بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> مقالات >>
أسرى الجولان.. ضحية إهمال، أم إهمال قضية
  21/08/2006

 


أسرى الجولان.. ضحية إهمال، أم إهمال قضية

بقلم: أيمن أبو جبل
21\08\2006

هنا أو هناك بعيدا عن رائحة الأهل والوطن والذكريات، بقيت غرف السجن الضيقة والصغيرة تحمل في أحشائها نزلاءها منذ سنين وسنين طويلة. بعيدا عن المكان والزمان ما زالوا هناك يستجمعون قواهم من جديد لتبقى خارطة الوطن محمولة في الوجدان، وليبق الوطن هو الوطن دون مزاودات ودون زيف ورياء.
يعبرون بوابات الصمت في عصر الهزيمة الرسمية وظلام النسيان، وواقع الاعتقال، يضيئون شمعة وراء شمعة من عظام أجسادهم ليبقى وهج الشعلة متقدا، في عمق عالم احاطهم من كل صوب وصوب بشريط من النسيان، فليس في قضيتهم سر يدارى بعد، ولم تعد ثانوية وخارج دائرة الاهتمام والأولوية الوطنية.

شهر أب من هذا العام يضيف إلى ذاكرته من جديد رقما جديدا من أرقام السلسة المتتالية التي ابتدأت في أب عام 1985. واحد وعشرون عاما هي حصيلة العظام التي احترقت في أجسادهم وما تفتت، إحدى وعشرين سنبلة ماتت، لكنها ملأت أحلامهم سنابل..

في خضم هذه المرحلة الحساسة التي يعيشها الشعب اللبناني والفلسطيني ومقاومتهما الباسلة، والأوضاع التي تمر بها سوريا شعبيا وسياسيا، يكون قد مضى على اعتقال أربعة مناضلين من أبناء الجولان السوري المحتل ما يزيد عن واحد وعشرين عاما داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي، واحد وعشرون عاما شهدت العديد من عمليات التبادل، والفرص الضائعة من اجل إطلاق سراحهم، وتحريرهم أسوة بباقي رفاقهم الأسرى الفلسطينيين واللبنانيون والأردنيين والمصريين الذين عرفتهم السجون والمعتقلات الإسرائيلية لسنوات طويلة. فمنذ اخر عملية تبادل أجرتها الحكومة السورية مع الدولة العبرية في السادس والعشرين من حزيران عام 1984، وإطلاق سراح 13 مناضلا عربيا سوريا من أبناء الجولان، كانت القوات الإسرائيلية قد اعتقلتهم طيلة اثني عشر عاما، لم يشهد الجولان، ولا سوريا، أية عملية تحرير لأسراها داخل السجون الإسرائيلية. في الوقت الذي كان أسرى الجولان شهودا من خلف قضبانهم على أكثر من تسع عمليات تبادل أسرى بين حركات المقاومة الوطنية الفلسطينية واللبنانية، ولاحقا السلطة الفلسطينية، ناهيك عن تدخل الحكومتين المصرية والأردنية بإطلاق عدد من أسراهم داخل السجون الإسرائيلية.

ملف أسرى الجولان العرب السوريين في سجون الاحتلال، وقضية تحريرهم من الأسر الإسرائيلي، ما زالت مغيبة ومهملة عن الأجندة الرسمية السورية، بخلاف ملف الأسرى الفلسطينيين واللبنانيين، الذين من اجلهم قدمت المقاومة في فلسطين ولبنان الغالي والنفيس والتضحيات الجسام من اجل ضمان الإفراج عنهم، وإبقاء قضيتهم في أولوية الأجندة الوطنية والسياسية، الأمر الذي افتقد إليه أسرى الجولان، خاصة بعد عملية تحرير الأسرى اللبنانين و400 أسير فلسطيني، وخمسة سورين من الداخل السوري، وثلاثة مغاربة، وثلاثة سودانين، ومواطن الماني واحد، وذلك في العام 2004 مع المقاومة اللبنانية. وتم استثنائهم من الصفقة بعد أن قدمت الضمانات الأكيدة على شملهم ضمن قوائم الأسرى المفرج عنهم من قبل ارفع الهيئات القيادية السورية. لكن لأسباب لا مجال لسردها والخوض فيها، رُكنت قضية إطلاق سراحهم إلى المرحلة الثانية من عملية التبادل التي لم ترى النور بعد.

إن فظاعة المآسي التي تواجه الشعب اللبناني والفلسطيني، وجلل الأحداث في لبنان منذ الثاني عشر من تموز الماضي، يخطفان منا كل اهتمام في الشأن المحلي الخاص، إلا أننا لا نستطيع بأي شكل من الأشكال الابتعاد عن الإفرازات السلبية والايجابية، لهذه الحرب العدوانية المجرمة على لبنان، وترك تداعياتها جانبا، دون محاولة التأثير على نتائجها النهائية، وخاصة بما يتعلق بأهداف عملية الوعد الصادق التي نفذتها المقاومة الوطنية اللبنانية، من اجل تحرير الأسرى اللبنانين والفلسطينيين والعرب والسوريين كما وعد سماحة الشيخ حسن نصرالله بعد اسر الجنديين الإسرائيليين.

لقد غدا شعار وحدة المسارات التفاوضية العربية مع إسرائيل ضربا من الخيال، إلا ان وحدة الأهداف الوطنية والقومية، ووحدة المصير والهم والأمل والحلم المشترك، ما زال يترسخ أكثر، خاصة بعد العدوان الإسرائيلي الأمريكي على لبنان وفلسطين، والتواطؤ الرسمي العربي معه بشكل لم يسبق له مثيل في وقاحته وصلفه وخيانته العلنية.

لقد فرض الإعلام العربي، وبعض كبار الكتاب العرب والسوريين منهم على وجه الخصوص، من مناضلي المواقع الإعلامية، ظلما على سكان الجولان وقضيتهم العادلة، عن طريق حذف جزء من تاريخهم الناصع ومن نضالهم ومقاومتهم وصمودهم الباسل في وجه المخططات الإسرائيلية، منذ اليوم الأول لدخول الغزاة المحتلين لأرض الجولان في العام 1967، لأسباب ربما تعود إلى جهل وعدمية بالواقع الجولاني،أو أسباب سياسية لمناكفة النظام السوري، على مصادرته حق الشعب السوري برمته في استرداد أرضه المحتلة، وإطلاق أو دعم مقاومة عسكرية في جبهة الجولان، على غرار الدعم الذي يقدمه للمقاومة اللبنانية والفلسطينية عسكريا وسياسيا وإعلاميا ولوجستيا. إلا أن الحقائق على ارض الواقع تناقض ما ذهب إليه أولئك الكتاب، وما حقيقة إن السجون الإسرائيلية لم تخلو يوما واحدا من مناضلي الجولان العرب السورين إلا تأكيدا على وجود المقاومة الوطنية، التي ضمت المئات من مناضلي العمل الوطني والسياسي والعسكري البسيط ووفق الإمكانيات في صفوفها.

إن مسؤولية رعاية وعناية الأسرى السورين والإفراج عنهم هي مسؤولية سورية مباشرة، إلا أن واقع الأسر والاعتقال في المعتقلات الإسرائيلية هو واقع نضالي وأنساني اليم واحد لا يتجزأ، ومسؤولية انتهاء هذا الواقع هي مسؤولية تقع على عاتق كل الأحرار والشرفاء المدافعين عن شرف وكرامة ووجود هذه الأمة، التي ضحى أبناؤها وما بخلوا يوما، وأعطوا وما عزّ في سبيل عزة وكبرياء عربي، شرفا استباحته أنظمة التواطؤ، وجعلته رهينة أمريكية إسرائيلية تفتك به، تاركة لآلة القتل الأمريكية الاسرائيلية استكمال ما فشلت هي من انجازه في استئصال أي صوت يفضح تواطأها، ويقف في وجه المشروع الأمريكي الإسرائيلي الذي تصدعت اركانه، وتكسرت هيبته، اما صمود وصلابة المقاومة في فلسطين ولبنان، وخاصة بعد تحقيق انجازات ونجاحات عسكرية في اسر جنود اسرائيلين وقتل العشرات منهم في المواجهات، اضافة الى جعل الجيش الاسرائيلي أضحوكة أمام اصغر المقاتلين في المقاومة.

إن ملف الأسرى السوريين هو أمانه قومية ووطنية ملقاة على عاتق المقاومة الوطنية اللبنانية والفلسطينية، كما هي أمانة رئيسية ومسؤولية وواجب وحق وطني ملح يقع على عاتق الحكومة والقيادة السورية، التي يجب أن لا تستكثر على المذبوح أن يصرخ الماً لا يأساً.

إنها رحلة طويلة من الألم والحرمان، كان قدر الأسرى السوريون فيها أن يكونوا جزء منها، بعيدا عن ذاكرة الأيام، لا ماض يروونه، ولا ذكريات سوى تلك التي تئن تحت وطأتها أجسادهم المثقلة بجراح الغربة وقسوة الاضطهاد وظروف الاعتقال في الأعراف الإسرائيلية. أوجاع حرب لبنان السادسة شكلت لهم ارقاً وتعبا وهما يومياً، مشاهد أطفال قانا ولبنان كله وهم يقتلون بابشع الاساليب، تاركين لاحلامهم ان تحلق في فضائنا. صور الدمار والخراب والنزوح التي أطبقت على ارض وسماء لبنان، جعلت عيونهم الباكية عاجزة عن اختصار مسافة الزمن بين واقع السجن وأمل حريتهم الموعودة، يعيشون مأساة لبنان بتفاصيل أحداثها، بكل ما تحمله من الم وعذابات نفسية ومعنوية وتساؤلات يفيض بها العقل والوجدان عن الواجب والاهمال والحقوق، لكنهم بحدقاتهم، ولحظات شرودهم، يرسمون حلما بات تحقيقه وشيكا. فهل يكون وعد تموز الصادق بداية موعد حلم جديد، في غد جولاني جديد؟

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات