بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> قضايا فكرية >>
مصطلح "الأزمة" في تفكيرنا السياسي
  02/09/2008

مصطلح "الأزمة" في تفكيرنا السياسي



يثير التعامل العربي مع المصطلحات السياسية الكثير من التساؤلات والالتباسات، بسبب أنها غالباً ما تأتي انتقائية وجزئية وسطحية، وهي في كل الأحوال مصطلحات ربما تؤدي غرضاً وظيفياً أو أيديولوجياً.
ومصطلح "الأزمة" هو واحد من المصطلحات التي يجري تداولها بكثرة في الأدبيات السياسية العربية، ولا سيما في الوسائل الاعلامية، خصوصاً التلفزيونية منها؛ إذ أنه يستهوي الصحافيين وأصحاب الرأي والقادة السياسيين. فهذا المصطلح يدل على كل شيء بكلمة واحدة (الأزمة)، من دون أن يوضح أو يعني شيئاً بعينه.
وبطبيعة الحال فإن كل الظواهر والعمليات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، تتضمن بالضرورة أزمة ما، أو نوعاً من إشكالية، بحكم التعقيدات والتناقضات التي تحكم مسارات تطور هذه الظواهر أو العمليات، وبحكم الفاعلين الذين يقفون وراء كل منها، وأيضاً، بحكم أن كل ظاهرة تستثير نوعاً من ممانعة من قوى لا تجد لها مصلحة فيها، كما تستثير نوعاً من النقد أو الرفض من قوى تجد أن لها مصلحة في تجاوز هذه الظاهرة، الى ما بعدها.
منذ تفتحت مداركنا على الأدبيات السياسية تعايشنا مع مصطلح الأزمة، حتى بات ملازماً لنا في كل تعبيراتنا وأنماط تفكيرنا. فثمة أزمة في كل شيء، هكذا ببساطة! الى درجة بات معها التمييز بين أزمة وأزمة أو بين أزمة ومشكلة عارضة، نوعاً من الترف أو الفذلكة الزائدة عن الحاجة! وربما وصل الأمر بنا الى اعتياد التعايش مع الأزمات والتأزمات في أحوالنا، لدرجة أننا بتنا، على الأغلب، نعتبرها سنّة طبيعية من سنن الكون، أو كأنها قدراً "ربانياً" لا راد له!
هكذا سحب مصطلح الأزمة نفسه وبقوة على طريقة تفكيرنا بأوضاعنا. فأوضاعنا المتأزمة من كل النواحي: السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، منذ قرن أو منذ نصف قرن، هي لازمة طبيعية، بدليل أن هناك أزمات في العالم، في أوروبا وفي الصين وكذلك في الولايات المتحدة! والنتيجة المنطقية لهذا "اللامنطق" في التفكير، تفيد بأن أزماتنا، أو التأزم في أحوالنا، يشابه الأزمات الحاصلة في أي بلد من بلاد الله الواسعة. فالأزمة الاقتصادية التي تأخذ بخناقنا، مثلاً، هي شيء عادي بدليل أن ثمة أزمة في ماليزيا أو في الولايات المتحدة، والأزمة عندنا كما عندهم، وكذلك الأمر في المجالات السياسية والاجتماعية. فعندنا ثمة أزمة ديموقراطية، والديموقراطية عندهم تعاني من أزمة. وعندنا أزمات اجتماعية (بواقع التباينات الطبقية والطائفية والاثنية) كما عندهم، وهكذا!
وإذا استعرنا مصطلح الأزمة في مجال الصراع العربي ـ الاسرائيلي سنجد الأعاجيب. فاسرائيل، مثلاً، دولة مأزومة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً؛ ما يوحي وكأنها توشك على الانهيار والأفول، بطريقة أو بأخرى! بالمقابل فثمة مبالغات ومراهنات خارجة عن الحسابات العلمية والواقعية، كمثل الحديث عن الانهيار الذي أحدثته عمليات "القصف الصاروخي" ضد اسرائيل، أو عن هجرة نحو مليون أو نصف مليون يهودي منها الى الخارج، أو عن عدم استقرار النظام السياسي فيها، وهكذا.
المشكلة أن المتحدثين بهذه اللغة، يسبغون نوعاً من التمني والارادوية على تحليلاتهم السياسية، التي ينبغي أن تكون موضوعية وعلمية حتى تؤتى أكلها. فهذه اللغة الخطابية التحريضية تفتقد للعلمية، وأصحابها لم يتمعنوا قليلاً في الاحصاءات والأرقام والمعطيات التي يبنون عليها فرضياتهم الانتقائية المستعجلة. ثم ان هؤلاء، في غمرة حماسهم وانفعالاتهم، يتجاهلون، مثلاً، انعكاسات المواجهة الحامية مع اسرائيل على المجتمع الفلسطيني تحت الاحتلال، وكأن هذا الشعب كتلة صماء، أي يضحي ويصنع البطولات بدون معاناة أو تضحيات!
بداية لا بد من القول بأن من الطبيعي أن يكون لاسرائيل، كأي دولة أخرى، أزماتها وتناقضاتها وإشكالاتها، لأسباب ذاتية وموضوعية، ولكن مشكلة هذه الخطابات أنها غالباً ما ترى الأزمة لدى عدوها، وتفسر تحركاته بالتهرب منها، في حين أنها لا ترى أزماتها أو تناقضاتها أو تهرباتها هي، هذا أولاً؛ وثانياً، فإن هذه الخطابات تحاول أن تسطح مفهوم الأزمة وأن تتعامل معه بشكل انتقائي ووظيفي، وليس وفق رؤية استراتيجية متماسكة؛ وثالثاً، فإن هذه الخطابات تعول على الأزمة لدى العدو، لتأكيد حتميات فشله أو انهياره، أكثر من تعويلها على قدرتها أو على طريقتها في مواجهته؛ ورابعاً، أنها تقيم "مساواة" بين غير "متساوين"، فكما للعدو أزماته فنحن لدينا أزماتنا!
من الناحية السياسية، مثلاً، يجري الحديث عن أزمات سياسية في اسرائيل لمجرد سقوط حكومة، أو لمجرد خروج حزب أو حتى وزير منها، في حين أن الاسرائيليين يرون في ذلك دليلاً على حيوية نظامهم السياسي الديموقراطي التعددي، ودليلاً على حسن إدارتهم لخلافاتهم وتناقضاتهم، وإعطائهم أولوية للحفاظ على سلامة دولتهم وشعبهم. في حين أن الأمر على الجانب العربي يبدو مفتقراً، على الأغلب، للحد المناسب من مقتضيات الديموقراطية وإدارة المصالح الوطنية، كما أنه يفتقر أساساً للشرعية.
وبالنسبة للهجرة من اسرائيل، فهي أمر واقع، يزيد من فعاليته طبيعة تركيبة المجتمع الاسرائيلي وانتمائه للغرب ومشكلات الأمن والهوية في اسرائيل. والصحيح أن ثمة حوالي نصف مليون اسرائيلي خارج اسرائيل لكن هؤلاء لم يخرجوا فقط خلال فترة الانتفاضة فالرقم يتحدث عن الذين نزحوا من اسرائيل خلال خمسين عاماً أي منذ قيامها. كذلك فإن الانتفاضة قلصت أعداد المهاجرين سنوياً الى اسرائيل ولم توقفها، وثمة سبب آخر لهذا التقلص يتمثل بنضوب التجمعات اليهودية الكبيرة في الخارج.
من كل ذلك يمكن التوصل الى عدة استنتاجات، من ضمنها:
أولاً، ان الأزمات هي ظاهرة طبيعية لأية دولة أو في أي مجتمع، والمسألة الأساسية هنا لا تكمن في وجود الأزمة وإنما في كيفية التعامل معها، وفي كيفية تجاوز آثارها السلبية، وربما في كيفية استثمارها في تحفيز الطاقات واستنفار الامكانيات، لتحويل الأزمة من معطى سلبي الى معطى إيجابي.
ثانياً، ان أزمات اسرائيل، غالباً هي أزمات فائض قوة، في مختلف المجالات، بينما هي على الجانب العربي أزمة ضعف وعجز وتفكك، وغياب الارادة اللازمة والادارة الصحيحة؛ لذا ليس من المناسب قياس أزمات العرب بأزمات اسرائيل (ناهيك عن قياسها بأزمات الولايات المتحدة) من مختلف النواحي.
ثالثاً، من الخطأ التعويل على أزمات اسرائيل أو المبالغة بها، في إدارة الصراع معها، فإسرائيل تمتلك الادارة المناسبة للتعاطي مع أزماتها وتحويلها أو تصديرها، أكثر من قدرة العرب على ذلك، في ظل أوضاعهم الحالية، والأفضل للعرب في هذه الحال الالتفات لمعالجة أزماتهم ومشكلاتهم بدلاً من التهرب منها أو وضعها على مشجب الصراع ضد اسرائيل، أو التسلي باعتبار أن اسرائيل أو الولايات المتحدة تمران بأزمة وتعملان على تصديرها إلينا!
المهم ينبغي أن نفكر أكثر في أزماتنا التاريخية نحن، المتمثلة بانسداد مسارات التطور الثقافي والاقتصادي والاجتماعي والسياسي العربي.
المستقبل/ماجد كيالي


 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات