بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> قضايا فكرية >>
د. برهان غليون: النظام العربى فقد مبرر وجوده
  06/10/2008

د. برهان غليون: النظام العربى فقد مبرر وجوده

 فى حديث مطول أجرته معه صحيفة "العرب الأسبوعي" اللندنية وصدرالسبت "27/9/2009"، أكد برهان غليون، المفكر السورى المقيم فى باريس، أن أحداث جورجيا لا تعنى آليا العودة إلى زمن تعدد الأقطاب، كما أن السيطرة الأمريكية على الساحة الدولية، لا تعنى أن العالم يحتكم إلى هيمنة القطب الواحد، بل إلى الفوضى والاضطراب.
وأشار غليون إلى أن السيطرة الأمريكية، رغم ما تتلقاه من صعوبات هنا وهناك، ليس فى الوارد أن تتوقف أو تندثر، عكس ما يبشر به البعض المثقفين والإعلاميين.
غليون، استاذ علم الاجتماع السياسى فى جامعة السوربون الفرنسية الشهيرة، أكد، أيضا، ان اتساع الهوة بين شرائح وطبقات المجتمع العربى تزيد فى تفكك ما تبقى من اللحمة المعطوبة أصلا، غير أنه فى ذات الوقت يحذر من الوصفات الجاهزة والمعلبة، بخاصة من يراهنون على مسكنات خارجية ويطبطبون على الجرح دون أن يستأصلوا مكامن الداء.
ويرى مدير مركز دراسات العالم العربى والشرق المعاصر بباريس أن عنوان محنة العقل العربى تكمن فى التشتت بين التبعية والسلفية، علاوة أن العولمة أصبحت شبحا يهدد بتصاعد البطالة وسببا لاندثار العديد من المهن والحرف، وإعلانا لأمية معلوماتية اشد وقعا على النفس من الأمية الأبجدية.
ويقترح برهان غليون منذ بيان من اجل الديموقراطية "1976" وصولا إلى العرب وتحولات العالم "2003" الرهان على الديموقراطية بوصفها أسلوبا للتفاهم وليس حلا يفضى إلى تفاهم نهائي، من حيث هى فكرة تدير الصراع السياسى بطريقة حضارية، وكونها مقدمة ووسيلة للصراع المتمدن والتوافقات التى تنقذ المجتمعات من براثن الصراع الدامي.
إلى ذلك يدعو المفكر السورى إلى مصالحة بين الأنظمة العربية والمعارضة تحت شعار لا غالب ولا مغلوب لدرء الخطر الأجنبى الواقف على الأبواب، فلا الأولى قادرة على الإجهاز على الثانية ولا الثانية قادرة على أن تلغى الأولى.
كما يرفض أى تفكير يقوم على العزل والقمع والتهميش السياسى من أى جهة كانت، لكنه يطالب من حركات الإسلام السياسى التى تستبد بالرأى العام، معتبرة نفسها البديل المنتظر أن تصحح خطواتها وألا تلغى الحوار العقلانى والتنويري.
وفى سياق متصل، يدعو غليون إلى إعمال النقد الذاتى والوقوف على أسباب الأزمة وتفكيكها برؤية اجتماعية نقدية، يعتبر حاليا من ابرز مؤسسيها وروادها.
وفى سؤال طرحه الدكتور حسن مصدق الذى أجرى هذا الحوار المعمق معه حول المخاوف التى يطرحها العرب من العلاقة بالعولمة قال برهان غليون إن "العولمة "أصبحت" قدرا لأننا لم نسع إلى فهم آلياتها ولا اتخذنا الإجراءات الكفيلة بتعزيز مواقعنا أمام العواصف التى تهب منها. العولمة لا ترفض ولا تدان ولكن تواجه بسياسات واستراتيجيات تثقيل ذاتية، وتجميع للقوى والموارد العربية والإقليمية، لا بإطلاق الحروب والنزاعات وتغذية الأحقاد الدينية والقومية والطائفية والعشائرية".
فى تحليله لراهن العلاقات الدولية فى ظل التجاذبات السائدة بين هيمنة الولايات المتحدة ومحاولة بعض الدول العودة إلى عالم متعدد القطبية، قال غليون إنه وبعكس الاعتقاد الذى ساد غداة انهيار الاتحاد السوفييتى ونهاية الحرب الباردة، لم يخلف زوال نظام القطبية الثنائية نظاما أحادى القطبية تسيطر عليه الولايات المتحدة، ولكن، وضعا مضطربا ومشوشا، سعت واشنطن إلى استغلاله لفرض إرادتها كقوة عظمى وحيدة، والدفع فى اتجاه نظام دولى أحادى القطبى يدور من حولها.
وفى سبيل ذلك بدأت سلسلة الحروب التوسعية فى العراق وفى أفغانستان، وعززت تحالفها مع إسرائيل، وأطلقت يدها فى الشرق الأوسط".
وذهب المفكر السورى إلى ما هو أبعد من ذلك حين قال إن التجربة الامريكية نفسها أثبتت أنه "لا توجد قوة اليوم قادرة على فرض نظام على العالم والتحكم به لوحدها، ولا توجيهه حسب أهدافها. وأن العالم الذى نعيش فيه متعدد الأقطاب فعليا، إذا نظرنا إليه من حيث الديناميكيات العميقة ومستويات القوة العسكرية والسياسية والاقتصادية. لكنها تعددية لا تزال تفتقر إلى الاعتراف والتكريس السياسى والقانوني".
وفى تضاد مع الآراء العربية التى "تبشّر" بسقوط القوة الأمريكية من ريادة العالم، قال استاذ علم الاجتماع السياسى فى جامعة السوربون الفرنسية الشهيرة إن الولايات المتحدة ستظل "هى القوة العظمى الاولى حتى امد منظور، وللقوة مكافأتها الطبيعية.
لكن هذه القوة لن تسمح لها بفرض إرادتها على العالم وقيادته من غير موافقته.
وتكفى مقاومة الدول الكبرى الاخرى السلبية لتحرم واشنطن من إمكانية تحقيق حلمها بقيادة المجموعة الدولية حسب مصالحها واجندتها القومية.
وتوقع غليون أن "ستستمر الفوضى التى نعرفها ما لم تنجح الدول الكبرى والصغرى مجتمعة فى التوصل إلى إعادة بناء العلاقات الدولية على أسس قانونية جدية. بمعنى إما أن يولد نظام عالمى جديد يستلهم قيم الشراكة الدولية التى يحتاج إليها العالم لمواجهة المشاكل والتحديات العالمية المشتركة والمترابطة، أو نسير فى اتجاه نشر أكبر للفوضى وهدر فرص إقامة سلام عالمى قائم على قيم التضامن بين الشعوب من أجل السلام والإزدهار والتنمية الإنسانية".
وفى محور آخر يتعلق بواقع العرب اليون وإمكانية حمايتهم لثقافتهم من خطر الذوبان فى ثقافة العولمة، وهل من مصلحتهم تمثل قيم العولمة من فردية ومنافسة وانفتاح، قال عالم الاجتماع السورى المغترب "لم أعتقد لحظة فى أن هناك تناقضا بين الحفاظ على الهوية وتمثل واستيعاب التجديدات الحضارية والقيم المرتبطة بها، العلمية منها والتقنية والإدارية والسياسية والاقتصادية. فليست الهوية مستودعا للقيم الثابتة، او كما أقول عادة ليست ماهية لا تتغير ولا تتحول، ولكنها إرادة استقلالية وقوة ذاتية. وليس لنا كذات جماعية حظ فى الاحتفاظ باستقلاليتنا وشعورنا بتميزنا وعنايتنا بثقافتنا وارتباطنا بتاريخنا سوى بتمثل القيم الحضارية الإنسانية التى تمكننا وحدها من أن نكون ذاتا فاعلة فى التاريخ وطرفا فى تقرير المصائر العالمية".
ويضيف د.برهان غليون قائلا "باختصار أصبحت العولمة قدرا لأننا لم نسع إلى فهم آلياتها ولا اتخذنا الإجراءات الكفيلة بتعزيز مواقعنا أمام العواصف التى تهب منها.
العولمة لا ترفض ولا تدان ولكن تواجه بسياسات واستراتيجيات تثقيل ذاتية، وتجميع للقوى والموارد العربية والإقليمية، لا بإطلاق الحروب والنزاعات وتغذية الأحقاد الدينية والقومية والطائفية والعشائرية. يقع القسم الأكبر من المسؤولية على نخبنا الحاكمة والتى لا تكاد تهتم بمصير شعوبها ومجتمعاتها ولا تفكر إلا بخدمة مصالحها الخاصة، كما يقع أيضا على المثقفين والناشطين الذين ألهتهم المماحكات والنزاعات الشخصية والبحث عن البهارج والانتصارات الكاذبة عن أخذ الأمور بجدية والعمل على بناء وعى نقدى وموضوعى بموضوعات التحول الدولية الخطيرة التى برزت فى العقود الماضية، وفى مقدمها العولمة عند الرأى العام".
وهناك سؤال منطقى يطرح على هذا المستوى، هل ما زالت ثمة حاجة إلى تنمية عربية مستقلة فى ظل عالم أصبح مرتبطا أقصاه بأدناه، أم أن التنمية فى الحقيقة اليوم تنطلق من مزيد ارتباط الوطنى بالعالمي، وهنا يقول المفكر العربى لقد "أصبحت التنمية بالتاكيد قضية عالمية، من جهة لأن الترابط بين أجزاء العالم على المستوى الاقتصادى "الرساميل، التمويل، الاستثمارات، التقنيات، الخبرات، الأسواق إلخ" لم يعد من الممكن تجاوزه أو التغاضى عنه، ومن جهة ثانية لأن أى بلد لا يستطيع اليوم أن ينعزل بنفسه ويقيم اقتصاده على أسس وقوانين خاصة به، أو مغايرة لتلك السائدة فى عالم اقتصاد السوق الموحد أو شبه الموحد. لكن هذا لا يعنى أن صيغة هذه السوق مثالية أو أنها ليست قابلة للنقاش والتعديل من قبل الدول والمجتمعات".
وفى محور آخر لا يقل أهمية يتعلق بما يطلق عليه اصطلاحا بحوار الحضارات فى مواجهة الدعوة "المقابلة" لصراع الحضارات، وايهما الأقرب إلى النجاح خاصة بعد مخلفات أحداث 11 سبتمبر، قال د. برهان غليون "فى مواجهة رياح الحرب التى هبت من الأطلسى باسم الصراع بين الحضارات، وعلى ضوء تبدل موازين القوى الدولية بعد انهيار الكتلة السوفييتية وتبخر حركات التحرر الوطنية، أطلق بعضنا فى العالم الاسلامى فكرة حوار الحضارات، من جهة كرد على حرب الحضارات، ومن جهة ثانية كوسيلة لتأكيد وجودنا على المستوى الثقافى والدفاع عن هويتنا كما اعتقد الكثيرون، فى وجه السيطرة المتنامية للثقافة الغربية. وليس من قبيل الصدفة أن الغرب تلقف بسرعة هذا الشعار ورحب به، بعد أن رفض منذ عقود ولا يزال يرفض أى مشروع لحوار دولى ولمفاوضات شاملة تشارك فيها جميع التكتلات".
وحول ما إذا كان هذا التنازل الذى يمثله حوار الحضارات هو جائزة الترضية المسمومة التى قدمتها لنا الدول الصناعية الكبرى، تعويضا عن التدمير المستمر الذى تحدثه سياساتها فى ثقافاتنا ومجتمعاتنا نفسها، قال غليون "نعم، ومع ذلك ليس لنا مهرب الآن من خوض هذا الحوار، على أمل تطويره وتحويله إلى مفاوضات سياسية متعددة الأطراف حول المصائر العالمية".
وحول قضايا الراهن السياسى فى المنطقة العربية، وبالذات حول مواقف بلده سورية وهل ثمة مصداقية فى خروج قادتها عن الخط العربى فى مواجهة الأطماع الإيرانية فى العراق ودول الخليج العربي، وكيف تنظر إلى حالة العزلة التى تعيشها وما السبيل للخروج من عنق الزجاجة، قال. د.برهان غليون "العالم العربى مفتت قبل مشروع الشرق الاوسط الكبير. وتفتته هو النتيجة الطبيعية لإخفاق نظامه الجماعي، أعنى جامعة الدول العربية، وهى المقصودة بالنظام العربي، فى تحقيق المهام التى أقيمت من أجلها، أو التى اعتقدنا أنها أقيمت من اجلها، سواء أكان ذلك تأمين الأمن للدول العربية، أو الوقوف فى وجه التوسعية الاسرائيلية وتمكين الشعب الفلسطينى من تقرير مصيره وبناء دولته المستقلة، أو خلق شروط التنمية الاجتماعية والانسانية فى المنطقة العربية.
فى جميع هذه المجالات فشل النظام العربى ولم يعد له صدقية فى نظر أصحابه، من المسؤولين والرأى العام معا، وفقد بالتالى مبرر وجوده. ما هو قائم منذ الحرب العراقية الأولى هو واجهة شكلية لجامعة عربية لا وزن لها ولا دور".
ويشير غليون "إعلان التحالف الاستراتيجى هذا "لم يخدم" سورية. فقد وضعها فى معسكر واحد مع ايران الاسلامية التى تثير سياستها تحت قيادة أحمدى نجاد حفيظة الكتلة الغربية، وأقلق كثيرا بلدان الخليج وباقى الدول العربية التى تشعر بأن أحد أقطاب منظومتها قد انتقل إلى الصف المقابل، بدل أن يكون ظهيرا لها فى مواجهة ما تعتقد أنه سياسات ايران ومطامحها القومية الهيمنية. لكن هذا التحالف وإن عزل سورية إلا أنه أمن دعما كبيرا للنظام من الناحية الاستراتيجية والسياسية والمالية. ومن دونه ربما لم يكن بإمكان النظام الاستمرار فى مواجهة الضغوط والتهديدات الأمريكية والاوروبية".
إلى ذلك "ليس المطلوب من النظام السورى فى نظرى فك تحالفه مع ايران بالضرورة، ولكن استخدام علاقاته بها، كما كان يفعل النظام فى عهد الرئيس السابق، لصالح الأهداف العربية".
وبخصوص الواقع العراقى وقراءته لنزعات التفتيت والانفصال داخله قال غليون "فى إطار الصراعات الدامية التى تعرفها المنطقة المشرقية ليس من السهل لمن يسقط أن يستطيع الوقوف على قدميه من جديد. وقد سقط العراق بسبب تفكك لحمتة الوطنية بعد عقود طويلة من الطغيان الفردى والحكم العشائرى الشمولى الذى لم يترك متنفسا لحياة سياسية ولا لقانون ولا لكرامة إنسانية. لم يفعل الأمريكيون فى سعيهم لإلحاق العراق بممتلكاتهم الامبرطورية، بوصفه من البلاد التى تملك أكبر احتياطيات للنفط فى العالم، سوى استثمار هذا الهشيم الانساني".
وحول الخيارات البديلة أمام العرب فى لعبة شد الحبل التى تجرى فى العراق لبنان وفلسطين بين أمريكا وإيران بسبب الملف النووى والموقف من إسرائيل وسياسة أمريكا فى الشرق الأوسط، قال د.برهان غليون "ليس لهم خيارات كما ذكرت. فأنظمتهم نفسها بحاجة إلى دعم الولايات المتحدة ومباركتها للبقاء والاستمرار، وليس لأى منها أجندة إقليمية. وحتى فى قضية مركزية وتاريخية مثل قضية فلسطين، لم يعد للعرب حضور تقريبا، وبات على الشعب الفلسطينى أن يواجه وحيدا عتاة الحرب الإسرائيلية".
وأضاف "على العرب، أعنى الحكومات العربية، إذا لم تشأ أن تخسر جميع رهاناتها فى المنطقة لصالح ايران والولايات المتحدة اللتين تتقاسمان عمليا النفوذ اليوم وتفرضنا أجندتهما عليها وتحولانها إلى ساحة لحرب باردة وربما ساخنة جديدة، أن يفتحوا مفاوضات شاملة وجدية مع جميع الأطراف، ويسعوا إلى التوصل إلى اتفاقات حول المسائل العالقة والمتنازع عليها، الامنية والسياسية وغيرها. وليس لهم مخرج آخر غير ذلك"، " وهذا يتطلب قيادات أخرى أكثر تحسسا للمصالح الوطنية لشعوبها من البحث عن تأمين المغانم ومراكمة المنافع لهم ولأبناء أسرهم وأحفادهم وأزلامهم وأنصارهم. لا يدفع كل هذا إلى التفاؤل كما ترى".
وفى خصوص الملف الفلسطينى قال استاذ علم الاجتماع السياسى فى جامعة السوربون
"دعنى أقل إن أصل المشكلة كلها هى القضية الاسرائيلية وجذورها القائمة فى المسألة اليهودية أكثر منه فى القضية الفلسطينية. القسم الأكبر من الحروب والأزمات وانفجار العنف المأساوى فى الشرق الأوسط هو النتيجة المباشرة أو غير المباشرة لحل المسألة اليهودية بالطريقة الهمجية التى حلت بها، أى على حساب شعب كامل ومقابل تشريده من أراضيه وتحويله إلى لاجئنين".. "من هنا بدأت الحروب وسباق التسلح وصعود الشعبوية العربية، القومية أولا ثم الإسلامية، والنزاعات بين القيادات العربية على الزعامة الإقليمية العربية، والديكتاتوريات العسكرية، وسيطرة الأجهزة الأمنية، والنزاعات العربية العربية، والمزاودات فى إظهار الوطنية، والكذب على الرأى العام وخداعه، ولاحقا الدمار السياسى والأخلاقى الذى عرفته المجتمعات العربية، بشكل خاص المشرقية. أما القومية العربية فلم تكن جزءا من الحل ولكن جزءا من المشكلة".
وفى ملف آخر من مكونات الساحة العربية، ويتعلق بالعلاقة بين الأنظمة العربية ومعارضاتها وهل ثمة بديل عن ثنائية الصراع بينها وبين الإسلاميين، قال د.برهان غليون "لن يكون هناك مخرج من هذا الصراع إلا بتطوير مفهوم جديد للسياسة وللدولة معا مرتبط بمفاهيم سيادة الشعب وإقرار الحريات الأساسية وتكريس دولة القانون وتأكيد شرعية الاختلاف الفكرى والسياسى والدينى وحتمية القبول بالتعددية، وفى ما وراء ذلك التسليم بمبدأ التداول السلمى للسلطة والتنافس العام على احتلال مناصب المسؤولية، بما يعنيه من الاعتراف بالمساواة بين المواطنين وبقاعدة تكافؤ الفرص فيما بينهم. من دون ذلك ستظل الديكتاتورية تستدعى الديكاتورية والأحادية والتعصب والانغلاق والأنانية والدفاع عن الرؤية والمصالح الشخصية.
والطريق إلى التغيير يمر حتما بتكوين الرأى العام وتربيته وتزويده بالأدوات النظرية والسياسية التى تساعده على الدخول فى حلبة الشأن العام وتحمل المسؤولية العمومية وفى مقدمها استبطان مفهوم الحق والقانون والمصلحة أو المنفعة العمومية.
وهذا عمل المثقفين والناشطين السياسيين والمدنيين بالدرجة الأولى. ما هو مطلوب لا يقل فى نظرى عن إعادة بناء الثقافة السياسية لشعوبنا فى سياق صعب تسود فيه نظم القمع والتضييق على الحريات والتلاعب بعواطف الناس ومشاعرهم الوطنية وتفاقم النزاعات الدولية فى المنطقة العربية".
"العرب الأسبوعي" سألت الدكتور غليون "أين تكمن فى نظرك أزمة الفكر العربى المعاصر"، وما السبيل للخروج من أزمة الثنائيات التى أطبقت عليه: الأصالة/ المعاصرة، العلم/ الدين، الإسلام/ الحداثة، الديموقراطية/ الاستبداد"... فقال"كان همى بالفعل منذ نشر بيان من أجل الديمقراطية إخراج الفكر العربى من هذه الثنائيات. وقد اعتقدت أن مصدر هذه الثنائيات هو سيطرة المشاريع الايديولوجية الكبرى، أى سعى المفكرين إلى إنتاج ايديولوجية توفق مثلا بين الاسلام والقومية والاشتراكية أو الرأسمالية، مع الاعتقاد بأن تحقيق مثل هذه التوليفة الايديولوجية سيزيل الاختلاف فى الرأى وبالتالى سيقضى على أسباب النزاع والصراع والاقتتال.
وبالمقابل حاولت أن أبين منذ كتاب اغتيال العقل أنه ليس لهذا العمل الايديولوجى قيمة أبدا، وأنه يؤسس للشمولية الفكرية والسياسية معا. وان الأسلوب الوحيد للاحتفاظ بوحدة النظام وأطرافه المختلفة هو الاعتراف بشرعية الاختلاف وتاكيده وتعميقه أيضا بحيث يستطيع كل طرف أن يذهب إلى أقصى ما تقوده إليه مقدماتها النظرية، وفى الوقت نفسه إقرار قاعدة خضوع الأقلية النسبية للأغلبية، أعنى قاعدة الديمقراطية التى لا تلغى أن تتحول الأقلية إلى أغلبية أيضا. فالديمقراطية وليس التوليفة الايديولوجية هى الحل.
وكل توليفة ايديولوجية تقوم على بناء تصور عقائدى شمولى يحاول أن يستوعب الآخرين فى أطره النظرية ويفرض عليهم العمل من داخل رؤيته أو منظومته الفكرية والعقائدية. فالخروج من منهج التوليف إلى منهج التأليف الديمقراطى الذى يعترف بالتعددية وأصالتها ويتجاوزها بإقرار سلطة الأغلبية هو الطريق للخروج من الصراع على امتلاك الحقيقة والاعتراف بنسبيتها وتعددها أيضا. ولن ندرك عندئذ تعدد أشكال المعرفة ومستوياتها فحسب، وتعدد المنظورات الايديولوجية، لكن سنكتشف التعددية داخل المفاهيم التى نعتقد أنها واحدة وموحدة، أى نكتشف أن الحداثة حداثات والدين تأويلات متعددة وأديان، والسياسة سياسات والقومية نظريات متعددة أيضا".
وحول نقده للحداثة العربية وخاصة الحركات السياسية التى حملت شعارها، ذكر د.برهان غليون إنه "فى سياق نقد الحداثة العربية التى أطلقت عليها اسم الحداثة الرثة جاء إذن نقد الفكر القومى السائد، وكذلك نقد السياسة العربية نفسها، باعتبارها سياسة نخبوية حاملة لجذور التراجع والانحسار امام التيارات الدينية.
كما جاء نقد الخطاب التقدمي، بوصفه خطاب سلطة، "موضوع اطروحة الدكتوراه عام 1982" الذى ظهر فى كتابى اغتيال العقل. لكن لم يكن هذا النقد إلا مرحلة أولى تهديمية على طريق إعادة بناء مفهوم الحداثة كما أفهمها، بما فيه فكرة الوطنية والديمقراطية والقيم الإنسانية. فلم يكن منطلقه الدعوة إلى التخلى عن القيم التقدمية الإنسانية، وإنما بالعكس تحرير الممارسة التاريخية القائمة باسم حداثة رثة لا قيمة لها من تناقضاتها الذاتية، وإعادة بنائها من الناحية النظرية والاستراتيجية، بما يمكنها من أن تتغلب على العوائق والعقبات والوصول إلى الغايات المنشودة".
ويضيف غليون "لم تكن هذه المراجعة النظرية نفسها التى بدأتها منذ "بيان من أجل الديمقراطية عام 1977" إلا امتدادا للحركة النقدية التى برزت فى ذلك الوقت، لدى الياس مرقص وياسين الحافظ بشكل خاص، لتؤكد على أصالة التجارب التاريخية، ولتبرز خطأ التعلق بنماذج مثالية مجردة مستقاة من تجارب أجنبية، وما يمكن ان ينجم عن ذلك من اختلاق إشكاليات ليست مطروحة بعد فى الواقع.
وهذا ما سمى فى ذلك الوقت بأقلمة الأفكار الماركسية والعلمانية والحديثة عموما، حتى لا تبقى أجنبية خارجية وكى ما يمكن توطينها فى تربة الواقع العربي... إلا أن موقفى من الحداثة والمسائل المرتبطة بها لم يتجمد عند مرحلة النقد، وهى مرحلة ضرورية قبل أى بناء".

العرب الأسبوعي

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات