بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الصفحة المحلية >> مقالات >>
ايمن ابو جبل ...هنا القنيطرة
  01/01/2003


هنا القنيطرة......
بقلم: أيمن أبو جبل

تأخذ منا الطريق من مجدل شمس إلى مدينة الأشباح "مدينة القنيطرة" ستاً وثلاثين دقيقة لاستقبال الطلبة القادمين من جامعة دمشق، حيث أنهى طلبة الجولان عامهم الدراسي، في زيارة صيفية لقراهم وذويهم في المحتل من بلدهم الأسير. عام مضى على مغادرتهم الجولان لنيل الدراسة في جامعة دمشق التي استقبلتهم كما تستقبل الأم وليدها بعد مخاض طويل، على أمل ان يكون الاستقبال الأكبر فوق ربى الجولان، حين تطهر من رجس الاحتلال.

في كل بيت جولاني لا تستطيع إلا أن تسأل كل صديق وقريب تصادفه عن موعد عودة ابنه أو ابنته من الشام، ولا أحد منهم يملك الجواب المحدد، أو تاريخ الانتظار المحدد. سماعة الهاتف لا تتوقف في مكتب الصليب الأحمر الدولي الواقع في بلدة مجدل شمس، للسؤال عن موعد وصول الدفعة الأولى والثانية والثالثة والرابعة من الطلاب. الإسرائيليين لم يحددوا بعد، يأتي جواب المندوب الحائر أمام بحر التساؤلات والقلوب المتلهفة لاحتضان الأبناء من جديد..

عام واحد من عمر الاحتلال لأرضنا، وقمع الاحتلال لشعبنا في المحتل من الجولان، لا يكاد ينتهي حتى تتجدد حكاية حلمنا من وراء الشريط المصطنع والأسلاك الشائكة وحقول الألغام التي نهشت في أجسادنا وأدمتها، حتى أخذت من بيننا خيرة الأبناء الشهداء وأجمل الأحلام البريئة في انتزاع حياة حرة كريمة، تتجاوز السياسة والسياسيين وكل معادلات الصراع الوجودي بين عدو أتقن ارتكاب الجريمة وفنون القتل والتنكيل والقمع والاعتقال بأشد الأشكال بشاعة وقساوة، وبين شعب فرض علية الصبر والسلوان والعجز والبكاء، والتضحية بالجسد والروح وصنع المعجزات لعشقه هذه الحياة، التي تبتعد يوماً بعد يوم حتى أصبحت إحدى أعظم الأحلام في عقول الصغار .

تستغرق الطريق من مجدل شمس إلى مدينة الأشباح مدينة القنيطرة فترة زمنية لا تتجاوز الست والثلاثين دقيقة. الذاكرة المحمولة في الأذهان ممن تبقى من جيل الآباء والأجداد الذين عايشوا فترة ما قبل الاحتلال، تستحضر بقايا من الماضي في وجدان الحاضر، فتتجسد أمامنا حاضرة من عبق الماضي سهول المنصورة، وأشجار الحور في تل البرم وعين حورا وتل الأحمر وصدر العروس، التي تطل على مجدل شمس ومسعدة، وبعض الأشجار العالية التي سلمت من الاقتلاع في مدينة القنيطرة، وقرية عيون الحجل. تستحضرك حركة الجنود في مخفر القنيطرة، وثكنات الجيش المهجورة التي اخترق جدرانها الرصاص، واحتضنت زواياها العالية أعشاش عصافير الدوري والسنونو بعد أن هجرها حماتها وروادها، واقتلعوا من أرضهم منذ سنين، حاملين معهم معاناة شعب مشرد ومهجر تحول إلى مخيمات اللاجئين والنازحين، وتاركين ورائهم ذكريات وتاريخ شعب عريق الجذور والأصول، رازح تحت نير الاحتلال.

ونحن في الطريق إلى القنيطرة، تستحضرك أصوات الحرس والجنود والضباط في مقر القيادة العسكرية في مداخل القنيطرة من ناحية المنصورة، بناية طويلة مؤلفة من ثلاثة طوابق، الأول منها تحت الأرض، خصص لسكن الجنود وغرف للمعالجة الطبية المجهزة بالتدفئة المركزية، وشبكات الهاتف والكهرباء والمياه المتطورة. في الطابق الثالث الذي تخترق إحدى زواياه قذيفة إسرائيلية لم تنجح في تدميره إلا بمساحة حجمها، كانت غرفة القائد ونائبه، التي أدخل الإسرائيليون آثار همجيتهم داخلها، حيث كتب على الحائط الذي اخترقته شظايا القنابل عبارات نابية ورخيصة تستهزئ من قائد الموقع وجنوده، الذي وهب الجنود الإسرائيليين المتعطشين للدماء والخراب والدمار، مبنى مجهزاً بالتقنيات العسكرية، والمواد الغذائية والطبية. على سطح المبنى تنبسط سهول المنصورة أمامك قاحلة، وتل أبو الندى الذي حوله الإسرائيليون إلى مرصد عسكري متطور مجهز بأحدث الأجهزة الإلكترونية والعسكرية لصد أي هجوم سوري مفاجئ، مستذكرين بطولات الجنود السورين خلال المعارك التي شهدتها أرض المنصورة في حرب تشرين. نتقدم إلى داخل ما تبقى من القنيطرة... حيث هنا كانت مدرسة، وهناك المستشفى ، وهنا دكان أبو إسماعيل ومحلات أبو سمرا. لم يترك الإسرائيليين حجراً على حجر في هذه المدينة إلا وسرقوه لبناء مستعمراتهم على أنقاض القرى العربية السورية التي طالتها مجنزرات ودبابات الإسرائيليين، حتى الأموات لم تسلم قبورهم من النبش وسرقة أسنانهم الذهبية وأضرحتهم الرخامية...

نصل إلى معبر القنيطرة الذي حاول الإسرائيليين تغير المعالم التاريخية والسياسية والجغرافية للجولان من خلاله كحدود دولية بين دولتين، يخضع إلى إشراف شكلي لما يسمى بقوات الأمم المتحدة. وهذا المعبر هو عبارة عن غرف للتفتيش الاستفزازي والمهين، ومكتب "الشين بيت" الإسرائيلي، للاستجواب وجمع المعلومات من القادمين عن الأوضاع والأحوال ومزاج الناس داخل سوريا، في محاولة للترهيب والترغيب والتهديد.

يصل الطلاب أخيرا فرادى وجماعات إلى المعبر في الجزء المحتل من الجولان، حاملين معهم جوانب إنسانية مؤثرة في النفس. جنود الأمم المتحدة، ومن موقع المشاهد، يخبئون دموعهم حين يتعانق الأبناء مع الأمهات والأصدقاء، منطلقين في طريق عودتهم إلى بيوتهم حيث ينتظر باقي أفراد الآسرة، ومن تبقى من الأصدقاء والزملاء الذين رفضت السلطات الإسرائيلية سفرهم لنيل الدراسة في جامعة دمشق لأسباب أمنية كما ادعت. هناك في القرية أناس أكل الزمن من شبابهم الكثير الكثير من السنين، أتوا في سبيل السؤال عن أبنائهم واقاربهم هناك بين أحضان الوطن... العم أبو توفيق مات بعد زواج ابنته وسفرها إلى السعودية برفقة زوجها، كان يرغب في معانقة ابنته المقيمة في الجولان قبل مماته. والخالة أم محمد تتعالج في المشفى الحكومي، رجاؤها أن تدفن في مسقط رأسها في الجولان إلى جانب أخيها. وتبعث لكم قبلاتها وأشواقها. والعم أبو محمود يعدنا كل عام كعادته أن يستضيفنا في بستانه العام المقبل لأن التحرير آت قريباً. يتناقل الطلبة أخبار الأهل هناك شرقي الشريط إلى الأهل هنا غربي الشريط في المحتل من الجولان. يتحول كل طلبة جامعة دمشق إلى مرجع للأخبار العائلية والأسرية في الجولان، لأولئك الذين تشتتت عائلاتهم بين حضن الوطن... وقبضة الاحتلال.

ست وثلاثون دقيقة هي لا شئ بمقاييس الزمن العادية، ولكنها رحلة عذاب أليمة يعايشها شعبنا في الجولان على مدار ست وثلاثين عاماً من حكم الاحتلال البغيض... ست وثلاثون عاما يستحضر أبناء شعبنا الذكريات والأشجان والأموات... ست وثلاثون عاما من استنهاض الحياة في روح شعب كان هنا، في كل الزوايا والأحياء والشوارع والمزارع والبساتين... في تلك السهول التي كانت يوما مثمرة خضراء بالحياة، ترويها حبات العرق المتساقطة من جباه الفلاحين والمزارعين، التي لا بد وأن ترتوي يوما من جديد، حينما تكبر تلك الجذور، الممتدة في عمق الوطن، من أقصاه إلى أقصاه، وتشق سطح الأرض، مبشرةً بميلاد جيل التحرير...



* أيمن أبو جبل هو مواطن سوري من الجولان، وأسير سابق في سجون الاحتلال الإسرائيلي/

نقلا عن السفير اللبنانية
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات