بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> مقالات >>
الى اين تقودنا المراكز والعيادات الطبية في الجولان.. ؟؟
  02/02/2016


الى اين تقودنا المراكز والعيادات الطبية في الجولان.. ؟؟


موقع الجولان للتنمية / أيمن أبو جبل

صورة أرشيفية لمشروع المركز الطبي في الجولان المحتل الذي لم يرى النور -بمبادرة وتمويل الصليب الأحمر الدولي 2006

خمسة عشر عيادة ومركز طبي يوجد في الجولان لخدمة حوالي 24 الف مواطن في مجال طب العائلة والطب التخصصي ، يتباين الإقبال عليها بحسب الخدمات الطبية التي تقدمها ، وفي حالات عديدة بحسب الانتماءات العائلية والقروية، وتحتدم المنافسة فيما بينها مؤخراً على اجتذاب المرضى والمؤمنين الجدد إليها بشكل ملفت للنظر، ولا تقتصر المنافسة على المؤمنين فقط وإنما على جودة الخدمات وعدد العاملين فيها ايضاً ، وعلى البرامج والأفاق الطبية المستقبلية التي من الممكن تطويرها ونقلها إلى الجولان لرفع مستوى الخدمات الطبية المختلفة، كما يقول الناطقين باسم تلك المراكز والعيادات على اختلاف تخصصاتها ومجالات عملها.

ويُهدر على تجهيز تلك العيادات والمراكز بمعدات وأجهزة ومستلزمات طبية ،وصيانه وبنى تحتية ،وضرائب دورية كأرنونا وكهرباء وماء، مئات الآلاف من الدولارات، كانت لتكفي بناء أضخم مستشفى في منطقة الجولان ومحيطها لتوفير الخدمة لأكثر من خمسين ألف مريض إضافة الى تأمين فرص عمل للمئات من العاملين والعاملات في قطاع الصيانة والنظافة والتموين والحراسة والنظام.

ووفق الإحصائيات الغير رسمية فان أكثر من 190 طبيبا وطبيبة من خريجي الطب البشري ، وأكثر من 55 ممرضا وممرضة ،يعملون في قطاع الطب البشري من قرى الجولان الخمس، داخل الجولان وخارجه في المشافى الإسرائيلية، وقد سجل العشرات منهم انجازات وإبداعات وكفاءات عالية جداً في علاج المرضى، وتشخيص حالات طبية بزمن قياسي، ساهمت في دعوتهم ومشاركتهم لمؤتمرات علمية عالمية وبحثية مختلفة، جعلت وبجدارة من أطباء الجولان عنواناً للعطاء والتفاني والإخلاص والتقدم المهني في هذا المجال.

والإنسان في الجولان هو أغلى ما نملك" إلى جانب ما نمتلكه من ثروات فكرية وإبداعات ذهنية وثقافية وخيرات طبيعية،، تتيح لنا بناء قطاع طبي عام، يكون مرآة لأحلام وتطلعات، تجذب القاصي والداني من أبناء مجتمعنا والمحيطين حولنا ، إلا أن الواقع يختلف عن الأوهام والأحلام التي تعلقنا بها منذ زمن طويل، فهذا القطاع الإنساني من حياتنا ، تحول في السنوات الأخيرة في جزء من برامجه، إلى مكاناً للهدر والتنافس والمناكفات الشخصية الغير مُجدية، ليس من اجل تقديم الجودة الطبية، وانما حبا ورغبة بتحقيق قدرا اكبر من الأرباح والمنافع التي قد لا تعود بالفائدة على احد ، حيث المنافسة في هذا المجال تكون خاسرة على الجميع ان لم تقترن ببرنامج وخطة مهنية مبنية على دراسة بحثية تُجيز هذا التنافس دون المس بالمكانة الاجتماعية والمكانة الاقتصادية والمهنية للأشخاص والأفراد العاملين في هذا القطاع، مركز الأولوية في يكون لصالح المريض الخدمات الطبية في الجولان، دون ان يدفع وحده الثمن بفقدان هذه الاولوية .

والمتتبع للتطورات في المجال الطبي في السنوات الأخيرة ،يمكنه أن يميز وبشكل واضح تقدم الخدمات الطبية لسكان الجولان بشكل مؤثر وملحوظ خلال الخمس والعشرين عاما الماضية الذي ترافق مع نمو وتوفر الكادر المهني المحلي، وتوفر عيادات طبية وتخصصية تعمل على مدار الأربع والعشرين ساعة، وتوفر مقومات اقتصادية لاستمرار عملها من خلال التعاقد مع صناديق المرضى الإسرائيلية التي تضع الإنسان في مركز اهتمامها في اجتذابه وبقاءه ضمن مسؤوليتها، فهو يستفيد من العلاج الطبي المجاني" الغير مباشر"، الذي تقدمة دولة الاحتلال، وهي تستفيد منه من خلال الضرائب التي يدفعها شهرياً للدولة ،بغض النظر ان تلقى علاج ام لا.

لا شك بان الأوضاع الصحية التي سادت الجولان قبيل افتتاح مجمع العيادات الطبية عانت الكثير من المشاكل الناتجة عن الإهمال وعدم الخبرة وقلة المصادر والكوادر والامكانيات، حيث لم يكن هناك أي مؤسسة طبية عامة او خاصة، ترعى شؤون سكان الجولان الصحية بالحد الأدنى المطلوب. وعليه فان إقامة مجمع العيادات الطبية قد أحدث تغيير جوهري بمستوى الخدمات الطبية وبنمط التفكير والوعي الصحي، إضافة الى احتضان واستيعاب العشرات من الخريجين والأطباء على مدار سنوات طويلة، وساهم في خلق بيئة صحية واعيه ومسؤولة، جنبت المواطن الجولاني الكثير من الأعباء والمشقات في مختلف الجوانب. واتاح الفرص امام العشرات من الأطباء لنيل التخصصات الطبية التي يفتقدها المجتمع الجولاني ضمن رؤية بحثية ورؤية استراتيجية، وأجبر مختلف صناديق المرضى الطبية في إسرائيل بعد العام 1995 على إيلاء الجولان مكانة هامة في تقديم أفضل الخدمات الطبية للسكان، وتطوير اقسام ومراكز طبيه جديدة من خلال رصد الأرباح المالية من قطاع الطب في مشاريع وخطط واقسام طبية عديدة وفرت اموالا طائلة على المواطن الجولاني وجنبته السفر الى خارج الجولان لتقلة علاج طبي، اضافة الى الدور الذي ساهم فيه القطاع الطبي في مجمع العيادات الطبية لتطوير وتنمية الوعي والنشاط الثقافي والاجتماعي والتربوي في العديد من المجالات التي تهم المواطن الجولاني.

ولان الأموات وحدهم لا يخطئون، فقد عانى الجميع في القطاع الطبي العام، من أعباء واخطاء ليست بالقليلة، بحكم تضاعف الأعباء والمسؤوليات والواجبات، وكان طبيعيا ان تؤدي هذه الأعباء الى العديد من المشاكل والأزمات بين العاملين في هذا القطاع ، تتعلق بأساليب ووسائل وطرق العمل، وكيفية الاستفادة من الأرباح وتوزيعها، مع الاتفاق الجزئي بالرؤية والاهداف، وبالتالي أدى ذلك أحببنا ذلك أم كرهناه، الى تدني مستوى الخدمات الطبية التي هي حقا مقدسا للمواطن الجولاني.

وقد حاول ولا يزال بعض العاملين في القطاع الطبي، معالجة تلك الازمات عبر خصخصة العمل الطبي بافتتاح عيادات ومراكز خاصة تنافسية، في ضم اكبر عدد ممكن من المرضى اليها، من دون الاعتماد على أي دراسات ومعطيات رقمية، وإحصائية، تلقى الضوء على احتياجات المجتمع الجولاني اولاً، مع الاخذ بعين الاعتبار النمو الديموغرافي، وازداد عدد العاملين في القطاع الطبي، وادت فيما ادت اليه تشتيت الفوائد والارباح الاقتصادية بين الخاص والعام، وقللت من افاق التطور المستقبلي الجماعي الذي يلبي حاجة الجولانيين كأولوية عليا.

قد يكون ازدياد عدد المراكز الطبية في الجولان، عملا طبيعيا وعادياً ومطلوباً، بحكم النمو السكاني، وازدياد الكادر الطبي، وليس بالضرورة ان يكون ناجماً عن الاهمال الطبي- وهذا مدعاة للفخر بهذا القطاع - او الفشل في توفير الرعاية الطبية، سواء في فترة العلاج او بعده، وإنما تعود احدى أسباب هذا الازدياد، وللأسف الى الاختلاف والخلاف في إدارة هذا القطاع، وتقاسم مصادره وأرباحه، الأمر الذي عكس بنفسه على العلاقات بين قسم كبير من الأطباء أنفسهم، وبالتالي على توزيع المرضى وتقاسمهم بين العيادات، فالمريض الذي يفقد اقدميته في أي صندوق مرضى يفقد معها سجله الطبي في حال انتقل الى صندوق طبي أخر، والعلاج التخصصي المتوفر لدى مركز او عيادة طبية هي بخلاف مع عيادة ما، فانه سيترتب على المريض الاستفادة من العلاج في مكان أخر، قد يكلفه المزيد من الأعباء المالية ، وعناء السفر إلى خارج الجولان، والخبرات والمهارات الطبية ستبقى شخصية لكل طبيب على حدة، دون ان يتشارك بها أطباء آخرون في نفس المجال، من اجل بناء تجربة طبية تراكمية جماعية، يستفاد منها في حالات مرضية أخرى قد تنقذ مريض او تجنبه اضرار ناجمة عن عدم الاستفادة من تجارب الاخرين.. وان نجاح أي طبيب في الجولان على المستوى الشخصي او العام، هو بحد ذاته ثروة وفخر جولاني، ونجاح أساسي لكل المنظومة الطبية التراكمية لهذا القطاع، وممثل لها في نجاحه وفي فشله.

عسى ان يبقى المواطن الجولاني بموفور الصحة والعافية، كي نتجنب المزيد من الاختلافات والخلافات المهنية التي تعكر صفو علاقاتنا الاجتماعية والشخصية، وعسى ان تبقى خلافاتنا محدودة ومقتصره حول الوسيلة والاداة لنصل الى مبتغانا، بتقديم الجودة والنوعية بعيداً عن مرامي ونوايا لا تصب الا في المزيد من تشتتنا وابتعادنا عن الرؤية المهنية لمستقبل امن وواعد، يستفيد منه كل ابناء الجولان على اختلاف مواقعهم ومراكزهم وانتماءاتهم ،على امل ان يبقى المشروع الطبي الأكبر" المشفى الطبي" حلما واقعيا أمام كل الطاقات والكوادر الجولانية التي تستطيع متى أرادت تذليل كل العراقيل والصعوبات التي تقف بوجه هذا الطموح المستقبلي، لما فيه مصلحة الجولانيين اولا واخيراً.


 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات