بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> قضايا فكرية >>
الثقافة وتنازع الانتماءات
  16/09/2008

الثقافة وتنازع الانتماءات

ليس هناك من أمة إلا لها ثقافتها، وربما كانت نتاج تاريخ طويل من الوعي والإبداع، وربما كانت هشة تقوم على سفسطات غيبيّة أو مغالطات لقوانين الحياة التي تنهض عليها حركة الشعوب... تبقى العلاقة بين ثقافات الشعوب والأسس التي تقوم عليها هذه العلاقات هي التغيير الأكثر دينامية في خلق التحولات الإيجابية أو السلبية في حياة أي ثقافة.. ويمكننا أن نطلق على تلك العلاقة "التلاقح الثقافي".. وهذا التلاقح أو التفاعل كما يرغب أن يسميه بعضهم، مسألة غاية في الدقة والتحديد والوعي، يتم في احتفالية شرعية.. أي عبر تفاعل ـ لا يقوم على الاغتصاب الثقافي "أو الصراع الثقافي" كما تفعل العولمة ـ يفتح آفاق تطور رحبة أمام حداثة حقيقية، أو بالأحرى أمام تطور ثقافي لا تغادر جذوره تراب الأمة كي لا يتحول التلاقح إلى سفاح تنتج عنه ثقافة غريبة لها ملامح كائن جديد وغريب... ومن المؤسف أن كثيرين يعمدون بوعي أو من غير وعي إلى تحطيم كل جدران الممانعة بدعوى التفاعل، عندها تفقد الخصوصية الثقافية للأمة مناعتها.‏
ثمة أمم كثيرة تلاشت لأنها لم تدرك كيف تمسك بعملية الانفتاح على الثقافات الأخرى، أو لم تحسن خلق جدران الممانعة التي تمرر ما هو مفيد وتمنع ما هو ضار.. لأنها راحت تفقد بوعي أو من غير وعي من مثقفيها وساستها وقادة الرأي فيها خصوصيتها الثقافية التي تحمل ملامح الأمة، فالثقافة تحمل ملامح ونبض وروح ومشاعر وحزن وغضب وأحلام وأفكار وتراث شعوبها، وفي ضوء هذا المفهوم كتب الدكتور طه حسين كتابه "الأدب الجاهلي" إذ ربط بين الشعر الجاهلي والبيئة والناس بحسب تفكيرهم وعبادتهم ونظرتهم إلى الحياة... فشكك ببعض الشعر الجاهلي واعترف ببعضه الآخر، إنها الخصوصية الثقافية للعرب، وهذه الخصوصية اليوم تمر بوضع صعب ومعقد لم تعرفه من قبل.‏
إن مشروع الغرب الاستعماري، وبخاصة المشروع الأمريكي السياسي يتقاطع مع المشروع الصهيوني بشأن العرب، ولما كانت الثقافة العربية كما يقول شمعون بيريز هي العائق في وجه اعتراف طبيعي بالكيان الصهيوني،ظلت محاولات تخريب الخصوصية الثقافية مستمرة، فهي تقوم على محاولة فرض السيطرة بالقوة العسكرية حيناً وبالمخاتلة السياسية حيناً آخر، وبمحاولات تفكيك التاريخ واستنهاض الأثنية والطائفية والمذهبية في محاولة لطمس الهوية العروبية وتشويهها، فالثقافة العربية ظلت في الماضي وهي اليوم خط الصمود الأخير في صراع وجود أو لا وجود.‏
على الرغم من قوة مناعة الثقافة العربية فإن أمراضاً خطيرة راحت تفتك بها، أنتجها بطريقة أو بأخرى هذا الغرب الاستعماري، ومن أخطرها محاولات الولايات المتحدة وإسرائيل تفكيك الثقافة العربية الحاضنة والجامعة لهذه الأمة، لتنهض من فسوخ الحياة السياسية الجديدة التي تتفيأ ظلال المشروع الأمريكي "الطائفية والمذهبية والقطرية والإثنية".‏
إن وجود انشقاق في التنشئة السياسية، ووجود تنشئة سياسية موازية ومضادة تتعايشان في إطار تقاسم الوجود بين "الظل" و"العلن" هو ما أدى إلى خلط الأوراق وخلق نوع من الاهتزاز وعدم الثقة بين النخب الثقافية والنخب السياسية والاجتماعية والدينية، وإلى خلق حالة من المواجهة بين كل مجموعة ومجموعة وبين الأنظمة نحصد نتائجها اليوم، إضافة إلى الغزو الثقافي المتعمد، والذي يهدف إلى خلق انزياحات حادة في الوضع الثقافي العربي لأسباب كثيرة سنأتي على ذكرها.‏
في السابق لم تكن في الأقطار العربية ثقافة سياسية على هذا الحد من التناقض والتضاد، وإن وجدت كانت مخبوءة لأنها لم تكن تمتلك شرعية المؤسسات الدينية والسياسية والثقافية في الدولة والمجتمع، كان هناك إجماع في الذهن الثقافي والسياسي والاجتماعي على وحدة الأمة ووحدة الجغرافيا والتاريخ والآمال، ووحدة الصراع مع العدو الصهيوني.‏
في السنوات الأخيرة، برزت في التنئشة السياسية الرسمية ثقافة قطرية، قام كثيرون من دعاتها بمحاولة فصل بين الثقافة القطرية والثقافة العربية "الإطار الحاضن للأمة"، وبدأ نوع من التشكيك بالعروبة والقومية وبالتالي حدث تشكيك بالتاريخ، وغالباً ما صار يجري المرور على مصطلح "الوطن" دون تحديد لمضمونه، ويختلف بين مفهوم "الوطن" الجغرافي المحدود بأرض الدولة، وبين "الوطن القومي" المحدود بجغرافيا "جامعة الدولة العربية" وفي كل الأحوال حدث الارتباك في تحديد المدلول، خصوصاً مع عدم وجود تعاريف وتحديدات مستمرة لهذا المفهوم وهو ما يجعله في كثير من الأحيان مستعصياً على الفهم، أشبه بأيقونة يصعب فهمها من دون تأويل! لكن هذا الغموض يفصح عن مكنونه عندما يختصر الوطن في النظام.‏
في ظل هذه الأوضاع تصبح الثقافة العربية الجامعة مهددة بهذه الفسوخ التي راحت تتحول إلى تشققات حادة وخطيرة، فمنظومة الانتماءات تتركب هرمياً، فالإنسان ينتمي انتماءً مركباً يحكم فيه الانتماء الأعلى الانتماء القبلي، والانتماء الديني يتجاوز الوطني، وهكذا عندما تتعرض منظومة الانتماء للتآكل، فإن التآكل يبدأ في الطبقات العليا، أعني من الانتماءات الكبرى وليس العكس، وكل خسارة لانتماء كبير تعني نزولاً للانتماء الأدنى، اعتماداً على ذلك فإن الانفجار الطائفي الذي نشهده اليوم وبات يشكل ظاهرة معلنة ومسوقة في كثير من وسائل الإعلام، ويقوم عليها مثقفون كان بعضهم ذات يوم تحت مظلات قومية ويسارية وسلفية ويمكن تفسيره باعتباره حصيلة تآكل انتماءات كبرى. والمؤسسات الثقافية في العالم العربي من المدرسة إلى الجامعة تسربت إليها الثقافة القطرية، ونعاني من ضعف في التوجه نحو الثقافة القومية الجامعة أو بالأحرى نحو الثقافة العروبية الحاضنة، ووسائل الإعلام الناطقة بالعربية، ووسائل الإعلام الموجهة إلى العرب من الغرب ومعاهد الأبحاث والدراسات في الغرب الاستعماري راحت تركز على تلك الفسوخ التي نشأت وتحاول تعميقها وتبني عليها مشاريعها التفكيكية لأغراض سياسية تخدمها وتخدم إسرائيل، ففي الغرب مئات مراكز البحوث التي تعنى بالواقع العربي والثقافة العربية لفهم طبيعة هذا الواقع وإنجاح الخطط الاستعمارية بشأنه، ففي الصين اليوم وكوريا الجنوبية وهما الدولتان الأقل اهتماماً بوضع العالم العربي من بين الدول الصاعدة أكثر من أربعين معهداً لهذا الغرض، فكم هو عدد المراكز البحثية في العالم العربي التي تعنى بترسيخ الثقافة العربية وتحويلها إلى مشروع مواجهة وصمود في وجه المشاريع الغربية؟‏
في عام 1920 كتب كاتب يهودي عراقي يدعى "إيلي خدوري" مقالاً يتحدث فيه عن الطوائف والأعراق والمذاهب في العراق ويدعو إلى تفكيكه، ظلت تلك المقالة نائمة إلى ما قبل الحرب على العراق، فقد قام معهد "أمريكان انتر امبرايز" وهو معهد الأبحاث الرئيس الذي يعتمد عليه المحافظون الجدد لرسم منطلقاتهم بدراسة هذا المقال بتوجيه من القادة الصهاينة، وتحول إلى مشروع تتبناه إدارة بوش، وهو ما نراه اليوم قائماً، فيتحول العراق الخزان الثقافي العروبي إلى بحيرة راكدة.‏
إن الرؤية الثقافية العربية في ظل العولمة تحتاج إلى كثير من الدقة والوعي لفهم التحديات التي تواجه العروبة فكراً وثقافة ومكونات بشرية، والحديث عن ثقافة عربية لا يعني قراءة الماضي في ظل اللحظة الحاضرة لتجاوز هذا التشكيك بالعروبة الذي يعمل على إلغاء هوية الإنسان العربي أو لتجاوز الغزو الذي توفره مناخات الاحتلال والنكسات لفصل الإنسان العربي عن خلفيته التاريخية والثقافية، إنما بات من الضروري بناء مشروع عروبي متكامل ثقافياً وحضارياً واقتصادياً، كي لا يستمر هذا التآكل، ولكي لا تنهض تلك الكيانات التي يخطط لها على أسس الطائفة والعرق والمذهب.‏


 سليم عبود

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات