ أكثر من ثلاثة عقود زمنية. ومنذ ذاك الوقت ولغاية الان لم تنمو في الساحة الجولانية والحمد لله ،ثقافة القتل والاغتيال والجريمة، أو حمل سلاح لأسباب سياسية أو أمنية رغم اختلاف الآراء والأفكار ووجهات النظر في القضايا الاجتماعية والوطنية الكبيرة عدا حالات معدودة ومحددة ،مورس فيها العنف الجسدي،استهدفت بعض مؤيدي  ثورة الشعب السوري.


ولطالما كان تناول القضايا الوطنية والاجتماعية والسياسية الكبيرة في الجولان من المحرمات والمقدسات، إلا إن انحصار واختفاء الفعل الوطني لرموز تلك الحقبة التي صنعت هذا التاريخ، ألغى القداسة حولها، في ظل عدم وجود برامج وطنية واجتماعية بديلة عن الواقع المجنون الذي يحيط بنا، ومن تلك القضايا تبرز قضية المجالس المحلية والجنسية الإسرائيلية والخدمة المدنية أو العسكرية، وإقحامها بالوعي العام الجمعي والفردي في الجولان، وإخضاع تلك المجالس وأعضاؤها ورؤسائها إلى شكاوى قضائية تتعلق بإعادة هيكليتها التنظيمية والإدارية بقوائم انتخابية أو تفويضية، وإخضاعها إلى مسائلات اجتماعية وقضائية، من قبل مواطنين أخريين من البيئة الاجتماعية الجولانية ذاتها ... إضافة إلى الاعتياد على الأحاديث العلنية حول "الحرية الشخصية "للأفراد من المجتمع الجولانية بالحصول على الجنسية الإسرائيلية، والخدمة المدنية أو العسكرية، خاصة في ظل الوجع الوطني والشخصي الذي يرافق القضية السورية وما أفرزته من انهيارات معنوية ووطنية وثقافية منذ خمسة أعوام، في نفوس معظم أهالي الجولان على وجه الخصوص...


انقسم الجولانيون المهتمون اجتماعيا وسياسيا حول تلك القضايا الكبيرة بين المؤيد والمعارض،وسيتعمق الانقسام والاختلاف أكثر مع أي تغيرات مستقبلية كلما ارتفع منسوب "الاسرلة الهادئة" التي يشهدها الجولان في السنوات الأخيرة ، وتعويم المنظومة الإدارية والقضائية والمدنية والتربوية "والطائفية" والسياسية الإسرائيلية داخل المجتمع الجولاني وفي ظل ابتعاد وانحصار العمل المؤسساتي الوطني "البديل" ففساد المجالس المحلية وإدارتها وميزانياتها، والفترة الزمنية التي يشغلها هذا الشخص أو ذاك، والصراع القضائي الجاري حولها هذه الأيام، قد لا يعني الكثيرين في الشارع الجولاني بقدر ما يعني بعض المجموعات والإفراد التي لم تستطع بعد، نيل شرعية لها من المجتمع، لتمثيله أمام القضاء الإسرائيلي، كما لم تستطع المجالس المحلية  ذاتها بعد من نيل الشرعية الاجتماعية، لتعارضها مع بنود الوثيقة الوطنية الصادرة قبل ما يزيد عن 35 عاماً. رغم ما تحمله تأثيرات الحداثة وطوفان وسائل التواصل الاجتماعي من ردود وتفاعلات تظهر في إطار تهكمي أو مجادل أو منتقد أو متطاول على الرموز الوطنية من قبل البعض في الفضاء الالكتروني، والتي لم تكن مؤثرة فعليا على عقلية الناس بعد. وخاصة رواد الجيل الأول من الناشطين والفاعلين، الذي يعاني اليوم من التهميش والتقزيم والتجاهل في غياب  وعجز تصوراته وخططه وبرامجه السياسية والاجتماعية، التي ميزت المراحل السابقة في مسيرة المجتمع الجولاني ،ذاك الجيل شكل إلى ما قبل سنوات قليلة صمام الأمان قولا وفعلا للأجيال والقضايا الجولانية الكبيرة والشائكة.


اختلفت صورة الجولان في الخمس سنوات الأخيرة ، عن  تلك الصور التي تشكلت في الوعي والذاكرة المحلية والعالمية والإسرائيلية، تلك الصور التي رافقتنا كجولانيين سوريين في مواجهة احتلال أجنبي، لطالما عمل على دمج الجولانيين في منظومته وفلكه دون ان يحقق نتائج فعلية فارقة، ورافقت تلك الصور ايضاً الإسرائيلي حصراً، ،الذي تعامل بواقعية أكثر، وفق حقائق لم تغب مطلقا عن باله يوما "بان هذه الأرض وما عليها من بشر وحجر وشجر لم تكن إسرائيلية يوما ما، وليست إسرائيلية في ممارسات وطقوس الجولانيين الاجتماعية والسياسية الرسمية، وأكثر من ذلك أجرت كل حكومات إسرائيل المتعاقبة مفاوضات سلمية مع نظام الأسد الأب والابن، لإجراء تسويات مستقبلية حول إعادة الجولان إلى دولته إلام، بشكل يضمن المصالح السياسية والأمنية والاقتصادية الإسرائيلية في المستقبل المنظور، ولا زال الإسرائيليون  طوال هذه السنوات، يدركون إن أعادة الجولان إلى سوريا مسالة وقت، ونضوج توافقات دولية وإقليمية، تضمن المصالح الإسرائيلية الأمنية والاقتصادية خاصةً. ولم يخف الإسرائيليون يوما رضاهم وسعادتهم من الهدوء المطلق الذي شهدته جبهة الجولان طيلة نصف قرن من الزمان، قبل عسكرة واسلمة واغتيال الثورة السورية المطالبة بالحرية والعدالة منذ العام 2013 وانسحاب القوات النظامية من خط وقف إطلاق النار على طول جبهة الجولان مع إسرائيل، التي شهدت عدة محاولات لتفجيرها من قبل قوات النظام، بدء من يوم العودة في حزيران 2011 وتوريط الآلاف المدنيين الفلسطينيين والسورين باقتحام خط وقف إطلاق النار، بالقرب من مجدل شمس، وليس انتهاءً بوضع عبوات ناسفة ، وسقوط عدة قذائف هاوون داخل الجولان المحتل والمستوطنات الإسرائيلية لأكثر من مرة...


هذه الصور النمطية، المألوفة للشارع والحكومة الإسرائيلية "المعادية بالعرف والوعي الإسرائيلي" لم تمنع أبدا حكومات إسرائيل على تخصيص ميزانيات واستثمارات ومشاريع تنموية بملايين الشواقل والدولارات، مُستثمرة جيداً في المستوطنات الإسرائيلية، وبشكل اقل كثيراً في القرى السورية المحتلة المأهولة بـ حوالي 24 ألف نسمة، وهم من دافعي الضرائب للخزينة الإسرائيلية، ومن مُتلقي مخصصات التامين الوطني والشيخوخة والولادة والوفاة والمنح المالية، حيث حُظي باهتمام  حكومي وإعلامي إسرائيلي ملفت للانتباه خلال السنوات الخمس الأخيرة، وليس خافيا على احد اليوم ما تحاول القيام به طواقم الهندسة البشرية الإسرائيلية في مختلف المجالات السياسية والإعلامية والنفسية والاجتماعية والبيئية، من نشر خطاب إسرائيلي  يُترجم بخطوات  عملية ميدانية، تتضمن زيارات ولقاءات رسمية اعتيادية للجولان، وتقارير إعلامية مكثفة، وتقديم مختلف الخدمات الاجتماعية والمساعدات والإعفاءات والتخفيضات الضريبية، وتوسيع خرائط البناء، ومحاولة ربط السكان بمصير الدولة العبرية، من خلال برامج إنمائية وتطويرية وعلمية وتربوية وبحثية،اندماجية، تتقاطع  وتتوافق مع برامج  اتحاد إقليمي لمستوطنات الجولان ومستوطنات الجليل الأعلى، بهدف تطوير أماكن عمل ومجالات تعاون استراتيجي تساهم في تشجيع الاستيطان اليهودي في الجليل الأعلى والجولان، وفي تطوير الزراعة لتتحول إلى محرك نمو اقتصادي في المنطقة.

 

جزء كبير من تلك البرامج الإستراتيجية  تشمل مختلف فئات المجتمع الجولاني من الأطفال والطلبة والشبيبة وحتى كبار السن،في مختلف جوانب الحياة،  من ضمنها رعاية وعناية مكاتب الخدمات الاجتماعية الإسرائيلية بمئات العائلات الجولانية التي تواجه ظروفا معيشية واقتصادية صعبة أو أوضاعاً اجتماعية غير اعتيادية، وتخصيص مئات الوحدات السكنية لأكثر من ألف عائلة في الأراضي المقتطعة لمجدل شمس خلال السنوات المقبلة. برامج حيوية وهامة، هي بحد ذاتها مطلبا شرعيا،لن تجد موقفا رافضاً لها، لاستجابتها لمشاكل وهموم وأوجاع المجتمع الجولاني بكافة أطيافه،الذي عاني الآمرين لأكثر من خمسين عاما. وهي مطالب حقوقية بالمطلق لأبناء الجولان،لا يختلف عليها اثنان. وتشرعها لهم القوانين الإنسانية والدولية وحتى الإسرائيلية ذاتها، كاستحقاقات قانونية ومالية عائدة إلى جيوبهم ومصالحهم من نظام  الاحتلال الاقتصادي الذي يستنزف الخيرات الطبيعية والبشرية والمناخية والبيئة ،كما أرزاق الناس وإتعابهم في الجولان المحتل،ضمن أولوياته الإستراتيجية بتوفير الهدوء والأمن لتوفير مقومات وعوامل الحياة للمشروع الاستيطاني القائم على سلب الأرض ونهب خيراتها، ورفد الجولان بالآلاف العائلات الإسرائيلية الجديدة لتكون رافعة قوية لاقتصاد محلي وإقليمي محوره الدولة الإسرائيلية. فأمام تلك الرؤية الإستراتيجية الإسرائيلية، هل يمتلك الجولانيين الخيارات والأفاق؟  وما السبل والوسائل التي عليهم انتهاجها في أولوياتهم وأجندتهم بعيداً عن المناكفات والمزاودات والاتهامات والاتهامات المتبادلة، والتقزيم والتهميش، والارتماء الاعمي في حضيض الابتذال والتسليم بقضاء الله وقدره، ومقولة العين لا تقاوم المخرز، وتجاهل الوقائع الحاصلة والتي تحصل في تفاصيل المشهد الجولاني بقصد الاستهتار او عدم المبالاة بمصير المجتمع الجولاني...

\

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات