بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> قضايا فكرية >>
العرب الدروز والحركة الوطنية الفلسطينية حتى الـ 48
  06/02/2007

العرب الدروز والحركة الوطنية الفلسطينية حتى الـ48

بقلم : المحامي سعيد نفاع

نظرا لاهمية هذه الدراسة، ودورها في إزالة اللبس والالتباس حول الطائفة العربية المعروفية في مناطق ال48 من فلسطين التاريخية، ننشر فيما يلي الحلقة الاولى من دراسة قيد الاعداد، يكتبها رئيس ميثاق حركة المعروفيين الاحرار في مناطق ال48، المحامي سعيد نفاع والتي تسعى الى رفض التجنيد الاجباري المفروض على ابناء الطائفة المعروفية في "اسرائيل"

(الحلقة الاولى)

المقدمة
قليلة هي الشعوب في عالمنا التي تصارع على مجرد وجودها، فحياة الشعوب لا تخلو لحظة من الصراعات منها من يصارع على نيل حريته واستقلاله، ومنها من همه مستوى حياته ورقيّها، ومنها من يرفع عدوانا على حقوقه من أغراب أو من حكام. لكن الشعب الفلسطيني يخوض على مدى قرن ونيف من حياته صراع وجود شرسا أمام أعتى الأعداء، فهذا هو الجانب المستهدف من حياته، حتى يصير الصراع على حقوقه، المفروغ منها، نوعا من " الترف"، أمام صراعه على مجرد الوجود.
لم يبخل الشعب الفلسطيني بالتضحيات في معركته على وجوده وبكل شرائحه الطائفية وتركيبته الاجتماعية، فالكل كان مستهدفا حتى أولاء الذين تساوقوا مع الصهيونية بيعا للأراضي وسمسرة عليها وتعاونا وتجسسا لم يسلم وجودهم لاحقا. ففي كل شعب هناك ضعاف النفوس وعديمو القيم الذين، مقابل مصالحهم الرخيصة قياسا، يبيعون ليس فقط شعوبهم بل وحتى ذويهم المقربين. أولاء لم يكن المشترك بينهم انتماء لشريحة طائفية معينة أو لطبقة اجتماعية معينة، ألمشترك بينهم مصالحهم الرخيصة المادية ماليا أو حمائليا، وعاهاتهم النفسيّة.
ألعادة والمفروض أن لا يكتب عن دور شريحة من شرائح الشعب أي شعب في مسيرته النضالية، إنما الكتابة عن الشعب بأكمله فمصيبته واحدة ونضاله واحد. لكن للضرورة أحيانا أحكام يحتمها ظرف موضوعي يقتضي الخروج عن القاعدة ، ومثل هذا الظرف حاصل في سياقنا بما يخص العرب الفلسطينيين الدروز كفصيل فاعل من فصائل الشعب الفلسطيني وجزء لا يتجزأ منه على قلة نسبتهم العددية من بين أبنائه .
تركيبة أمتنا العربية الطائفية والمذهبية والعشائرية- الحمائلية كانت على مر الأجيال بابا مشرعا لأعدائها يلجون منه إلى البيت الواحد فيعيثون فيه فسادا ودائما بمساعدة بعض أهل البيت.
فأين كان العرب الدروز بشتى أماكن تواجدهم من أهل البيت الفلسطيني في محنته؟
هذا السؤال جد ملحّ على ضوء المؤامرة التي راح ضحيتها الدروز الفلسطينيين بعد النكبة ، بإخراجهم سنة 1956 من دائرة "مواطني" دولة إسرائيل المعفيين من الخدمة الإجبارية السارية المفعول قانونا على كل عرب ال-48، بعد أن كانوا معفيين منها بقرار حكومي أسوة بكل فلسطينيي البقاء بعد النكبة.
إبطال الإعفاء هذا لم يكن ليحصل لولا ثلاثة "ولاءات" اعتمدتها، مكرهة في معظم الأحايين مختارة في البعض، الأقلية الفلسطينية بعد قيام دولة إسرائيل بواسطة من تبقى من "قياداتها" أو من قُودوا عليها على يد الدولة .
ألولاء الأول\ ولاء اللا حول ولا قوة :
ألغالبية العظمى من فلسطينيي البقاء التي كانت تعاني من كل المرارات التي خلقها الله، والت السلطة الجديدة ولاء الذي لاحول له ولا قوة، بعدما انتكبت النكبة الكبرى متروكة من ذوي
القربى لمصير مجهول. فعاشت مرارة فقدان الأعزاء إما قتلا أو تشريدا ومرارة صراع البقاء، لم يكن بمقدورها ولا تستطيع أن تكون في مثل هذا الظرف غير الطبيعي قادرة أن تفشل، أو تساعد
على إفشال مثل هذه المؤامرة التي طالت جزءا هاما من جسدها وبالتالي كل الجسد ليبقى الجسد داميا يلوك جراحه التي انفتحت وما اندملت حتى اليوم، فالمستهدف الحقيقي من هكذا مؤامرة هو كل الجسد.
ألولاء الثاني \ ولاء المقوّدين:

"القيادات" التي بقيت أو خُلقت بمعظمها ومن كل الطوائف وبالذات تلك التي مدت يدها لأعداء شعبها قبل النكبة وبعدها، أعطت ولاءها للسلطة الجديدة بمحض إرادتها فلم تكن معنية بوقف المؤامرة لا بل كانت شريكة فيها، ولم تشذ عنها تلك من بين الدروز. ولو قيض لها لجندت كل العرب وكان هذا أقصى ما تتمناه، والممانعة جاءت من السلطة ليس منها.
القيادات المخلصة التي تبقت، إما صمتت مكرهة أو لم تستطع فعل شيء. أما أولاء الذين تصدوا وهم القلة حاولوا قدر استطاعتهم، ولمّا لقوا الدعم الواسع من ناسهم ضربوا بالحديد والنار بكل ما تعنيه الكلمة من معنى إلى أن بلغ الأمر أن هُددوا بالتصفية الجسدية إن هم تمادوا في التصدي، وظلوا يدفعون الثمن الغالي كل حياتهم وما زال يدفعه السائرون على دربهم ملاحقة وسجنا وتضييق سبل العيش.
ألولاء الثالث\ الولاء المؤدلج:
أصحابه من القوى السياسية (اليهودية- العربية) المعارضة للسياسة التي اتبعتها الدولة الجديدة تجاه عرب البقاء، والتي سمحت لها قوانين إسرائيل بالتنظيم حينها، مشاركة في الحياة السياسية الإنتخابية الإسرائيلية. ومن منطلق مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها، وحيث أن الشعب اليهودي حقق هذا الحق وأقام دولته التي يستحقها حتى لو امتدت على أكثر من الحصة(!) التي خصته بها الأمم المتحدة. وحيث أن الشعب الفلسطيني لم يحقق هذا الحق فيجب النضال المشترك اليهودي العربي لمساعدته على تحصيل حقه في تقرير المصير في دولة، لجانب إسرائيل.
أما فلسطينييو البقاء، ومن منطلق أخوة الشعوب، فلا ضير عليهم إن "تأسرلوا" فالصراع هو طبقي وبإمكان الأخوة اليهودية العربية أن تضمن لهم الحياة الكريمة في ظل الدولة نتاج حق تقرير المصير للشعب اليهودي، وضمن ذلك المساواة في الحقوق وفي الواجبات وفي سياقنا تأدية الخدمة الإجبارية. إلى درجة أن رأت أن عدم استدعاء الشباب والشابات العرب للخدمة العسكرية الإلزامية هو مساس في حقوقهم القومية وتمييز ضدهم.(1)
لذلك لم تر بأسا في إخراج الدروز من دائرة الإعفاء من الخدمة العسكرية التي كانت شملت كل العرب، ومعهم أقلية أخرى هي الشركس سنة 1956. فلم يجد المناوؤون للمخطط من بين الدروز أية قوة سياسية لها حق العمل السياسي أن تدعمهم في نضالهم ضد فرض الخدمة العسكرية القسرية على العرب الدروز.
هذا الموقف والذي على ما يبدو كان بتأثير التركيبة اليهودية الغالبة لهذه القوى بعد ال-48، تغير لاحقا تماما وبالذات بعد الانقسام في صفوفها سنة 1965. ونما في صفوف القوة التي انشقت مؤلفة القائمة الشيوعية الجديدة "راكاح"، مناضلون كبار ضد استمرار هذه المؤامرة والمطالبة بإلغاء التجنيد الإجباري عن الشباب العرب الدروز وجعله اختياريا. فالشباب العرب الدروز الذين أطلقوا الصرخة مجددا في هذه السنة\1965 ببيان تحت إسم "الشباب الدروز الأحرار"
كانوا أعضاء أو مؤيدين للحزب في حلته الجديدة، ولاحقا كانوا من مؤسسي "لجنة المبادرة الدرزية" وبدعم من الحزب الشيوعي\ راكح،(2) ومن مؤسسي "ميثاق المعروفيين الأحرار".
ألمؤامرة نفذت ولم يجد الدروز الفلسطينيون المناهضون لها ظهيرا لهم، لا في أبناء شعبهم ولا في "قياداته" ولا في قوة سياسية فاعلة. خصوصا وأن قلة من "وجهائهم" ذات نفوذ دعمته الدولة الحديثة المنتصرة بكل وسائل القوة، ساهمت في المؤامرة، والكثرة من الوجهاء صمتت خوفا
ولاحقا انجرّت. ما عدا ثلة غير قليله، مدعومة شعبيا في المراحل الأولى، نقشت على راياتها استمرار التصدي، مع فرص نجاح ضئيلة بغياب أي ظهير. إلا أنهم حافظوا على الجذوة متقدة صارت نارا عالية اللهب في العقدين الأخيرين.
هذا هو الوضع الذي تمت فيه المؤامرة، وعلى ضوئه من التجني أن تتهم الضحية بما حل بها مثلما هو حاصل اليوم. فالدعاية أن الدروز هم من طالبوا بالتجنيد والتحقوا به راضين، مصدرها السياسة الصهيونية وأزلامها من جهة والمغرضون من بقية أبناء شعبنا من الجهة الأخرى. ومن حيث لا تدري راحت الغالبية من أبناء شعبنا ضحية هذه الأكذوبة التاريخية وصدقتها وتصرفت تجاه العرب الدروز في الكثير من الأحيان بناء عليها.
طبيعي أن تخلق هذه الحقيقة تساؤلات كثيرة صحيحة لدى بقية أبناء الشعب العربي الفلسطيني والعرب بشكل عام، ركب عليها الراكبون ونسج النسّاجون ما طاب لهم، حتى ليخيل أحيانا أنه لولا هذه القلة التي لم يتجاوز عددها عام 1948 ال-14000 نفس لما صارت النكبة عام 1948 والنكسة عام 1967 والكبوة عام 1973.
صحيح أن بعض المجندين الدروز ارتكبوا تصرفات قذرة في حق أبناء الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة ممثلين الزي الذي يلبسون، فكانوا ملكيين أكثر من الملك في ممارسات الجيش الإسرائيلي العنصرية ضد الشعب العربي الفلسطيني، لكن بين هذا وبين أن يصير الدروز أساس كل علة ولولاهم لما قامت دولة إسرائيل ولما صمدت، ألبون شاسع!
ألكتاب\ الدراسة هذا لا يجيء من مؤرخ، فلست أنا كهذا، إنما من متتبع رأى نفسه منذ نشأته ابنا أولا وقبل كل شيء للشعب الفلسطيني، وكان دائما ومنذ نشأته في الصفوف الأولى في فصائل الحركة الوطنية الفلسطينية في الداخل بكل مركباتها، محاولا مداواة جراحها ومنها هذا الجرح الدامي في جسدها، الخطر على كل الجسد، خصوصا وأن الناقبين فيه كلما قارب أن يلتئم جزء منه، كثيرون.
ألكتاب\ الدراسة هذا عمل يجيء ليخرج من بواطن الكتب التاريخية، الحقيقة عن دور الدروز في الحركة الوطنية الفلسطينية حتى النكبة. ولا يجيء من باب رد إدانة إنما دحض تهم جماعية، فليس الدروز مدانين لمجرد كونهم كذلك وعليهم، على عكس المتعارف، إثبات البراءة خصوصا أمام أولاء النسّاجين لأغراض في نفس يعقوب.
وكذلك يجيء من باب إشهار الحقيقة التاريخية دواء لهذا الجرح النازف في جسدنا، والممكن شفاؤه إن تضافرت الجهود ومن كل أعضاء الجسد، لا قطعه. فقطعه مشوه للجسد كله وليس الجسد المقطوع الجزء كالجسد الكامل، خصوصا وهذا الجزء المصاب لم تبلغ إصابتة حد الخطر على كل الجسد إلا إذا تخلى عنه الجسد ورضي أن يكون مشوها ونحن بأمس الحاجة له سليما معافى فالرحلة طويلة ممضّة.
الفصل الأول
الدروز لمحة تاريخية

ما من شك أن الاجتهادات الفقهية في المذهب الإسلامي التوحيدي ( الدرزي) راديكالية في بعض جوانبها، والتخوف من إظهارها إلا على المعتنقين القادرين من أتباع المذهب، كان وراء الحفاظ عليها سرية خوفا من الملاحقة. هذه السريّة كانت وما زالت سبب ووراء كثرة الاجتهادات حول هذه الجماعة والتي ساهمت كثيرا في خلق البلبلة حولهم وحول معتقداتهم، وبالذات حول انتمائهم دينيا وحتى عرقيا. وقد ساهم الكثيرون منهم ممن كتبوا عن أحوالهم في زيادة هذه البلبلة بإتباعهم "التقيّة" طريقا في أحسن الأحوال.
التقيّة: من اتقاء وهو مبدأ يعني: "الاستتار بالمألوف عند أهله اتقاء للأذيّة".
سنة 765 م. الموافقة لسنة 148 ه. توفي سادس الأئمة الإمام جعفر الصادق بن الإمام محمد الباقر بن الإمام علي زين العابدين بن الإمام الحسين أخ الإمام الحسن أبناء الإمام علي بن أبي طالب (ر). بعد وفاة الإمام جعفر الصادق انقسم أنصار آل البيت وهم الشيعة العلوية إلى قسمين: القسم الأول قال بإمامة إسماعيل الابن الأكبر بينما نادى القسم الثاني بإمامة ابنه موسى . فأطلق على شيعة إسماعيل الإسماعيليين.
من سلالته القائم بأمر الله الفاطمي أول الخلفاء الفاطميين بالمغرب. انشق الدروز عن الاسماعيليين في مصر في أيام الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله حفيد الخليفة القائم حفيد الإمام إسماعيل بن الإمام جعفر الصادق.(1)
هنا ظهر مذهب التوحيد سنة 1012 م. الموافقة 403 ه. وانتشر في المناطق السورية بين الاسماعيليين المعتقدين بإمامة الفاطميين، ولكن الاختلاف في نواح هامة جزأهما. فاعتنقت هذا المذهب قبائل تغلب وربيعة وعلي وشمر وغيرها من القبائل التي كانت معوانا لأمير حلب سيف الدولة الحمداني في حربه على الروم. والكثير من قبائل تميم وأسد وعقيل و"معروف" ودارم وطي، وفي الكوفة قبيلة المنتفك التي يرجع أصلها إلى قيس عيلان، ومن بعض هذه القبائل أطلق عليهم لقب بنو معروف وبنو قيس. إضافة إلى قبيلة كتامة التي كونت النواة الصلبة لجيش الدولة الفاطمية حين قدومها إلى مصر بقيادة جوهر الصقلي باني القاهرة.
في سنة 420 ه. الموافقة 1029 م. تولى الأمير رافع بن أبي الليل وعشيرته طي المعتنقون مذهب الدولة الفاطمية إمارة عرب الشام إثر انتصاره في معركة "الأقحوانة" القريبة من طبرية في فلسطين، إلى أن انقلبت الآية فهزم مما اضطر أتباعه من قبيلته والقبائل أعلاه العودة عن
المذهب إلى مذهب السنة، ومنهم من حافظ على مذهبه بالكتمان، ومنهم من لجأ إلى الجبال الخالية في لبنان ووادي التيم والجليل. فأطلق على دروز جبل لبنان آل عبدالله وعلى دروز وادي التيم آل سليمان وعلى دروز صفد آل تراب. (2)
غني عن القول أن الاسم الحقيقي للدروز هو "الموحدون"، وما هذا الاسم الشائع إلا نكاية من خصومهم بتكنيتهم على اسم أحد دعاة المذهب الذي ارتد لاحقا "نشتكين الدَرزي".
الدكتور نبيه القاسم في كتابه واقع الدروز في إسرائيل يقتبس مقابلة صحفية مع الشيخ محمد أبو شقرا شيخ عقل الموحدين الدروز حينها. ومما جاء فيها:
"نورد هنا نص فقرة من تصريح فضيلة شيخ الإسلام الأكبر شيخ الجامع الأزهر المغفور له الشيخ محمود شلتوت الذي نشر على لسانه في 1\آب\1959
لقد أرسلنا من الأزهر بعض العلماء كي يتعرفوا أكثر على المذهب الدرزي وجاءت التقارير الأولى تبشر بالخير. فالدروز موحدون مسلمون مؤمنون"
ويضيف أبو شقرا:
"ألموحدون الدروز مذهب خاص من المذاهب الإسلامية المتعددة وهو كجميع المذاهب الأخرى وليد اجتهادات فقهية وفلسفية في أصول الإسلام. والمتتبع لتاريخ مذهب الموحدين يرى أنه يمثل مدرسة فكرية خاصة من مدارس الفكر الإسلامي"(3)
تقول الدكتورة نجلاء أبو عز الدين:
"إن الدروز جروا على كتمان مذهبهم عمن سواهم. وللتقية دور في هذا التستر. فالتقية هي ستر المذهب إذا تعرض الفرد أو الجماعة للخطر بسبب المعتقد. وقد أذن القرآن بالتقية في ظروف خاصة (القرآن الكريم 16\106 سورة النّحل: من كفر بالله بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان) وفي الحديث: الأعمال بالنيات. أما الشيعة فقد جعلوا التقية واجبا في سبيل مصلحة الجماعة. وإلى جانب التقية هناك سبب للكتمان أكثر أهمية وهو الحفاظ على العقيدة كي لا تصل إلى الذين لو يتهيأوا لقبولها، فيسيؤوا تفسيرها ويشوهوا حقيقتها ويختلط عليهم ما يعتقدونه"(4)
المثبت تاريخيا ، بالقدر الذي يؤخذ التاريخ إثباتا ، والمجمع عليه، إلا من قلة لا تكتب تاريخا إنما مراض لحكام أو مراض لأمراض التبعية التي تعاني منها، المثبت والمجمع عليه أن الدروز عرب عرقا، شيعة إسماعيليون إسلاميون أصلا مذهبا. أما حاضرا فهم أقرب إلى السنّة فلاحقا انقسموا عن الاسماعيليين ومالوا إلى السنّة، فاليوم هم بين السنّة والشيعة متأثرين في اجتهاداتهم كذلك بالفلسفة الأغريقية والشرق أسيوية والمصرية والديانات السماوية الأخرى، لكن الأساس هو القرآن الكريم بتفسير باطني للكثير من آياته.
نجد في الأدبيات التوحيدية على سبيل المثال ما يلي:
"فاعملوا بالظاهر ما دام نفعه مستمرا وحكمه مستقرا، واطلبوا الباطن ما دام مشارا إلى مستوره الخفي، والعمل بها مقبول، والثواب مأمول"
وفي أدبيّة تخاطب المناهضين للدعوة التوحيدية، نجد:
"أفتناسيتم، أيها الغَفلة، من فصول دعائم الإسلام، ما أُمرتم بحفظه والحضّ عليه، أن القرآن مثل لخاتم الأئمة..."
كذلك نجد في أخرى في توبيخ داعية مرتد:
"وأما ما طعنت به سيّد الرسل والأمة، في ذكر أبي لهب عمّه، فما بخس الله، جلّت آلاؤه، بالأنبياء الظاهرين للبشر بمن ارتدّ عن طاعتهم من أهلهم وكفر..وإنما حداك على ما أجريت إليه، يا قليل العلم، شيئان: أحدهما أن تجعل مدخلا للطعن على دين الإسلام، وسببا لنقض الأنبياء الكرام، والآخر ركاكة عقلك وغلظ فهمك عمّا يتعقّب عليك من المعائب في هذا المقال. وفي إحدى هذه الجرائم ما يوجب قطع بنانك وجد لسانك وهدم أركانك.."
وفي أخرى توجيها لأحد دعاتهم نجد:
"واجمع شمل الموحدين، وكن لهم في نفاسهم وأعراسهم وجنائزهم على السّنّة."(5)
تقول الدكتورة نجلاء أبو عز الدين:

"إن العقيدة الفاطمية- الإسماعيلية مفعمة بالفلسفة الأفلاطونية الحديثة. فالنظريات الفلسفية اليونانية وغيرها من الأفكار المقتبسة من مصادر خارجية أدمجت بفضل التفسير الفاطمي للقرآن في العقائد الإسلامية كما طورها الإسماعيليون الذين قالوا أن للقرآن معنى ظاهرا ومعنى باطنا، وإن التأويل يوصل إلى المعنى الحقيقي للنص. وتفسير المعنى الحقيقي الكامن وراء الظاهر أمانة أوكلت إلى الإمام والراسخين في العلم"(6)
يقول كمال جنبلاط:
"إن أساس عقيدتهم قائم على طلب الحكمة فليس سوى الطالبين بمستطيعين قراءة الكتب المقدسة التي تسمى "الحكمة"، إنها امتداد للمدارس الهرمسية اليونانية أو المصرية- مدارس السنّة الباطنية- التي انتقلت إلى التصوف الإسلامي... يبقى بعد ذلك أن الدرزية الحقيقية هي الحكمة العرفانية في اليونان ومصر وفارس والإسلام في آن معا"(7)
المتتبع للمذهب التوحيدي (الدرزي) يرى أن الأدبيات الفقهية الدرزية المجموعة في ستة كتب لديهم أسموها " الحكمة" تحتوي اجتهادات فقهية متميزة في سيرة الخلق ومراحله ومتميزة في معتقدات أخرى وفي لبها عقيدة تقمص الأرواح. ومن هنا، من الاختلاف الراديكالي عن بقية المذاهب في قضايا كالمذكورة حافظوا على سريّة اجتهاداتهم خوفا من الملاحقة التي ميزت وما زالت تميز المجتمعات التي لا تتحمل حرية المعتقد، خصوصا إذا كان في المعتقد ما يناقض، يخالف أو يجتهد في المعتقد السائد
..

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات