بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> قضايا فكرية >>
اتحاد من أجل المتوسط.. أم من أجل المصالح الاستعمارية؟!
  15/07/2008

اتحاد من أجل المتوسط.. أم من أجل المصالح الاستعمارية؟!


لم تختف من أذهان الناس بعد كلمات ساركوزي إبان أحداث الضواحي في باريس حين وصف العرب والأفارقة بأنهم «حثالة ...» فكيف إذاً يريد أن يقنعنا بأنه فجأة أصبح الحريص على مصالح هؤلاء «الحثالة» على حد تعبيره العنصري المقزز؟
سؤال يتبادر إلى الأذهان مباشرة اليوم، ونحن نشهد هذا النشاط المحموم للرئيس الفرنسي ساركوزي وهو يسعى لتسويق مشروعه (الاتحاد من أجل المتوسط) أو (الاتحاد المتوسطي). والواضح أن هذا المشروع قد احتاج لفترة زمنية كي يختمر، قبل أن يدعو إليه علانية في حفل تسلمه لمهامه.
وهذا المشروع قد لاقى جدلاً ومعارضة في البداية من قبل بعض الدول الأوروبية وخاصة ألمانيا، ولكن على ما يبدو أن تدخل المايسترو الأمريكي بقوة لتمرير المشروع عدّل الرفض الألماني، وبالفعل أصبح هذا المشروع، مشروعاً أوروبياً بدل أن يبقى فرنسياً فحسب، ومن هنا يصبح القلق من هذا المشروع مشروعاً، لا بل إن رفضه واجباً، فهل كانت الولايات المتحدة الأمريكية يوماً إلى جانب مشروع يصب في مصلحة شعوب دول الجنوب؟
وهل اتفق الاستعمار الغربي يوماً على مصلحة شعوب الجنوب الفقيرة؟
كما أن ساركوزي نفسه الذي حاول وبسرعة أن يسد الفراغ الذي أحدثه خروج توني بلير من الحكم وأصبح بالتالي الرئيس الأوروبي الجديد الملحق بإدارة المحافظين الجدد في الولايات المتحدة الأمريكية، هذا الرئيس الفرنسي نفسه مفعم بالحنين (نوستاليجيا) إلى ماضي فرنسا الاستعماري منذ أيام بونابرت ونابليون الثالث..
وقد جاء هذا المشروع القديم الجديد، ليرمم تهاوي مشروع الشرق أوسطية الذي سقط تحت ضربات قوى المقاومة في فلسطين ولبنان والعراق ومعهم سورية وإيران، وبعد أن تشرشحت سمعة الأمريكان ومشروعهم الإمبريالي ــ الصهيوني وتلوّثت أيديهم بدماء شعوب الدول العربية، وهنا كان لابد من مشروع جديد ولو بالاسم على الأقل، ليمهد لمرحلة جديدة من التآمر الاستعماري على المنطقة، وكانت هذه المرة من البوابة الفرنسية.
وفرنسا وشريكاتها الأوروبيات لهن تاريخ طويل مع المنطقة وفكرة إخضاع دول الضفة الأخرى من المتوسط ليست جديدة عليهن .. وهو تاريخ مليء بالجرائم والنهب والعار، امتد في بعض الأماكن إلى قرن ونصف القرن وما نجم عنه من ملايين الشهداء والمشوهين والضحايا والفقر والتصحر، بالإضافة إلى العاهات التي أحدثتها القنابل الذرية الفرنسية التي استخدمت فيها الجزائر وشعبها كفئران مخابر لتلك التجارب النووية القذرة.
وهنا أيضاً .. وبتكبّر استعماري بغيض رفضت فرنسا الاعتذار عن جرائمها رغم المطالبة الدائمة للشعب الجزائري. كما لابد أن نقرأ في التاريخ لندرك أن الواقع المأساوي لدول الجنوب ليس إلا نتاجاً مباشراً للاحتلالات والانتدابات وعمليات النهب المنظم من قبل الغرب الاستعماري. واليوم وبكل وقاحة يأتون ليفهمونا أنهم يتكرمون على هذه الشعوب بالمساعدات التي ليست إلا فتاتاً يضمن استمرار الهيمنة..
وصدق الرئيس القذافي في موقفه من المشروع الفرنسي حين وصف المشاريع الاقتصادية التي وعدت بها الدول الأوروبية دول الجنوب بأنها «طعم» معتبراً ذلك بأنه يشكل «إهانة» لهذه الدول.
وقال: «نحن لسنا كلاباً لترموا لنا العظام».
وأكد أنه مشروع «استثنائي عابر، مآله الفشل كما حدث لمسار برشلونة».
كما لابد لنا أن ننوه في هذا المجال إلى تحفظ الجزائر على مشاركة إسرائيل في هذا الاتحاد. ويلفت انتباهنا لهاث كل من مصر والمغرب وتونس للتسابق على نيل الزعامة الشكلية لهذا الحلف وقد توازعوا ذلك، فمصر ستكون الرئيس، وأي مستقبل مبشّر لهذا الاتحاد، إذا كانت مصر رئيسته بهذا النظام الذي عنده كل شيء قابل للبيع والانتهاك، والداخل المصري خير دليل على ذلك.
أما المغرب فستكون بالأمانة العامة، أما تونس فستكون دولة المقر، ولعل عقدة النقص الكبيرة تجاه الغرب لدى هذين النظامين يفسر لهاثهما واستماتتهما لتمرير هذا المشروع.
وبعد ذلك يمكننا فك الحجب والتعرف على مآرب مثل هذا المشروع الاستعماري:
1 ــ يضم هذا المشروع الدول المتشاطئة على المتوسط في شمال أفريقيا وشرق المتوسط، والعديد من هذه الدول لديه تاريخ دامٍ مع الولايات المتحدة الأمريكية، ومعارض بدرجات مختلفة للمشاريع الأمريكية والصهيونية، لذلك فإن طرح هذا المشروع كبديل عن «الشرق أوسطية» قد يكون الحل لدوائر الاحتكارات الغربية والصهيونية، وهذه الدول هي سورية ولبنان وفلسطين بمقاومتهما وليبيا والجزائر.
2 ــ وجود إسرائيل كعضو مؤسس في هذا المشروع يؤدي إلى جعلها جزءاً طبيعياً كامل الصلاحية وحر الحركة في مشاريع تخص المنطقة، مما يعني فرض التطبيع وتجاوز كل ماضي وحاضر إسرائيل الإجرامي على الدول العربية وإبقاء الوضع على حاله، أي تطبيع مجاني يتناسى الجرائم المستمرة في فلسطين، ويتناسى الأراضي المحتلة في فلسطين ولبنان وسورية وتناسي القدس وحق العودة .. وحتى دون أن تقوم الدول الأوروبية بالتراجع أو تعديل سياساتها الداعمة كلياً لإسرائيل الصهيونية، والمحاصرة لسورية وغزة، والمصرّة على وصف المقاومة بالإرهاب إن كان في لبنان أو فلسطين أو العراق..

3 ــ يسعى هذا الاتحاد المدعوم أمريكياً وصهيونياً إلى فرض سيطرة الاحتكارات الأوروبية والأمريكية بوجه التمدد الصيني والروسي، وقطع الطريق عليه وخاصة بعد النشاط الصيني المتزايد في أفريقيا ولاسيما في الجزائر والسودان.
4 ــ إبعاد تركيا عن عضوية الاتحاد الأوروبي وتعويضها بدور محوري في اتحاد جديد يجنب دمجها بالجسد الأوروبي ويبقيها بنفس الوقت تحت السيطرة الأمريكية ــ الأوروبية..
5 ــ جعل الدول العربية حزاماً بوليسياً قمعياً ضد هجرة أبناء الجنوب إلى شمال المتوسط.
6 ــ إن إعطاء دور كبير لفرنسا على حساب الدول الأوروبية الأخرى وإطلاق يد ألمانيا بالمقابل في السيطرة على أوروبا الشرقية وتنافس الدولتين في توطيد العلاقة وبنفس الوقت مع الأمريكان يؤدي عملياً إلى تعميق انقسام أوروبا كقطب إمبريالي لابد من إضعافه وإبقائه قلقاً لصالح القطب الإمبريالي الأمريكي.
7 ــ طبعاً يبقى تحرير حركة رساميل الاحتكارات الغربية في الدخول والخروج وحرية الاستثمار بأخفض التكاليف والعوائق على حساب الاقتصاديات الوطنية لدول الجنوب من الأهداف الهامة لمثل هذه المشاريع الاستعمارية، وخاصة في مجال الطاقة، مع العلم أن المياه الإقليمية لدول جنوب وشرق المتوسط غنية بالغاز والبترول، وبالتالي تصبح الشركات الاحتكارية الغربية هي المهيمنة عليها ونفس الأمر بما يخص الثروات السمكية وإقصاء الدور الصيني والروسي وحتى الوطني لتلك الدول عن هذه الكعكة الدسمة.
8 ــ تقوية القطاع الخاص في دول الجنوب وجعلها قاطرة الاستثمارات المشاركة، وهو ما تنص عليه حرفياً الاتفاقية، بالإضافة إلى دعم منظمات المجتمع المدني وتحويلها ورسم سياساتها بمعزل عن المصالح الوطنية، وبالتالي تمييع الصراع الطبقي وإعطاء غطاء سياسي غربي لقمع الحكومات لشعوبها في دول الجنوب، مقابل تفشي ظواهر المجتمع المدني وخاصة في تلك الدول التي تصاعد فيها دور الطبقة العاملة مؤخراً مثل مصر وتونس والمغرب والجزائر.
وبالتالي السماح بقمع هذه القوى ومن ثم الإجهاز على ما أنجز في مجال العمل السياسي ونشاط الأحزاب وتشويه النضال السياسي وتحويله إلى عمل منظمات مجتمع مدني تعنى بتنظيف المتوسط من آثار التلوث الذي سببته مصانع الاحتكارات الإمبريالية .. وتهميش دور الدولة الوطنية وضرب الاستقلال الوطني واستبداله بمخلوق عجيب غريب لا لغة ولا ثقافة متميزة خاصة به..
في الختام لا يمكن لغربال المدنية والحضارة والتعاون الاقتصادي أن يحجب حقيقة وجوهر الطابع الاستعماري لمثل هذا المشروع، وهذا يؤكد ما وصلت إليه اللجنة المركزية لحزبنا الشيوعي في اجتماعها الأخير حيث جاء في البلاغ الختامي:
ترى اللجنة المركزية أن مشروع الاتحاد المتوسطي. الذي طرحه الرئيس الفرنسي وجرى تبنيه بعد إدخال التعديلات عليه من قبل الاتحاد الأوروبي، هو مشروع إمبريالي خطير يهدف إلى زيادة إحكام القبضة على دول جنوب حوض المتوسط، وإلى إدخال إسرائيل الصهيونية كعضو طبيعي في اتحاد يضم بلداناً عربية. إن هذا المشروع أتى مكملاً لمشروع «الشرق الأوسط الكبير الجديد» وهو لا يقل خطورة عنه، فكلا المشروعين، هما مشروعان مشتركان للطغم المالية الغربية والصهيونية العالمية من أجل فرض الهيمنة على العالم العربي. لذا على الأحرار في دنيا العرب أن يرفضوا هذين المشروعين الاستعباديين المتكاملين ويكثفوا نضالهم ضدهما.

 المصدر:أسامة الماغوط/صوت الشعب


 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات