بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> مقالات >>
وجه آخر لعملة فاسدة
  05/08/2006

وجه آخر لعملة فاسده

د. علي أبو عواد

بالرغم من كون صعود الأنظمة العربية القومجية للسلطة قد أتى عن طريق الانقلابات في كل من مصر وسوريا والعراق والسودان واليمن والجزائر مع حفظ الفوارق بينها. فإنها قد ترافقت بمشاعر الملايين المتأججة, التي تجاوزت في تفاعلها مع الأحداث حدود الأوطان الصغيرة, الى مساحة الوطن الكبير. والتي كانت نتاج غضب عارم على تواطؤ بعض الأنظمة الملكية والإقطاعية, وحالة عجز البعض الآخر في مواجهة المشروع الاستيطاني الصهيوني في فلسطين. الذي أتى مدعوما من القوى الاستعمارية الغربية, نظرا لما يشكله من أداة وظيفية في خدمة مشروعها لمنع قيام أي استقلال حقيقي لشعوبنا. لأهمية هذا الوطن من الناحية الجغرافية السياسية, ومن الناحية الاقتصادية من سوق استهلاكية, ومن خزان وقود هائل لا يمكن للآلة الصناعية الغربية الاستغناء عنه على المدى المنظور. أشير بهذا الصدد لقول مشهور لثيودور هرتصل: لو لم نسع لإقامة دولة إسرائيل لأقامتها بريطانيا مرة ثانيه وثالثة ورابعة.... ويقول وزير خارجية فرنسي سابق (كلود شيسون) في مذكراته انه تصادف وجوده في زمن النكبة في فلسطين, وشاهد بشاعة الجريمة التي ارتكبتها العصابات الصهيونية بحق ما يقارب من 700000 فلسطيني من قتل وتشريد. ويقول في ذلك: أنه لولا دعم القوى الغربية وبريطانيا على وجه الخصوص لهذه العصابات لما كان باستطاعتها انجاز ذلك.

لكون هذه القيادات العربية قد أتت من أصول عسكريه, ولعدم وجود جذور شعبيه لها. فقد تعاملت بتوجس وعداء مع الجماهير, ومع تعبيراتها من أحزاب ومن مؤسسات مجتمع مدني. فأعملت فيها هدما... وانغلقت على نفسها لتقيم سلطاتها المطلقة... مفاسدها المطلقة... ففرضت قوانين الطوارئ رافعة شعار لا صوت يعلو فوق صوت المعركة... وجعلت من مسألة الرأي الآخر خصما لقضية الدفاع عن الأوطان وحماية استقلالها. وباستبعاد جماهير الشعب وأدواتها المعنية بالأساس, والقادرة وحدها على انجاز معركة الاستقلال. أتت النتائج كارثية من هزائم مريعة على صعيد المعركة مع العدو, تضاف لهزائم داخليه أكثر بشاعة على صعيد التنمية والتعليم والصحة والمواطنة. بحيث غاب مفهوم الوطن ليحل محله مفهوم الطائفة والعشيرة. وهذا مما أدى بأوطاننا التي كانت في مقدمة بلدان العالم الثالث, أن تتراجع بشكل مريع لتتجاوزها بلدان إفريقيه وأسيويه لم تكن قد دخلت الحضارة بعد.

رغم النجاحات التي حققتها هذه القيادات في مرحلة صعودها (في مصر خصوصا)... ما أدى الى تبوئها مركزا رياديا على الصعيد الآسيوي والأفريقي, وبلدان عدم الانحياز على المستوى العالمي. فإنها خلقت في رحمها قيادات الردة التي أجهزت على ما تحقق من منجزات, وجعلت هذا البلد العظيم يتضاءل... ويصبح فعله أقل من فعل محطة إعلاميه كما ورد على لسان احد الفنانين المصريين بمرارة. أطرح للمقارنة ما تفعله دولة الاحتلال من عدوان همجي على شعبنا الفلسطيني في غزه, وعلى شعبنا اللبناني, ردا على ما تدعيه من خطف جنودها. وما فعله ويفعله الغير مبارك... الواقعي جدا... والمنبطح الى أدنى مستوى. في عدم إبداء أي ردة فعل تليق بمصر العظيمة ردا على ما قامت به قوات الاحتلال من قتل الجنود المصريين واستقباله لرأس الجريمة أولمرت في قاهرة المعز ودم هؤلاء الجنود لم تشربه رمال سيناء بعد.

من هنا فان العامل الحاسم في فشل تجربة هذه الأنظمة, هو في محاولة تسويق فكرة أن مسألة الحرية والمشاركة عامل فتنه في معركة الدفاع عن استقلال الأوطان. وهكذا فإنها قامت ببناء الجيوش والقوى الأمنية لتحقق الانتصارات على جماهير شعبنا فقط. بحيث تعيدنا الى مرحلة ما قبل الدولة, والهزائم على صعيد المواجهة مع القوى المعادية. ثم تعود لتخرج علينا بعد عقود من زمن القمع أنه لا أمل لشعوبنا من استمرار المواجهة مع العدو.... وما علينا للحفاظ على استقلال شكلي وعلى حياتنا إلا أن نرتضي بالهزيمة. ونقوم بتسليم إرادتنا لأمريكا وأداتها في المنطقة إسرائيل... وفق مقولة غير المغفور له السادات أن 99% من أوراق الحل بيد أمريكا. ومقولة غير المبارك بمناسبة وبغير مناسبة... أنه ليس باستطاعتنا الحرب. مما أدى لنتائج كارثية لم تكن لتحصل لولا هذا السقوط... اجتياح لبنان وسقوط أول عاصمة عربيه بعد جريمة السادات بتوقيعه لمعاهدة كامب ديفيد... اجتياح العراق وسقوط العاصمة الثانية بعد مؤتمر مدريد... الفتك في الضفة والقطاع المحتلين بشرا وحجرا اثر أوسلو... وخصوصا بعد إقرار مبادرة خائن الحرمين في قمة بيروت. ما أعطى الضوء الأخضر للسفاح شارون لإعادة اجتياح الضفة والقطاع والفتك المجدد بشكل لم يسبق له مثيل.

ليس من الصدفة أن ما تبقى من موقف مقاوم فاعل... استطاع ويستطيع الحفاظ على استمرار المواجهة.... وتحقيق الانجازات... بمواجهة عدو يملك أكبر الإمكانيات العسكرية مدعوما بشكل كامل من رأس الجريمة في هذا العالم يأتي من أقل المناطق العربية إمكانيات وتسليحا. وذلك يعود لسبب أساسي هو ضعف السلطة المركزية, ووجود حد أدنى من الديموقراطية, وعدم حرمان جماهير الشعب من صنع مصيرها بيدها. مما جعل مخيم صغير بحجمه, أسطوري بفعله كمخيم جنين يستطيع الصمود في مواجهة هجوم همجي يملك أحدث ما توصلت له آلة القتل الأمريكية بسلاح بدائي... لفترة تفوق ما استطاعه جيش العراق الذي بلغ عديده ما يفوق الستة ملايين جندي ويملك إمكانيات عسكريه كبيرة. وما جعل الجيش الصهيوني بإمكانياته التدميرية الهائلة في هذه الأيام تفوق بأضعاف مضاعفه إمكانياته في حرب 67 وحرب 73. التي استطاع بها تحقيق الانتصارات السريعة, وفرض شروطه المذلة على الجيوش العربية مجتمعه... مع حفظ الفوارق بين الحربين. يقف عاجزا أمام قلة من الرجال المؤمنين في لبنان.

مقابل سمفونية الأنظمة التي داستها أقدام هؤلاء الأبطال في فلسطين والعراق ولبنان.... يخرج علينا رموز إقطاع سياسي, ومدعيي ليبراليه, وبعض رموز يسراوية متهاوية, بمواقف وتصريحات متكررة في هذه الأيام المصيرية. التي تظهر فيها هذه الأمة أنها قائمه ولو صبت جهنم على رأسها... يدمى القلب لسماعها ورؤيتها, أكثر مما يدميه ما نراه من لحوم الأطفال والنساء والشيوخ المتهتكة في فلسطين والعراق ولبنان... من طعن متكرر ومخزي في مشروعية ووطنية من يجعل من لحمه ولحم أطفاله وقودا لمعركة التصدي دفاعا عن المجموع, ممن يجلسون على كراسي مهتزة.... ومن قيادات خائبة متخاذلة إن لم نقل متآمرة من بقايا مواقع كانت مقاومه.... عندما كان على رأسها رجال نفتقد قامتهم كالقائد الشهيد كمال جنبلاط الذي دفع حياته ثمنا لعدم استعداده إلى المساومة على قيام لبنان العربي الديموقراطي المقاوم... ولم يخرج من جلده ويستبدل أنظمة القمع بملوك الخيانة التاريخية, ورؤساء الخيانة المستجدة ومن خلفها إدارة أمريكية وأوروبيه..... تشهد فظاعة الجريمة وهولها بحق البشر والحجر كم هي حريصة على قيام لبنان المستقل الديموقراطي.

عوضا أن يصحوا هؤلاء على هول ما يحدث.... ويخرجوا من عقدهم... فيقفوا موقف مساند... يعطي قليلا من الدفء لقلب مقاتل هو بأمس الحاجة إليه... ويخفف آلام جريح نازف... وحزن ثاكله وثاكل..يستمرون في التشكيك والتشويه... ويمنحون لأنفسهم صفة المحافظين على استقلال الأوطان عبر المنابر المشبوهة.... ولا يتحرجون من تناول غداء على مائدة مدتها لهم رأس الجريمة على جثث أبناء شعبهم .... ويتهمون هذه المقاومة الأسطورية.... النازفة شلال من الدماء السخية... محاولة تعبئة عروق على ما يبدو أنها نشفت على مساحة هذا الوطن.... بأنها تخوض حرب آخرين... طارحين شعار استقلال وديمقراطية موهومة, مكان شعار المواجهة. في وقت كشف فيه الموقف الأمريكي المجرم عبر الممارسة والتصريحات أن هدف هذا العدوان هو طحن هذه المنطقة, على طريق مشروع شرق أوسطهم الجديد الذي في حال نجاحه لا مكان فيه لكرامه وحرية لأفراد أو شعوب.

إن قول أحد الزعماء اللبنانيين... وفي توقيت عدوان همجي سافر على وطنه.... بأن الحروب قد انتهت منذ عام 2000 ليؤشر لذهنيه خطيرة بأنه إذا لم تطال هذه العدوانية أمارته فإنها لا تعنيه. وفي هذا الموقف من السوء ما يفوق موقف المقبور السادات بعد توقيعه لمعاهدة كامب ديفيد المخزية: أن الحروب العربية الإسرائيلية قد انتهت. ولم يجف حبر الاتفاقية النجسة حتى قامت جيوش الاحتلال الإسرائيلي باجتياح لبنان وإسقاط أول عاصمة عربيه.

لقد ثبت وبما لا يدع مجالا للشك أن معركتنا في هذا الوطن تقوم على دعامتين ثابتتين, متلازمتين ومتفاعلتين. معركة الدفاع عن الأوطان... ومعركة الحرية والديموقراطية. وأن أي نصر في إحداهما يؤدي لنصر في الأخرى والعكس صحيح. وثبت أيضا أنه لا يمكن الحديث عن أوطان حرة مستقلة, طالما بقي هذا الكيان الغاصب بتركيبته, وبصفته الوظيفية التي لا يمكن أن تسمح بأي تطور ايجابي في وطننا العربي. وهي وجدت لتنقض على أية ظاهرة حرية أو تطور بمبرر وبغير مبرر.

إن هذه الحرب هي حرب شعوبنا المقهورة منذ عقود.... وان أبطال فجر استقلال وحرية حقيقية بدأ يشرق... هم الذين يحملون السلاح في وجه هذه الآلة الهمجية مهما كان لونهم وانتمائهم.... والآخرين هم من يقفون بين متخاذلين مشككين, وبين متآمرين مرتبطين بأنظمة العمالة ومن خلفها من الأنظمة الاستعمارية.

لقد ثبت أن أنظمة القمع التي طرحت مسألة قمع الحريات والقضاء على الرأي الآخر كحاجه طارئة تقتضيها المواجهة مع العدو قد شكلت إحدى وجوه العملة الفاسدة ويشكل من يطالب بالرضوخ للمشاريع الاستعمارية وعدم الانخراط في معركة الشرف حرصا على استقلال وحرية وديمقراطيه موهومة الوجه الآخر لنفس هذه العملة .

إن حرية الشعوب وديموقراطيتها تنال في معارك الشرف ذودا عن الأوطان وليست هبة تمنح من الأعداء كمكافئه على القبول بمشاريع الذل والمهانة

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات