بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> مقالات >>
شهادة: وهم الأبد في الصراع على هوية الجولان
  01/05/2016

شهادة: وهم الأبد في الصراع على هوية الجولان

ياسر خنجر

 

لا ينطلق تصريح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أن «الجولان سيبقى تحت سيطرة إسرائيل إلى الأبد»، من وهم مطلق، ولا من ثقة حقيقية حول سيرورة التاريخ؛ إنه غرور المستعمر ممزوجاً بقراءة لحظية خاطئة للواقع. هذه القراءة الخاطئة ترتكز أولاً على أن الدولة السورية لن تكون قادرة على استعادة الجولان طالما أنها تصب كل اهتمامها على بقاء بشار الأسد في سدّة الحكم، الأمر الذي بات واضحاً كل الوضوح في أداء مؤسسات الدولة جميعها خلال أكثر من خمس سنوات على الثورة. وهنا يتقاسم بنيامين نتنياهو وبشار الأسد وهم الأبد في إحكام سلطتيهما على البلاد التي يحتلانها. وهي ترتكز أيضاً على معرفة إسرائيل بنقاط ضعف النظام، وقدرتها على استغلال هذه النقاط لضمان معادلة الوضع القائم، حيث تدرك أن أشد مخاوف النظام هي احتمال فشله في مواصلة حكم سوريا وليس احتمال فشله في استعادة الجولان.

أما في الإجابة عن سؤال لماذا لا تنطلق هذه التصريحات من وهم مطلق، فذلك لأن إرادة الشعوب وتطلعها إلى التحرر هي الغائب الرئيسي عن حسابات المستعمر، وهي الركيزة الأساسية لكسر سلطته. وفي حديثنا عن منهجية الاحتلال الإسرائيلي في الجولان، فقد تنبه المستعمرون إلى تطهير البلاد من غالبية سكانها الأصليين، فهدموا 131 قرية سورية إضافة إلى مدينتي القنيطرة وفيق، وهجّروا 131 ألف مواطن (يبلغ تعدادهم اليوم حوالي 500 ألف) تمهيداً لمشروعهم الإستيطاني، ولم ينج من مذبحة الهدم والتهجير الإسرائيلية غير سبعة آلاف مواطن يعيشون اليوم في خمس قرى شمال الجولان المحتل. رغم ذلك فإن مشروع الإستيطان الإسرائيلي في الجولان لم يكن ناجحاً على قدر التغوّل في التهجير والهدم، حيث بنت إسرائيل 33 مستوطنة على أنقاض بيوت السوريين المهجّرين لم يتجاوز عدد سكانها 20 ألف مستوطن. هل تنبّه نظام الأسد إلى تلك المعادلة أيضاً، واختار ذبح أو تهجير كل من تهدد إرادتهم استمرار سلطته؟

في قرية عين فيت التي تبعد بضع كيلومترات عن بيتي، أطلّ من فتحة في الجدار كانت نافذة البيت مرّة، فأرى فلسطين تلوّح لي، وأصغي إلى أشواق اللاجئين، ركام بيوتهم شاهدة على وحشية الاحتلال وجرائمه، مثلما تشهد مخيمات لجوئهم على إهمال النظام لقضيتهم. وحده العشب ينبت طويلاً حيث كانت خطاهم تؤثث المكان.

من هنا يمكننا النظر إلى التصريح الإسرائيلي، الذي جاء عشية مرور 50 عاماً على سقوط الجولان في قبضة الاحتلال، على أنه انسجام مطلق بين مطامع إسرائيل الاستعمارية، واستمرار بشاعة المجازر التي يرتكبها بشار الأسد في محاولة الإبقاء على نظامه. لقد سبقت تصريح رئيس الوزراء الإسرائيلي ممارسات عملية أشد إيلاماً من القول بأبدية سلطان دولته على الجولان، وليست هذه أول مرّة تحاول فيها دولة الاحتلال فرض حطب رغبتها المقطوع من شجر الواقع على الأرض التي تحتلها في فلسطين والجولان. للمفارقة فإن جرح الجولان النازف منذ عام 1967 قد بدأ حين أصدر وزير الدفاع السوري آنذاك، حافظ الأسد، البلاغ الشهير رقم (66)، معلناً سقوط القنيطرة قبل أن يصل إليها أي جندي إسرائيلي. تلى ذلك التبجح الإعلامي الصادر عن إذاعة دمشق، بالتعليق الشهير على انتهاء المعارك: «الحمد لله، لقد استطاعت قواتنا الباسلة حماية مكاسب الثورة أمام الزحف الإسرائيلي، الحمد لله الذي أفسد خطة العدو وقضى على أهدافه الجهنمية، إن إسرائيل لن تحقق نصراً يذكر، طالما أن حكام دمشق بخير». فلا عجب إذن في أن يتواصل قتل السوريين اليومي، حين يردد القتلة مقولة «الأسد أو نحرق البلد».

عام 1974 أعلن حافظ الأسد عن تحرير الجولان ورفع العلم السوري في سماء القنيطرة، وكانت طعنة ثانية في هذا الجرح، فالجولان قد «تحرر» وفق الرواية الرسمية لنظام الحكم في سوريا، ودخل ما بقي منه تحت الاحتلال في سراديب النسيان حتى أواخر عام 1981 حين أصدر البرلمان الإسرائيلي (الكنيست) قرار ضم الجولان وفرض الجنسية الإسرائيلية على مواطنيه السوريين. ولقد كان الإضراب الكبير لأبناء الجولان السوريين، والوثيقة الوطنية التي أصدروها يومذاك، شاهدين ودليلين على أن الهوية ليست مرهونة بدولة تفرض احتلالها بقوة السلاح أو قرارات الحكومة، ولا بنظامٍ يُهمل ثم يتناسى أن جزءاً من الدولة التي يحكمها ما زال محتلاً ويتمسك سكانه بانتمائهم متطلعين إلى يوم التحرير. تعتقلهم إسرائيل في زنازينها حيناً، ودائماً في حدود الدولة الدخيلة في اغتراب عن هويتهم الحقيقية، وكثيرون منهم يدركون تماماً أن هذا النظام الذي يذبح إخوتهم في الهوية والمواطنة لا يقل عن الاحتلال بشاعة وإرهاباً، ولا قتلاً وتشريداً.

عام 1997 اعتُقلتُ مع مجموعة من رفاقي بتهمة مقاومة الاحتلال، وبقيت في السجن الإسرائيلي سبعة أعوام ونصف. لم أسأل الاحتلال موافقته قبل أن نعلق العلم السوري على سطح مركز الشرطة الذي أحرقناه، ولم ننتظر نظام الاستبداد ليحرر الجولان. كنا فقط نحاول التأكيد على أن الهوية السورية للجولان وسكانه من عمق التاريخ، ليس من السهل اجتثاثها ولا هي تصدأ حين يوجعها الخذلان.

ليست حكومة الاحتلال أول الواهمين بامتلاك الأبد، هي فقط ترتب إيقاع خطابها مع وهم امتلاك الأبد في شعارات قرينها. ومن دلالات الثورة السورية، فيما هي تطلّع السوريين إلى تقرير مصيرهم والتخلص من نظام المذبحة الأسدي، أنها في الوقت عينه تهديد لاستمرار وجود الاحتلال الإسرائيلي في الجولان، حيث أن انتصار الثورة السورية ـ والثورة مفهوم تحرري ليست داعش وأشباهها إلّا نقائض لها وأعداء ـ هي الخطوة الأولى على طريق امتلاك السوريين لقرارهم، وهي كسر «لأبدية» حكم نظام يصمت ذليلاً أمام كل الانتهاكات الإسرائيلية، ثم يواصل مجازره في قتل السوريين. الرهان الإسرائيلي على أبدية احتلالهم للجولان هو رسالة سياسية واضحة، تنسجم تماماً مع الرهان على أبدية بقاء عنق سوريا تحت سكاكين بشار الأسد.

وإنني كمواطن سوري من الجولان المحتل، أعلن أنه إذا كان ثمن تحرير الجولان كل هذه المذابح المستمرة بحق السوريين منذ استولى حافظ الأسد على الحكم، فهذا أكثر مما أحتمل. إنني أرفض مقايضة تحرير الجولان بحرية أهلي السوريين وسوريا من جزّارها، كلاهما حقّ على السوريين ولهم. تصريحات رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي ليست أكـثر من تناغم قبيح مع سياسة نظام الأسد المجرم، بالدفع في إتجاه هذه المقايضة.

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات