بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> قضايا فكرية >>
الفصل والتمييز في الفكر الصهيوني
  05/11/2005

 

الفصل والتمييز في الفكر الصهيوني

موقع الجولان

بقلم: د. نزيه بريك، باحث في القضايا الاجتماعية
مهندس معماري ومهندس تخطيط مدن ومناطق
مجدل شمس، الجولان السوري المحتل


إن حقيقة كون المجتمع اليهودي في إسرائيل، يتألف من مستوطنين جاؤوا مما يقارب المائة دولة في العالم . هذه الحقيقة تشكل مدلولاً لتباين هذا المجتمع.
تُعتبر إسرائيل من الدول المنقسمة داخلياً إلى مجموعات إثنية عدة، تتميز بالتباين الثقافي والاجتماعي والاقتصادي، وذلك بسبب خلفية الفكر الصهيوني، وبالتالي تباين الإمكانيات والفرص المتاحة لها داخل النظام الإسرائيلي.
ينقسم المجتمع الإسرائيلي في إطاره العام إلى ثلاث مجموعات رئيسية إثنية وطبقية: اليهود الغربيون (الأشكنازيم) والذين يحتلون أعلى درجات السلّم الاجتماعي والاقتصادي. واليهود الشرقيون (السفاراديم) الذين يتمركزون في أواسط درجات السلّم. أما العرب الذين لم يتمكن المشروع الصهيوني من طردهم (السكان الأصليون) فيأتي ترتيبهم في أسفل درجات السلّم.
في هذه الدولة الأشكينازية يتمتع اليهودي الشرقي بمكانة اجتماعية، اقتصادية وثقافية أقل من اليهودي الغربي، والعربي بمكانة وحقوق أقلّ من اليهودي، والعلمانيون بأقل من المتدينين، والنساء بأقل من الرجال.
هذه الدولة التي أريد لها أن تقوم على حماية النظام الإقليمي وفقاً لرؤية الدول الغربية الاستعمارية، وتقوم على الفصل الثقافي والاجتماعي والاقتصادي لا يمكن أن تصبح حقاً ديموقراطية، ودولة لكل سكانها الواقعين ضمن دائرة سيطرتها إلا بالقضاء على نظام التمييز العنصري فيها، ومن خلال إلغاء يهوديتها وأشكينازيتها.
هذا التباين في تركيبة المجتمع الإسرائيلي، يشكّل معضلة في الاستقرار السياسي والاجتماعي. ذلك أنّ هذه المجموعات الثلاثة تختلف فيما بينها حول مسائل رئيسية داخل المجتمع الإسرائيلي. مثل: شرعية الدولة، الأيديولوجية الصهيونية، التجانس الثقافي (Culture Homogeneity)، الدين ثم التمحوُر الإثني (Ethnocentrism).
في البحث بقضايا المجتمع الإسرائيلي ، لا يمكن إهمال أو إخراج الفكر الصهيوني خارج هذا الإطار، ذلك أنّ الصهيونية التي رفعت شعار إقامة الوطن اليهودي على أرض فلسطين، وحققت هذا الهدف. ما زالت تشكّل المحرك الرئيسي لكل الفعاليات والتفاعلات التي تحدث داخل هذا المجتمع وحوله. انطلاقاً من هذا الواقع يُطرح هنا سؤال مهم حول دور الفكر الصهيوني في اعتماد التمييز والتفرقة الإثنية، وبالتالي كونها مصدرَ صراع في العلاقات داخل المجتمع الإسرائيلي.
إنّ جمعَ اليهود على أرض فلسطين، وإقامة دولتهم فيها، لا يمكن النظر إليه والتعامل معه على أنه (جمعٌ للشتات) كما ورد في كثير من الآداب الصهيونية، إنما يجب النظر إلى هذا الحدث من خلال ظروف القَرن العشرين وقوانين الإنتاج الرأسمالي.
وهنا يطرح تساؤل مهم آخر نفسه حول ما أنتجه هذا الحدث (إقامة دولة يهوديةـ صهيونية) من فوارق اجتماعية واقتصادية داخل المجتمع اليهودي الإسرائيلي.
نواحي الفصل والتمييز في الفكر الصهيوني :
حتى نتمكن من فهم الفكر الصهيوني وأبعاده، لا بدّ من تسليط الضوء على جوانب الفصل والتمييز الإثني التالية :
* مسألة الأرض.
* مسألة ( العمل اليهودي ).
* المسألة الحضارية الثقافية.
* المسألة الديموغرافية.
مسألة الأرض :
لقد بدأ الاستيطان الصهيوني في فلسطين تحت شعار (أرض بلا شعب لشعب بلا أرض). لكن فلسطين لم تكن يوماً خالية من السكان.
ففي بدايات الاستيطان اليهودي لأرض فلسطين (1882) بلغ عدد سكان البلاد من العرب ما بين (450,000 ـ 500,000) مواطن، في مقابل ما يقارب (24,000) يهودي.
كان الاقتصاد الفلسطيني في هذه الفترة يعتمد على الزراعة، حيث كان ما يقارب (%71) من السكان العرب يعتمدون عليها، ويقطنون الأرياف. في حين أنّ (%90) من اليهود كانوا يقطنون المدن.
جاء الاستيطان الصهيوني لأرض فلسطين بهدف إقامة دولة يهودية على هذه الأرض. ولمّا كانت فكرة الدولة لا تمتلك الأرض اللازمة كمادة رئيسية، وبالتالي ليس لها أية قاعدة مناطقية (Territorial Basis) جاء هدف الاستيلاء على الأرض (بأي ثمن) ليشكل أحد أهم ممارسات الفكر الصهيوني الاستيطاني.
الشعار الصهيوني "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض" لا يمكن تفسيره إلا كعنوان ونهج لسياسة الفكر الصهيوني على أرض فلسطين. هذا العنوان العريض تضمن أولاً إنكار الوجود العربي على أرض فلسطين. ولما كان الوجود العربي حقيقة قائمة، فمعنى هذا الإنكار تغيير الوجود إلى حالة لا وجود.
المضمون الآخر لهذا العنوان ضمن حقيقة الوجود العربي على الأرض هو التخطيط والإرادة في استعمال القوة من أجل تغيير الوجود العربي إلى حالة لا وجود. وكان (هرتزل) على رأس الذين حبّذوا ورأوا في استعمال القوة والإرهاب وسيلة لإقامة الدولة، حيث قال: "أتريدون إقامة دولة بدون سكب دماء؟ أين رأيتم شيئاً كهذا بدون عنف وبدون خداع؟ !...." [1]
لقد كان مسار الاستيطان اليهودي يسير بشكلٍ متوازٍ مع مسار الاستيلاء على الأرض. وكان هدف المرحلة الأولى من الاستيطان (حتى إقامة الدولة) تحقيق ثلاث مسائل هي:
1 ـ الاستيلاء على الأرض.
2 ـ إقامة وتثبيت بنية سُلطوية (Power Structure) وبنية اجتماعية يهوديه (Social Structure).
3 ـ تثبيت أكثرية يهودية.
إنّ حقيقة كون فلسطين مسكونة، والأرض لها أصحابها، لم تكن خافية على أحد، لذلك فإن تحقيق الأهداف الثلاثة سالفة الذكر سيكون له بلا شك أشدّ التاثير على السكان الأصليين- العرب.
فالاستيلاء الصهيوني على الأرض يعني نزعها من السكان العرب، أي نزع حق الملكية منهم، أو نزع حقّ استغلال الأرض. وبالتالي مصادرة مصادر الثروة الطبيعية من السكان الأصليين.
وقد عبّرَ (إبراهام غرانوفسكي)ـ وهو خبير زراعي ومِن قادة الاستيطان في الحركة الصهيونيةـ عبرَّ عن هذه السياسة بوضوح حين كتبَ يقول: "علينا إنقاذ الأرض وجعلها يهودية إلى الأبد، والأرض التي ليست في يد اليهود يجب أن تنتقل إلى اليد اليهودية "[2] وكتب في مصدر آخر يقول: "المعرفة بأن الكفاح من أجل وطن يهودي يعني قبل كل شيء الكفاح حول الأرض، هذه المعرفة تشكّل أحد أهم مبادئ الأيديولوجية الصهيونية"[3].
إن إقامة بنية سلطوية وبنية اجتماعية يهودية، يعني التضييق أو بالأحرى منع إقامة بنية مماثلة على الجانب الفلسطيني. أما تثبيت أكثرية يهودية فمعناه العملي فصل ودحر، وحتى طرد السكان الأصليين وهم العرب.
تشكل الأرض شرطاً مادياً لإقامة الدولة اليهودية، لكن مصادرة الأرض وشراءها لن يضمن بقاءها إلى الأبد تحت سيطرة اليد اليهودية، إنما فقط توطين مجموعات يهودية على الأرض هو ما يضمن ذلك.
إضافة إلى ذلك تم استصدار قانون يمنع اليهود من بيع الأرض، واعتُبرت الأرض منذ لحظة انتقالها لليد اليهودية على أنها ملك قومي، ولا يحق لغير الدولة التصرف بها. هذه الاجراءات القانونية ما زالت قائمة حتى اليوم، لكن لا يمكن وضعها في إطار المفهموم الاشتراكي لتأميم الأرض، إنما في إطار تهويد وصهينة الأرض، بما معناه أن استغلال الأرض اقتصادياً وسكنياً هو فقط من حق فئة إثنيةـ قومية واحدة ألا وهي الفئة اليهودية. هذا معناه إقصاء واستثناء كل مَن لا ينتمي إلى هذه الفئة من هذا الحق (العرب). هذا المفهوم يعكس بوضوح بنية التمييز والفصل العنصري في الفكر الصهيوني.
مسألة "العمل اليهودي":
إن مصطلح العمل اليهودي أو العمل العبري، جاء بهدف إقامة اقتصاد يهودي متكامل في فلسطين. هذا الهدف انطلق من وضع اليهود الاقتصادي والاجتماعي الذي عاشوه في أوروبا الشرقية، والذي تميز بالملاحقة والاضطهاد وجعلهم على هامش اقتصاد تلك الدول.
انطلقت فكرة الاقتصاد اليهودي مِن المفكّر اليهودي (بوروخوف)، حيث كتب " اليهود بحاجة إلى منطقة اقتصادية متكاملة، حيث لا المنافسة القومية، ولا قوانين مناهضة اليهود تُصعّب عليهم، أو بالأحرى تحرمهم من الحصول على أمكنة عمل"[4].
لقد رأى (بوروخوف) بخلق اقتصاد يهودي نقي شرطاً يُمكّنهم من الانتقال والعمل في المجالات الاقتصادية الأخرى (الزراعة والصناعة) واعتبر أن إقامة "سوق عمل قومي" وهرم اجتماعي يهودي سيفتح المجال أمام تبلور وعي طبقي عند اليهود.
المفكر الصهيوني الآخر الذي ترك بصماته على مصطلح العمل كان (غوردون). فقد اعتبر هذا الأخير أن تجديد الإنسان يأتي عن طريق العمل، وفقط "إنقاذ" الفرد عن طريق السعي والتضحية سيؤدي إلى إنقاذ الشعب بكامله[5].
في رأي (غوردون) أنّ "مَن يعمل أكثر، وينجز أكثر، ومن سيضحي بروحه أكثر هو مَن سيحصل أكثر على حق أخلاقي وسُلطة لازمة على الأرض"[6].
ففي حين اعتبر (بوروخوف) "ولادة الشعب اليهودي مِن جديد" كظاهرة سياسية واقتصادية. اعتبرها (غوردون) "ظاهرة فكرية لتجديد الحياة".
إن مبدأ (بورخوف) "سوق العمل القومي" ومبدأ (غوردون) "ثقافة العمل هي عمل قومي" دفعَ الصهاينة إلى رفع شعار "احتلال العمل" وشعار "العمل اليهودي".
إن ممارسة هذه الشعارات وتطبيقها على أرض الواقع كان له نتائج مدمّرة بالدرجة الأولى على الشعب العربي الفلسطيني، وعلى اليهود الشرقيين تالياً.
إن المستوطنات اليهودية التي أقيمت قبل بداية عهد الاستيطان الصهيوني كانت ولأسباب ربحية تُشغّل أيدي عاملة عربية رخيصة. لكن مع بداية الاستيطان الصهيوني بدأ المستوطنون تطبيق سياسة "احتلال العمل" و "العمل اليهودي" من أجل إقامة اقتصاد يهودي مستقل ومنفصل. فخلف فكرة إقامة هذا الاقتصاد اليهودي المستقل ذات الطبقات الاجتماعية اليهودية يكمن هدف إقصاء العرب من جميع المجالات والنشاطات الاقتصادية، وذلك للأسباب التالية:
1 ـ إن المنافسة في سوق العمل بين الأيدي العربية العاملة ذات الأجر الرخيص، والأيدي العاملة اليهودية ذات الأجر المرتفع، تشكّل عائقاً أمام تشغيل المستوطنين اليهود، وبالتالي قد يؤدي هذا إلى تشكّل طبقة عاطلة عن العمل من المستوطنين، ممّا قد يهدّد نجاح المشروع الصهيوني.
إن مبدأ "العمل اليهودي" لاقى في البداية رفضاً من قِبل المستوطنين القدامى، ذلك لأن تشغيل الأيدي العاملة العربية كان مُربحاً أكثر. وفقط بعد أن قامت الحركة الصهيونية عام (1910) بجلب آلاف اليهود الشرقيين من اليَمَن إلى فلسطين، كبديل للأيدي العاملة العربية الرخيصة، تغيّر موقف المستوطنين القُدامى من رفض هذا المبدأ إلى قبوله وممارسته[7].
2 ـ إنّ إقصاء العرب من الاقتصاد اليهودي، يدفعهم إلى البحث عن عمل في البلدان المجاورة. وبالتالي ترحيلهم "طوعياً" وقد عبّر (هرتسل) في مذكراته عن هذا قائلاً: "نهدُف إلى إبعاد السكان البسطاء (العربـ المؤلف) بشكل غير ملحوظ عبر الحدود، وذلك بأن نخلق لهم فرص عمل في بلاد العبور (النزوحـ المؤلف)، في حين نمنع عنهم كل أشكال العمل في بلادنا"[8].
وقد اعتبر (نافراتسكيـ الأيديولوجي الصهيوني) أنّ الهجرة "الطوعية" (لأسباب اقتصادية) إلى بلدان الشرق الأوسط هي الوسيلة "الأكثر صحيّة والأفضل" لحلّ مسألة الأرض، لأنها حسب تعبيره تخلق "فراغاً طبيعياً"[9] ورأى (روبين) في بلاد ما بين النهرين (العراق) "بلد هجرة مِن الدرجة الأولى... للمهاجرين الزراعيين من الشرق."[10]
3 ـ اعتماد الاقتصاد اليهودي أو بعض مجالاته على القوى العاملة العربية، قد يهدد المشروع الصهيوني في حال إضراب أو مُقاطعة العمال العرب، كوسيلة لرفض الاستيطان الصهيوني.[11]
4 ـ منع الاحتكاك والعلاقات الثقافية والاجتماعية بين السكان الأصليين (العرب) والمستوطنين اليهود. وقد عبّرَ عن هذا (روباشوف) من وجهة نظره العنصرية قائلاً: "....لأنّ شبيبة المستوطنات تترعرع بين العاملات والعمال العرب.. فلا عجب أن المستوى الثقافي- أكان اليهودي أم الإنساني- في المستوطنات متدنٍّ إلى هذا الحد.."[12].
وبجانب مسألة الأرض والهجرة اليهودية، كانت مسألة "العمل العبري" أكثر الجوانب أهمية في رسم مسار ومستقبل العلاقات الاقتصادية والاجتماعية بين العرب واليهود.
لقد علّقَ (شوبس) على هذا قائلاً ".. في نهاية الأمر كانت مسألة تشغيل الأيدي العاملة اليهودية مسؤولة أكثر من أي شيء، وأكثر من السياسة الدولية عن خلق الشرخ العميق بين اليهود والعرب في فلسطين"[13].
وفي الحقيقة فإن ممارسة مبدأ "العمل العبري" كان له على أرض الواقع أبعاداً أكبر، حيث معناه نزع الحق السياسي، والدحر الاجتماعي والاقتصادي والثقافي.
إن إقصاء وإبعاد السكان العرب عن الاقتصاد تمَّ على مستويات مختلفة: فدحرهم مِن أماكن العمل تحت مبدا "احتلال العمل" أو "العمل العبري"، وطرد الفلاحين والمتسأجِرين وعمّال الأجرة من الأرض تمَّ تحت شعار "احتلال الأرض".
هذه الممارسات أدّت بشكل حتمي إلى التضييق الاجتماعي والثقافي، وبالتالي إلى الفصل (Segregation) بين العرب واليهود. وقد كتب الأستاذ اليهودي (دان دينر) بشكل جلي أن مبدأ "احتلال الأرض" من أجل التجانس الإثني للمشروع الصهيوني، الذي استهدفَ عمداً إقصاء العرب، أدّى إلى استفزاز العرب للمقاومة العنيفة، وإلى سلسلة العنف والعنف المضاد، منذُ ذلك الوقت حتى الآن في العلاقات اليهودية العربية "[14].
إن شعار "العمل العبري" وشعار "احتلال العمل" الذي انبثق من وضع اليهود الاقتصادي والاجتماعي في أوروبا ما هو إلا الوجه الآخر لنفس العملةـ القوانين التي سادت في بعض دول أوروبا، ومنعت اليهود من العمل في العديد من المجالات الاقتصاديةـ مع فارق واحد بأن المُستَهدَفين هنا هم العرب في فلسطين، والمُستهدِفون هم اليهود، حيث انتقل اليهود من أناس عانوا الاضطهاد والتمييز إلى أناس يمارسون الاضطهاد والتمييز والعنف، لكن ضد مَن ليس لهم علاقة بمعاناتهم السابقة.
المسألة الحضاريةـ الثقافية:
أ : النظرة الصهيونية للحضارة العربية:

يعتبر (ثيودور هرتسل) الأب والمؤسس للصهيونية السياسية، ذلك أنه لم يعتبر المسألة اليهودية قضية اجتماعية أو دينية، إنما "هي مسألة قومية، ولكي تُحَّل، علينا جعلها مسألة سياسية، يتمّ ترتيب حلّها بمفهوم الشعوب المتحضرة"[15].
ولقد أراد (هرتسل) بهذا، الحصول على الحماية "القانونية" للمشروع الصهيوني من دول أوروبا الاستعمارية، حيث جَيّرَ الحجج الاستعمارية خدمةً لهذا الهدف، وأدرج المشروع الصهيوني في الإطار الحضاري. وقال في كتابه (الدولة اليهودية): " سنشكّل بالنسبة لأوروبا جزءاً من الجدار ضدّ آسيا، وسنعمل على أن نكون موقعاً أمامياً لخدمة الحضارة ضد البربرية"[16].
كذلك فإنّ (ماكس نورداوـ Max Nordau) لم يتردد في استنباط شرعية الاستيطان الصهيوني من المشروع الأخلاقي- الحضاري الأوروبي. فقد قال في حديثه أمام اعضاء الكونغرس الصهيوني الذي انعقد عام (1905) "فنحن نفكر بالقدوم إلى فلسطين كجالبين للأخلاق والحضارة، ومَّد الحدود الأخلاقية لأوروبا حتى الفرات" [17].
إن كليهما (هرتسل) و (نورداو) استخدما الأخلاق والحضارة (الأوروبية) لتشريع الاستيطان الصهيوني في فلسطين، ولم يترددا في تحقير حضارة الآخرين بوصفها "بربرية". وهذا ليس معناه فقط اعتبار حضارتهم على أنها الأفضل، بل اعتبراها مقياساً لتقييم الحضارات الأخرى، وهذا ما يُسمّى في لُغة علم الاجتماع بــ: العنصرية.
إنّ المصطلحات مثل "الجدار" و "الحدود الأخلاقية" تفضحُ بوضوح الشخصية العنصرية للمشروع الاستيطاني الصهيوني، وشخصية الفصل (Segregation) في العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية المستقبلية بين الذين ينتمون إلى دائرة الحضارة الأوروبية (اليهود الأشكنازيم) وبين الذين لا ينتمون إلى هذه الدائرة (العرب واليهود الشرقيون).
إضافة إلى ذلك- وحسب وجهة نظر الصهيونية- إنهم يستمدون حقهم في فلسطين مِن واجبهم في "التحديث". فمصطلحات مثل "تخلّف، إهمال، خراب" كثيراً ما تتكرر في الأدب الصهيوني بوصف المجتمع الفلسطيني[18].
في المقابل فإنه بالحديث عن المستوطنات اليهودية، تتكرر مصطلحات مثل "حديث"، "متطور"، "منتعش". ثمَّ الحديث عن بداية الاستيطان اليهودي على أنها "نقطة التحول بين الانهيار والازدهار"[19]. أما المستوطنات اليهودية في فلسطين فاعتبروها "جزيرة الرفاهية في بحر التخلف الاقتصادي في الدول العربية"[20].
لم يتعامل الصهاينة مع ظاهرة "التخلف" برؤية تحليلية، لها أسبابها الاجتماعية والتاريخية والسياسية، إنما اعتبروها من مركّبات الحضارة والعقلية والطبيعة العربية، وبالتالي كحقيقة مجتمع وواقع راكد وعاجز عن التطور، والذي لا يمكن تغييره إلا من الخارج وعن طريق استيطان حيوي[21] والبعض الآخر راح يقول: إن تطوير البلاد لا يقدر عليه إلا اليهود[22].
حتى (مارتن بوبر) الفيلسوف اليهودي مثّل الرأي بأن فلسطين بحاجة إلى اليهود كي تنهض وتأخذ شكلاً خلاقاً، وقال: "نحن الذي بإمكاننا أن نجعل من هذا البلد الأفضل- نحن لوحدنا- فهي ملك لنا"[23].
إنّ المطلب والسعي وراء إقامة ثقافة مجتمع يهودي نقي، كان في أولويات الفكر الصهيوني الاستيطاني[24]، حيثُ رفضوا التفاعل مع الحضارة والثقافة في البيئة المجاورة، وفضّلوا التصنيف- أي الاختلاف والتمايز الثقافي.
في حين أبدى (هولد هايم) انتقاده للصهاينة الذين أبدوا موقفاً رافضاً من التأثيرات الثقافية للمجتمع الأوروبي- المسيحي- على المجتمع اليهودي واعتبره موقفاً لا حضارياً. فقد تبنى بما يخص اليهود في فلسطين النظرة البورية (البوريم: هم السكان البيض في جنوب أفريقيا)[25].
لقد كان هدف تهويد فلسطين يسير يداً بيد مع رفض واحتقار الحضارة والثقافة العربية. فالحديث عن الحضارة العربية بأنها قاصرة ولا قيمة لها، أو بالأحرى غير موجودة، جاء ليبرر مطلب نقاوة وتميز الثقافة اليهودية، وتشريع الاستيطان الصهيوني في فلسطين كمنطقة ملائمة لإنجازات حضارية.
لقد كتبَ (أوارباخ) يقول: "الشيء المهم أنه ليس كما هو في العالم، حيث الحضارة غير اليهودية تجذب اليهودي وتدخله في حيرة وصراع مع اليهودية وتمتصه. فالاستيعاب في فلسطين غير موجود، وفي مَن سينخرط اليهودي؟... حيث لا يبقَ له إلا أن يكون يهودياً قومياً"[26].
في حين أن الحديث هنا يدور حول عدم وجود حضارة للعرب، كتبَ كلاوسنَر: "العرب لا يقدّمون اليوم أي شيء للحضارة، وعرب فلسطين لم يقدموا أي شيء للحضارة على مر الزمن" [27].
ولم يتردد البعض من "الساعين لجلب الحضارة" بتنفيذ المفهوم الحضاري الغربي بالقوة العسكرية[28] أو بالدعاية للحضارة عن طريق بناء المستشفيات، واعتبروا "هذه الوسيلة أفضل دعاية للحضارة، نحن بالتأكيد لن نمارس التبشير، ولكن العربي يجب أن يتعلم بالنظر لليهودي على أنه مُقّدِم للحضارة، المُنقذ من الأمراض والأوساخ والخراب"[29].
ب : النظرة الصهيونية لحضارة اليهود الشرقيين :

قبل بداية الاستيطان الصهيوني، شكّل اليهود الشرقيون أكثرية الجالية اليهودية التي كانت تعيش على أرض فلسطين. وقد استوطن معظم أعضاء هذه الجالية فلسطين لأسباب وروابط دينية. هذه الروابط الدينية لم يكن لها أي علاقة مع الصهيونية ومشروعها الاستيطاني.
إن الصهيونية كحركة وأيديولوجيا انطلقت من المجتمع اليهودي الأوروبي، أي أنها أشكينازية، وقد رأت في إقامة الدولة اليهودية في فلسطين حاجزاً حضارياً أمام "البربرية الآسيوية" ومهمتها توسيع الحدود الحضارية لأوربا حتى الفرات.
ولما كان اليهود الشرقيون جزءاً من دائرة الحضارة "البربرية" فإن النظرة الصهيونية أو بالأحرى نظرة اليهود الأشكنازيم إليهم لم تختلف كثيراً عن تلك التي نظروا إليها للعرب وحضارتهم.
إن حقيقة كون الحركة الصهيونية سعت إلى إقامة وطن يهودي ذي طابع حضاري- غرب أوروبي- يدل على إسقاطها اليهود الشرقيين مسبقاً من مفهوم حضارة هذا المجتمع. هذه النظرة الصهيونية المتعالية على الحضارة الشرقية، والرافضة لها حددّت منذ البداية مسار العلاقات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية ليس فقط بين اليهود الغربيين والعرب، إنما كذلك بين اليهوديتين الشرقية والغربية. لكن لم يكن بمقدور اليهودية الغربية أن تفرض مسار هذه العلاقة لصالحها لولا امتلاكها مصادر القوة. إذن في ظروف اختلال توازن القوى، فإن القوي يسيطر ويملي إرادته.
إن الفرق بين نظرة وتعامل اليهود الغربيين مع العرب، وتعاملهم مع اليهود الشرقيين تجلى في رفض حضارة العرب ووجودهم، بينما لم يرفضوا الوجود اليهودي الشرقي إلى حد معين، بما معناه قبول الوجود اليهودي الشرقي فقط إلى الحد الذي يمكن الاستفادة منه. وبذلك فإن العلاقة بين اليهوديتين أخذت منذ البداية طابعاً مادياً براغماتياً، ولصالح القوي (الأشكنازيم).
الدور الوظيفي لليهود الشرقيين في المشروع الصهيوني:
لم يكن اليهود الشرقيون- لا قبل ولا بعد- قيام الدولة اليهودية عنصراً فعالاً في المشروع الصهيوني، أو ذوي تأثير لأن مصادر القوة (السياسية والاقتصادية) لم تك في أيديهم، بل كانوا دائماً على هامش هذا المشروع.
لقد شكّلَ اليهود الشرقيون "مادة استيطانية مهمة" في المشروع الاستيطاني الصهيوني. ما أدّى إلى إرسال المُبشّرين الصهاينة إلى المنطقة العربية لدفع اليهود هناك للهجرة إلى فلسطين.
لقد كتب (تاوت) و (فارشفسكي) قائلين: ".. لم يكن اليهود الشرقيون يمثّلون شيئاً فعّالاً في الصهيونية، إنما كانوا ضحية التعاون بين الصهيونية والرجعية العربية... ضحية الصهيونية من خلال إقامة الدولة اليهودية في المشرق العربي رغم أنف السكان المحليين، ما أفرزَ مشاعر معادية لليهود عند الجماهير العربية، فقد كانوا ضحية الصهيونية التي لم توفّر أي وسيلة لدفع الجاليات اليهودية في البلاد العربية لترك أوطانهم، ومِن ضمن ذلك إلقاء القنابل على المؤسسات والكُنُس اليهودية. كذلك كانوا ضحية الرجعية العربية التي لم تتردد في تقوية الدولة اليهودية من خلال إطلاق موجات لا سامية، كي تلهي الجماهير عن الإحباط وعدم الرضا الذي أفرزته هزيمة عام (1948 ـ 1949)... فلولا دعم الرجعية العربية والاستفزازات الصهيونية، لبقي أكثرية اليهود في البلاد العربية"[30].
وفي ظل الحقيقة القائمة- الثابتة- أن الاقتصاد الصهيوني هو اقتصاد رأسمالي، كان واضحاً أنّ إقصاء العرب من سوق العمل، كأيدٍ عاملة رخيصة سيؤدي إلى ضربة قاصمة للاقتصاد الرأسمالي. "كيف نصل إلى أن نجعل العامل اليهودي ينافس العامل العربي، دون تسبيب أضرار اقتصادية لصاحب العمل"[31].
هنا جاء دور اليهود الشرقيين لملء الفراغ الربحي الناتج عن استبعاد العمال العرب. ".. هجرة اليمنيين، والتي شكّلت الحل الأفضل لمسألة العمل العبري، استُقبِلَت مِن الجمهور والعاملين في المستوطنات بكل ترحيب.."[32].
لقد بدا للسياسيين الصهاينة أن اليهود الشرقيين- ولمرحلة معينة- مناسبون للتعويض عن الأيدي العاملة العربية الرخيصة. فكان على اليهود الشرقيين كأناس "قنوعين" تسهُل "السيطرة عليهم" الحفاظ على سلّم الأجور والنظام الربحي وإبعاد العرب عن الاقتصاد اليهودي.
لقد اعتبر الأشكنازيون أن اليهود الشرقيين "أقلّ ذكاء وأقلّ صرامة من المهاجرين الأوربيين" وإنّ ليس لديهم الاستقلالية والقدرة على "قيادة مشاريعهم بالشكل الصحيح" (روبين)[33]. وتابع هذا الأخير يقول "كمادة استيطانية، فإن اليهود اليمنيين واليهود الشرقيين الآخرين يقفون بعيداً خلف عمال أوروبا الشرقية....كعلامة (خلطة) بين العمال الأوروبيين، فإن عدداً معيناً من اليهود اليمنيين فيه فائدة لكن من الخطأ أن نجلب إلى مستوطناتنا أكثرية من اليهود اليمنيين، لأنهم سيدفعون حضارة المستوطنات بشكل واضح نحو الأسفل" [34]. بهذه النظرة فقد تم تحديد المجالات الاقتصادية التي يمكن لليهود الشرقيين أن يعملوا بها، ألا وهي الأعمال البروليتارية، وهذا معناه الفصل في مجالات العمل.
هذه التصريحات والاعتبارات الصهيونية إن دلّت على شيء فإنها تدّل على النظرة العنصرية تجاه اليهود الشرقيين، وكذلك على مسار الفصل الاقتصادي والاجتماعي والثقافي بين اليهود الغربيين والشرقيين.
عندما قامت دولة إسرائيل عام (1948) كان معظم سكانها اليهود من الغربيين، لكن بعد منتصف الستينات بدأ الوضع الديموغرافي يتغير، فهجرة اليهود الشرقيين بمئات الآلاف التي بدأت في أوائل الخمسينات غيرّت الميزان الديموغرافي لصالح اليهود الشرقيين، حيث أصبح تعداد اليهود الشرقيين يفوق عدد الغربيين. لكن هذا التغيير لم يؤدِّ إلى إحداث تغييرات على مراكز القوى السياسية والاقتصادية والثقافية في البلاد، حيث بقيت هذه المراكز- بلا منافسة- تحت سيطرة اليهود الأوروبيين. لكن عاد الوضع الديموغرافي وتغير منذ نهاية الثمانينات لصالح الأشكنازيم، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي والمعسكر الشرقي، حيث جاء من هناك أكثر من مليون يهودي وغير يهودي إلى البلاد.
إن إنكار وقمع حضارة وثقافة اليهود الشرقيين في إسرائيل تعكس نفسها على جميع جوانب الحياة، فالتاريخ والثقافة والأدب اليهودي الذي يُعَلّم في المدارس الإسرائيلية يكاد يكون فقط تاريخ وثقافة وأدب اليهود الغربيين، وإن حضارة إسرائيل الحديثة تستمد جذورها من تاريخ وتقاليد يهود أوروبا، وبذلك تهميش التاريخ الثقافي والحضاري لليهود الشرقيين.
إن الانخراط الثقافي وتأقلم اليهود الشرقيين في المجتمع الإسرائيلي يعني بالمفهوم الصهيوني "الارتقاء" إلى مستوى الحضارة الأشكنازية، وبهذا "يصبحون يهوداً جيدين وحقيقيين"[35]. هذا يعني أن على اليهود الشرقيين نزع وتمزيق هويتهم الشرقية وتبني الثقافة الأشكينازية. وبهذه الرؤية التي تعكس احتقار ثقافة اليهود الشرقيين، تم صياغة العلاقات الاجتماعية والثقافية بين اليهود الغربيين والشرقيين على أرض الواقع، ممّا أدى إلى تفاقم الشعور والإحساس بالاضطهاد الإثني والثقافي لدى اليهود الشرقيين."... والِدَيَ قد جاؤوا من شمال أفريقيا، حسناً من المغرب. أليس لديهم كرامة؟ أليس لديهم قيم وإيمان؟. أنا لست متديناً... لكن لماذا استهزؤوا بإيمان أهلي؟! لماذا غسّلوهم بمادة (الليزول) عند وصولهم إلى ميناء حيفا؟... الماباويون (حزب مبّاي) محوا كل شيء كان مكتوباً على هؤلاء الناس، وكأنه فارغ لا معنى له، وكتبوا على الناس ما هم أرادوه من أيديولوجيتهم. ... بن غوريون بنفسه وصفنا بأننا غبار مِن البشر..." [36].




طفل يهودي شرقي يُرّش بمادة ألـ : د . د . ت السامة " لتطهيره من ماضيه " بعد اقتلاعه وجلبه إلى البلاد
إن الصراع الحضاري والثقافي ما بين اليهود الغربيين والشرقيين في المجتمع الإسرائيلي ما زال حتى اليوم يعكس نفسه على الساحة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
المسألة الديموغرافية:
بالإضافة إلى مسألة الأرض، فقد كانت مسألة الهجرة اليهودية إلى فلسطين مطلباً وهدفاً في أولويات الفكر الصهيوني. فقد كتب غرانوفسكي يقول: "ليس عدد الدونمات التي تنتقل إلى يد اليهود هو ما سيجعل البلاد يهودية، إنما عدد العمال والمنتجين. وإذا انتقلت الأرض كلها في فلسطين حالاً وبشكل رسمي بطريق الأعجوبة لليد اليهودية، فليس معناه أن مسألة الوطن اليهودي قد حُلّت. السؤال المهم، وعلينا أن لا ننسى هذا هو: تشكيل أكثرية يهودية في البلاد"[37].
أما (شتيرن بيرغ) فاستعمل في كتاباته مصطلح "الغَرس" أي غرس السكان العرب في مناطق أخرى، واعتبر هذا إجراءاً "إنسانياً" حيث قال: "... مصادرة أجزاء كبيرة من السكان العرب ليست بالحسبان، لكن ولحسن الحظ هناك وسيلة أخرى ألا وهي غرس العرب في مناطق أخرى، ونفكر قبل كل شيء في منطقة شرقي الأردن"[38].
أما (يوسف فايتز) مدير قسم الاستيطان، كتب يقول: "يجب أن يسود الوضوح بيننا بأنه لا يوجد مكان لشعبين في هذه البلاد... الحل الوحيد هو فلسطين خالية من العرب. لا يوجد طريق آخر إلا بطرد العرب، ولا يجب إبقاء أي قرية أو عائلة..."[39].
إذن فقد كان الهدف، تغيير الوضع الديموغرافي في فلسطين لصالح الطرف اليهودي، بما معناه إخراج وإسقاط الطرف الفلسطيني من دائرة التأثير. وعبّر (جابوتنسكي) قائلاً "لكن ما تسعى إليه الصهيونية... هي منطقة، حيث يشكل اليهود فيها أغلبية، ويتركوا بصماتهم على هذه المنطقة مدى الحياة".[40]
معنى هذا، أن المطلب الديموغرافي (أكثرية يهودية) يتضمن كذلك هدفاً ومطلباً سياسياً، ألا وهو السيطرة السياسية والتفرّد بالسلطة، بما معناه استثناء الطرف الفلسطيني من دائرة السلطة بالكامل.
إن استمرار الهجرة اليهودية إلى فلسطين وشراء الأراضي، أثارت المخاوف لدى الفلسطينيين بفقدان السيادة السياسية والاقتصادية مستقبلاً في البلاد من أيديهم. فكلما زادت الهجرة اليهودية، كلما فقد الفلسطينيون أراضٍ أكثر وازداد عدد العمال والفلاحين المطرودين من أرضهم. وبالتالي فقدان مصادر المعيشة وخلق وضع اجتماعي يتميز بطبقة واسعة من العاطلين عن العمل[41]

لقد أدى هذا الوضع إلى زيادة الرفض والمقاومة على الجانب الفلسطيني تجاه الهجرة اليهودية. هذه المقاومة كانت موجهة ضد الاستيطان الصهيوني الذي حمل علامات التهميش الاجتماعي والاقتصادي والثقافي للسكان العرب في فلسطين.
وقال (لانداور) عن هذا "....لا يمكن لأي أكثرية في أي بلد أن تقف بلا مقاومة وهي ترى كيف أن هجرة مخططة تسير باتجاه جعل المهاجرين أكثرية وأسياداً للبلاد[42]".
لكن الحاصل في النهاية أن السكان العرب الفلسطينيين عاشوا انهياراً ديموغرافياً، حيث ارتكبت اليد الصهيونية المذابح ضدهم، وتم ترحيلهم وطردهم خارج الحدود، فلم يبقَ منهم إلا أعداداً قليلة على أرض فلسطين.
كانت الصهيونية تسعى إلى إقامة وطن يهودي أشكنازي، مع خليط بنسبة قليلة من اليهود الشرقيين لأهداف نفعية، لكن قبل قيام الدولة فإن تجاوب اليهود الغربيين مع المشروع الصهيوني كان محدوداً.
ومع صعود هتلر إلى سُدّة الحكم في ألمانيا عام (1933) وبنزعته العرقية وعدائه لشرائح عديدة من المجتمع وبضمنهم اليهود، دفع بعض اليهود الأوربيين للهجرة إلى فلسطين.

لكن عند نهاية الحرب العالمية الثانية، وقبيل قيام دولة إسرائيل وذبح قسم من يهود أوروبا، وبالتالي تناقُص أعداد اليهود القادمين من أوروبا، وجّهت الحركة الصهيونية أنظارها إلى يهود الدول العربية والإسلامية، وذلك لأنها رأت فيهم أداة مناسبة لتحقيق المشروع الصهيوني فيما يخص بناء اقتصاد يهودي نقي، يشكلون فيه الطبقة البروليتارية. بالإضافة إلى دورهم في تغيير الميزان الديموغرافي لصالح اليهود، والحفاظ عليه على المدى البعيد.

خاتمة:

إن المسائل سابقة الذكر وهي: مسألة الأرض، مسألة العمل العبري، المسألة الحضارية- الثقافية والمسألة الديموغرافية تشكّل عصارة وجوهر الفكر الصهيوني.

فالحديث عن هذه المسائل لا يفضح فقط الوجه العنصري للفكر الصهيوني، إنما بالإضافة لذلك يبيّن لنا بشكل واضح أن ما حدث على أرض فلسطين على مدار القرن الماضي، وما يحدث اليوم لا يمكن اعتباره أموراً وأحداثاً وليدةَ ساعتها، إنما هو تطبيق لفكر يحمل مخططاً وبرنامجاً مدروساً يعي جيداً حقائق الواقع، بحيث يتم تنفيذه على المدى البعيد، وحسب تطورات الساعة والظروف القادمة.

إن اقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه وتحويله إلى شعب يعيش في مخيمات الشتات، تمّ بوعي وتخطيط كاملين مع سبق الإصرار. والحديث اليوم عن مخطط إسرائيلي أمريكي لتوطين الفلسطينيين في العراق لم يولد مع بداية تسعينيات القرن الماضي، إنما طرحهه ( روبين) في بداية القرن الماضي.

إن البحث في قضايا المجتمع الواقع تحت دائرة السيطرة الإسرائيلية لا يمكن أن يقدّم تفسيراً كاملاً ومتكاملاً إذا لم يتعامل مع حقيقة المسائل سالفة الذكر، التي تشكل جوهر الفكر الصهيوني، خاصة في ظل الحقيقة القائمة: إن المجتمع الإسرائيلي حديثُ العمر، وأن الدولة ما زالت تعرّف عن نفسها كدولة لليهود قائمة على الفكر الصهيوني.

لذلك فإن البحث في الوضع الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، والعلاقات بين الفئات الإثنية والقومية داخل المجتمع الإسرائيلي لن يكون متكاملاً في حالة إخراج مركّبات الفكر الصهيوني من دائرة البحث.

أما كيفَ انعكست ممارسات الفكر الصهيوني على الوضع الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والسكني لفئات المجتمع الإسرائيلي، فإنّ ذلك سيشكّل موضوع بحثنا القادم

المراجع
1 - Auerbach , E . 1912 : Palaestina als Judenland , Berlin / Leipzig 2 - Beilinson , M . 1937 : Aufsaetze , Tel – Aviv .

3 - Beilinson , M . 1930 : Zum Juedisch – Arabischen Problem , Tel – Aviv .
4 - Bernstein , S .1919 : Der Zionismus . Sein Wesen und seine Organisation , Berlin ,, Die Beschluesse der Revisionisten ,, in : JR , No .2 , 07 / 01 / 1927 .
5- Boehm , A . 1932 : Zum Bodenproblem Palaestinas , in : JR , No . 37 , 10 / 5 / 1932 .
6 - Boehm , A . 1920 / 21 : Die Zionistische Bewegung , 2 . Auflage , Wien / Berlin . 1935.
7 - Borochov,B. 1932 : Sozialismus und Zionismus . Wien .
8 - Borochov, B. 1917 / 27 : Palaestina in unserem Programm und unserer Taktik ( Vortrag von 1917 ) , in : Die juedisehe Arbeiter , 1927.
9 - Brik , N . 1991: Kibbuz , Legende und Wirklichkeit , Hamburg .
10 - Buber M . 1929 / 63 : Juedisches Nationalheim und Nationale Politik in Palaestina .
11- Buber M . 1917 / 18 : Die Eroberung Palaestina ,in : Der Jude .
12 - Cahnmann ,W . 1958 : Herzl Yearbook , New York .
13 - Castel , J . H . 1920 / 21 : Die Araber in Palaestina , in : Der Jude .
14 - Diner , D . 1980 : Israel in Palaestina , ueber Tausch und Gewalt im Vorderen Orient .
15 - Gordon,A.D. 1929 : Erloesung durch Arbeit,ausgewaehlte Aufsaetze , Berlin .
16 - Granovsky , A . 1929 : Boden und Siedlung in Palaestina, Berlin .
17 - Granovsky , A . 1938 : Juedische Bodenpolitik in Palaestina , Jerusalem .
18 - Granovsky ,A . 1931 : Die Bodenfrage und der juedische Aufbau in Palaestina , wien .
19 - Granovsky ,A . 1927 : Boden und Siedlungspolitik , in : JR , 29 / 4 / 1927 .
20 - Granovsky ,A . 1925 : Probleme der Bodenpolitik in Palaestina .
21 - Herzl , T . 1922 : Tagebuecher , Bd . I - III , Berlin .
22 - Herzl , T . 1896 : Der Judenstaat , Ausgabe 1968 , Osnabrueck .
23 - Holdheim , G . 1924 : Agency und Zukunft des Zionismus , in : JR 29 / 8 / 1924 .
24 - Klausner , J . 1922 : Der Kampf zwischen zwei Welten , in : JR , 20 / 1 / 1922 .
25 - Krupnik , Ch . A . 1919 : Zur Theorie und Praxis des Zionismus , in : JR 18 / 11 / 1919 .
26 - Landauer , J . 1921 : Die Lehren von Jaff , in : JR 7 / 6 / 1921 .
27 - Loewenstein , F . 1927 : Das Juedische Palaestina .
28 - Maccar , A . 1919 : Die Loesung der Araberfrage , in : Die Arbeit , 25 / 5 / 1919 .
29 - Nawratzki , C . 1919 : Das neue juedische Palaestina , Berlin .
30 - Oz , A . 1984 : Im Lande Israel , Frankfurt / M .
31 - Rubaschow , S . 1921 / 22 : Die privatwirtschafliche Kolonisation in Palaestina , in : Der Jude .
32 - Ruppin , A . 1919 : Der Aufbau des Landes Israel , Berlin .
33 - Ruppin , A . 1937 : Dreissig Jahre Aufbau in Palaestina , Berlin .
34 - Schoeps , H . J . ( Hrsg . ) 1973 : Zionismus .
35 - Sternau , R . 1923 b : Palaestina und seine Bevoelkerung , in : Holdheim ( Hrsg . ) .
36 - Tartakower , A . 1923 a : Die juedische Arbeiterbewegung in Palaestina , in : Holdheim ( Hrsg . ) .
37 - Tartakower , A . 1923 b : Die Landarbeiterfrage , in : JR , 30 / 11 / 1923 .
38 Taut , J . ; Warschawsky , M . 1982 : Aufstieg und Niedergang des Zionismus ,Frankfurt / M .
39 - Weinstock , N . 1975 : Das Ende Israel , Berlin .
--------------------------------------------------------------------------------
[1] ـ Cahnmann , W . 1958 , P . 158
[2] ـ Granovsky , A . 1929 P.8
[3] ـ Granovsky , A . 1938 , P 11
[4] ـ Borochov , B . 1932 , P . 67
[5] ـ Gordon, A . D . 1929 , P . 60
[6] ـ Gordon, A . D . 1929 , P . 60
[7] ـ Ruppin , A . 1937 . P . 32 & Weinstock , N . 1975 , P . 84
[8] ـ Herzl , T .1922 . P . 98
[9] ـ Nawratzki , C . 1919 . P . 47
[10] ـ Ruppin , A . 1919 . P . 93 , 128
[11] ـ Brik , N . 1991 , P . 134
[12] ـ Rubaschow , S .1921 / 22 , P . 219
[13] ـ Schoeps , H . J , 1973 , P . 33
[14] ـ Diner , D . 1980 , P . 88
[15] ـ Herzel , T . 1896 , P . 21
[16] ـ Herzl , T . 1896 , P . 29
[17] ـ Zionistische Schriften , Koeln / Leipzig . 1909 , P . 176
[18] ـ Auerbach , E / 1912 , P . 39 & Beilinson , M ,1937. P . 148 ) ( Loewenstein , F . 1927 , P . 39
[19] ـ ِAuerbach , E . 1919 ,P . 39
[20] ـ . Granovsky , A . 1938 , P . 15
[21] ـ Sternau , R . 1923 b , P . 339
[22] ـ Boehm , A . 1920 / 21, P .157 &, S . 1919 , P . 55 Bernstein
[23] ـ Buber , M . 1917/18 , P .634
[24] ـ Ruppin , A . 1919 , P . 136 & Krupnik , Ch . A . 1919 , P . 635
[25] ـ Holdheim , G . 1924 , P .495
[26] ـ Auerbach , E . 1912 , P. 45
[27] ـKlausner , J . 1922 , P 37
[28] ـ Castel , J . h . 1920 / 21 , P . 415
[29] ـ Auerbach , E : in .Juedisches Journal ( JR ) . 13 / 6 / 1919 , P. 331
[30] ـ Taut , J . Warschawsky , M . 1982 , P . 77
[31] ـ Juedisches journal , 18 .8 .1922 , No . 65 in Chadera in: Der Arbeitskonflikt
[32] ـ Tartakowes , A . 1923 b , P . 581
[33] ـ Ruppin ,A .1919 , P . 264
[34] ـ Ruppin ,A .1919 , P . 264
[35] ـ Taut , J . & Warschawsky , M . 1982 . P . 72
[36] ـ Oz ,A . 1984 , P . 34
[37] ـ Granovsky , A . 1929 , P . 58 وقارن Granovsky , A . 1927 , P . 246
[38] ـ Sternberg , F . 1918 / 19 , P . 160
[39] ـ عن جريدة دافار الإسرائيلية . 29 \9 \ 1967
[40] ـ جابوتنسكي في مقاله " جابوتنسكي حول الدولة اليهودية " الجورنال اليهودي 29 .6 . 1926 .P.698 ( JR )
[41] ـ إن عقد الشراء اليهودي للأرض ـ وخاصة من الملاكين الكبار ـ كان يتضمن طرد العمال والفلاحين من الأرض
[42] ـ Landauer , G . 1921 , P . 322

نشر هذا البحث سابقاً في مجلة قضايا إسرائيلية، التي يصدرها المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية- مدار، العدد 8 خريف 2002. نلفت نظر القارئ الكريم أنه وقعت في النسخة المنشورة آنذاك أخطاء مطبعية أدت إلى تغيير بعض الأرقام والمعطيات فيجب أخذ المعلومات الموجودة هنا على أنها الصحيحة.

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات