بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> قضايا فكرية >>
القومية العربية و الجدار
  29/04/2008

القومية العربية و الجدار

لو كان لروّاد الفكر القومي العربي أن ينهضوا من رقادهم ويبصروا الى أين آلت مبادئهم المثالية لأنكروا ما كتبوه وناضلوا في سبيله طوال عقود. وان كان قسطنطين زريق أدرك في آخر حياته إخفاق هذه المبادئ حيال الواقع العربي المعاصر ولجأ الى النقد الذاتي والمراجعة، فالفكر القومي العربي يحتاج فعلاً الى قراءة نقدية جريئة وشاملة، لا سيما في هذه المرحلة من الاضطراب السياسي والفكري.
هذا الفكر القومي عاد الى الواجهة قبل أيام خلال ندوة عقدت في دمشق في سياق الاحتفال بها عاصمةً ثقافية عربية للسنة 2008، وكان عنوانها لافتاً جداً وهو «تجديد الفكر القومي والمصير العربي» ورعتها الكاتبة نجاح العطار نائب رئيس الجمهورية السورية ووزيرة الثقافة سابقاً لأعوام طوال والمناضلة العريقة في صفوف حزب البعث، وشارك في الندوة جمع من الأسماء العربية المعروفة. أما عناوين الجلسات فبدت لافتة بدورها و «صاخبة» وأقرب الى «الشعارات» التي طالما رفعتها مؤتمرات وندوات سابقة: تجديد الفكر القومي والوحدة، الهوية، القطر والطريق الى الدولة، الأمة... وقد يسأل سائل: هل بقي ما لم يُقل في هذه المصطلحات والقضايا؟ ألا تحفل المكتبة العربية بما لا يحصى من الكتب في هذا الشأن؟ ألم يكن حرياً بمن نظموا الندوة وشاركوا فيها أن يختاروا عنواناً آخر هو على سبيل المثل «نقد الفكر القومي في نزعته الطوباوية»؟ على أن النقد هنا لن يعني مطلقاً نقض هذا الفكر وهدمه مقدار ما يعني الوقوف على الأخطاء التي وقع فيها وعلى اصطدامه بالواقع وخيانة السياسة له و «عسكرته»... هذا الفكر يحتاج أيضاً الى أن يُقرأ نقدياً على ضوء المفاهيم المابعد – حداثية التي باتت مستشرية في العصر الراهن كالعولمة والثورة الرقمية والسوق والقرية الكونية...
كم كانوا مثاليين حقاً روّاد الفكر القومي: ساطع الحصري، زكي الارسوزي، ميشال عفلق، قسطنطين زريق وسواهم. تمكن هؤلاء فعلاً من ترسيخ الأسس النظرية للقومية العربية على رغم الاختلاف الفكري الذي قام وما برح قائماً حول مفهوم القومية عالمياً. فهذا المصطلح لا يزال يثير الكثير من السجال والنقاش نظراً الى التباسه والى انحرافه في أحيان والتحولات التي طرأت عليه تاريخياً. وما زال «الشعور القومي» فكرة غامضة لا يمكن حصرها داخل معايير ثابتة. وكم كان هذا «الشعور» حافزاً على التعصّب القومي والشوفينية والانغلاق على خلاف الجوهر الذي أسبغه عليه بعض المفكرين والفلاسفة. لكن روّادنا العرب في هذا الحقل كانوا مثاليين في ما أقدموا عليه، وبلغت مثاليتهم شأواً حتى أنهم ابتعدوا عن الواقع الذي سعوا الى تغييره. ومَن يعد الآن الى مبادئهم يدرك حجم هذه المثالية التي لم تلبث ان اصطدمت بجدار الواقع السلبي الذي هيمن على العالم العربي أو «الوطن» العربي بحسب بعضهم. وهذا الواقع السلبي عممته السياسة مثلما عمّمه الفكر العسكري والنزعات الإقليمية وسواها. تكفي مثلاً استعادة بعض مقولات ميشال عفلق التي حملها كتابه الشهير «في سبيل البعث» لتبين بجلاء الحال الطوباوية أو «الاوتوبية» التي غرق فيها فكره. ماذا باتت تعني اليوم «الفكرة العربية» التي جعلها في صميم «البعث» واصفاً اياها بـ «الخير الكامن في الأعماق» و «يقظة الروح» و «النزعة الى الحق» والحرية والتقدم؟ هل ما زالت هذه الفكرة كما يعبّر ميشال عفلق «بمثابة الروح العربية المستيقظة»؟ لقد تألم ميشال عفلق كثيراً، حتماً تألم، عندما شاهد بعينه العسكر ينقضون على فكره البعثي! وقد هاله فعلاً أن يكون صدام حسين نموذجاً لـ «البطل» البعثي والقومي المزمع مجيئه. هذا البطل الذي تغنى به كثيراً الشعراء القوميون منذ المقلب الثاني لعصر النهضة حتى مطلع الحداثة. وكان آخر هؤلاء خليل حاوي صاحب «نهر الرماد»، الشاعر المثالي بامتياز الذي لم يحتمل مشهد «سقوط» القومية العربية على عتبة بيروت إبان الاجتياح الإسرائيلي فأطلق النار على نفسه منتحراً كالأبطال الإغريقيين. وإذا كان المفكر زكي الأرسوزي رأى في اللغة العربية «أبلغ مظهر لتجلّي عبقرية الأمة» معتبراً أن «للعرب فلسفة كاملة قائمة في قلب اللغة العربية» فالسؤال الذي يطرح بإلحاح: أين أصبحت لغتنا العربية الآن؟ لغتنا التي تجتاحها الرياح من كلّ صوب ألا تحتاج الى مَن يعيد اليها وهجها العالمي وقوّتها بعدما ابتعد عنها الكثير من أهلها وكاد الكثيرون من هؤلاء أن يجهلوها؟
لو قدّر لرواد الفكر القومي أن يتابعوا الندوة التي عقدت أخيراً في دمشق، لصرخوا بملء صوتهم: كفى تنظيراً أيها الجيل الأخير من القوميين العرب! انظروا فقط من حولكم واستخلصوا! ألم تكفِ «الضربة» التي سدّدها الينا الواقع العربي السلبي؟


عبده وازن/ الحياة

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات