بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> قضايا فكرية >>
عودة التاريخ اشتراكية الرأسمالية؟
  10/10/2008

عودة التاريخ اشتراكية الرأسمالية؟

مع سقوط الاتحاد السوفياتي، أعلن الأميركيون نهاية التاريخ. أصدر فوكوياما كتابه الشهير بهذا العنوان، ولم يقرأ سوى قلة قليلة من الناس كتاب إيمانويل والرشتاين عن سقوط الليبرالية في الوقت نفسه. تصاعد نجم الليبرالية الجديدة، وهي لا تشترك مع الليبرالية إلا بالاسم؛ تسقط الليبرالية الجديدة الآن، وتتحول كوميديا بوش الأب إلى تراجيديا بوش الابن.
لم ينجح الأميركيون في القبض على التاريخ والسيطرة على العالم. عاد التاريخ. في الحقيقة لم يتوقف. التناقضات محرك التاريخ. زادت التناقضات في ظلّ النظام العالمي الجديد الذي أعلنه الأميركيون عقب سقوط الاتحاد السوفياتي. حسبوا أن التناقضات الرئيسية هي ما بين معسكرين. زادت التناقضات القومية والإثنية داخل كل قطر والتناقضات بين الإمبراطورية الأميركية والأطراف، زاد عدد الفقراء، وازدادت الهوة بين الفقراء وبين الأغنياء في المركز والأطراف. عاد التاريخ يفرض نفسه، وعادت حركته بما لا يتناسب مع إيديولوجيا الإمبراطورية التي تعاني انهياراً لم تشهده سابقاً. سقطت إيديولوجيا النظام العالمي الجديد والنيوليبرالية وعادت الدولة ضرورة لا بد منها.
عندما قالوا بنهاية التاريخ في مطلع التسعينات أردفوا ذلك بسقوط الدولة خارج الامبراطورية. جعلوا لكل هذه الدول سياسة واحدة هي الخصخصة أي بيع أملاكها. حاولوا جعل مهام الدولة الأخرى تقتصر على الأمن. جعلوا الأمن سياسة واحدة للإمبراطورية. شنوا حرباً على الإرهاب عالمياً؛ سمحوا لأنفسهم بالضربات الاستباقية على أساس أنهم هم وحدهم الذين يعرفون نوايا الدول والجماعات داخل هذه الدول؛ استخدموا حلف الناتو وجميع أنواع التكنولوجيا الحربية المتاحة لذلك. قسموا الدول الاخرى الى »من معنا« و»من ضدنا«، الى دول يمكن التعاون معها وإلى دول مارقة برسم الإسقاط. اعتبروا انفسهم شعب الله المختار الذي يستطيع ان يقرّر للعالم ماذا يريد وكيف يريد. انتهوا الى عدة حروب، والحبل على الجرار، واضطروا الى النزول على الأرض للقتال التقليدي في اكثر من موقع، فازدادت خسائرهم البشرية ونفقات الحرب التي لا تستطيع تحملها أية إمبراطورية مهما كان حجمها ومواردها.
اضطروا للاستدانة من الخارج لتغطية نفقات الحروب، والاهم من ذلك، لتمويل نفقات الاستهلاك اليومي لمواطنيهم، خاصة ان نفقات الاستهلاك تفوق مواردهم مهما كانت. صدّروا صناعاتهم إلى خارج الولايات المتحدة وصاروا يستوردون السلع مقابل الدولارات التي يصدرونها والتي تنخفض قيمتها باستمرار. أصبحوا بلداً غير منتج يموّل الاستهلاك والحرب بالديون الخارجية. أصبحوا يعيشون على حساب الغير لكنهم يقاتلون لصالح أنفسهم؛ لصالح إيديولوجية لم يدركوا انها غير فعالة. تكاثرت الديون الورقية (التجارة الدولية تحتاج الى حوالى ١٣ مليار دولار يومياً، بينما الحركة الدولية المالية تبلغ ١٥٠٠ مليار دولار يومياً) وتحولت الأزمة البنيوية، وهي تناقض الربحية الطويلة المدى إلى أزمة مالية عالمية قصيرة المدى. تحولت العولمة إلى عبء عليهم لأنهم صاروا عبئاً على العالم.
انفجرت الفقاعة المالية. وأسرعت الدول الإمبراطورية وغيرها إلى التأميم، تأميم المصارف والشركات المالية، بما يخالف كل أساس إيديولوجيتها التي بشرت بها الرأسمالية منذ عقود من السنين. حاولت في البداية ان تكون انتقائية فتختار بين أية مؤسسة تؤمم وأية مؤسسة تدعم؛ لكن الأزمة عامة عالمية، والأمور مترابطة مع بعضها عبر الحدود، والحاجة إلى التأميم اجبارية في كل مكان. لكنه تأميم لصالح الشركات وليس لصالح المودعين والفقراء. تأميم يكرس اشتراكية رأس المال والأغنياء، لا اشتراكية الفقراء وصغار المودعين والمدخرين. النظام، بنظرهم مرهون بقاؤه بغنى الأغنياء لا بفقر الفقراء. للأغنياء دائماً »رب« يحميهم. ومن يحميهم هي الدولة التي تمتنع في الوقت نفسه عن حماية الفقراء.
هل ما يحصل هو نقل الثروة من جيوب الى أخرى، ومن جيوب الفقراء الى الاغنياء؟ او هل ما يحصل هو تدمير للثروة حتى لو كانت أوراقاً تعبر عن قيمة وهمية؟ الجواب السهل هو ان ما يحصل هو مزيج من الاثنين معاً. لكن ما من شكّ في ان بعض الأغنياء سيزدادون غنى على حساب أغنياء آخرين وعلى حساب الفقراء عموماً، وما من شكّ في ان الفقراء سيزدادون فقراً اذ لا يشكل إفقار ملايين إضافية من الناس مشكلة بالنسبة للنظام. لا احد يعرف كيف ستنتهي الأزمة، اذ لا يوجد مدير بنك واحد، او مؤسسة مالية واحدة، يعرف موجودات مؤسسته بدقّة. المهم انه عندما يعلن من في الادارة الأميركية ان صناديق التقاعد تخسر حوالى ألفي مليار دولار، فمعنى ذلك ان الطبقة الوسطى والفقراء عموماً هم الخاسر الأكبر.
تسرّع من قال بنهاية التاريخ كي يتجنب الإشارة الى عمق تناقضات النظام الرأسمالي التي لا يوضع لها حدّ إلا بإنهاء النظام الرأسمالي العالمي لصالح شكل جديد من أشكال التعاون البشري. وتسرّع من قال بنهاية الدولة، لان الدولة حتى الآن، هي الشكل الوحيد لتعاون البشر. ولبقاء المجتمع البشري مهما كان شكل النظام الاقتصادي. نهاية الدولة تعني الاعتماد على ما يسمى منظمات المجتمع المدني. وهذا أمر مضحك. نهاية الدولة تعني السماح بالبقاء لدولة واحدة هي الدولة الإمبراطورية؛ التي فشلت في تحقيق جميع الأهداف التي اعلنت عنها هي.
ان نظرية السوق دون ضوابط تضعها الدولة، ونظرية النظام العالمي دون دول الا الدولة الواحدة، هما وصفة للفوضى الاقتصادية وللحروب الأهلية في كل مكان على وجه الكرة الأرضية. ما نراه على شبكات التلفزيونات من فوضى واضطراب وقلق هو مؤشر على إمكان التطور إلى ما يجعل انتظام العالم امراً صعب المنال. ما نشهده الآن هو بدايات لما لا يمكن حسبانه. ما يحدث هو امر ما كان يمكن توقعه منذ أشهر الا لدى باحثين قلّة من الذين يعيشون على هامش الحياة الذهنية والفكرية. جميع التيارات السائدة، الفكرية والثقافية، كانت منساقة في تهويمات النظام العالمي الذي ينهار الآن.
ان ما يحصل هو نتيجة التناقضات الاساسية في النظام الرأسمالي، سواء كان عالمياً او محلياً. التناقض الأساسي بين الاجور والارباح لا يمكن حلّه. فازدياد واحدة منهما يؤدي إلى انخفاض الأخرى. وازدياد واحدة منهما إلى ما لا نهاية له يؤدي إلى انخفاض الأخرى إلى الصفر.
من ناحية اخرى، أنت متى اشتريت اسهماً في شركة فإنك تتخلى في اللحظة ذاتها عن ادارتها لصالح مجلس ادارة الشركة. هكذا تكون انسلخت عن ملكيتك. وإذا وضعت مالك في بنك فإنك تكون قد وضعت مالك بيد آخرين للتشغيل والاستثمار. انسلاخ الملكية يحدث هنا أيضا، جزئياً، او بالكامل في حال انهار المصرف الذي تودع فيه الاموال.
انسلاخ الإنسان عن نتاج عمله او عن ثروته هو في أساس تناقض النظام الرأسمالي مع نفسه. اشكالية النظام هي هذا الانسلاخ ولا تقتصر المسألة على جشع بضعة مدراء او مضاربين وحسب؛ علماً بأن الجشع هو الصفة المفضلة لدى أعضاء النظام الرأسمالي. وهم لا يدعون للتعاون إلا عندما يقعون في أزمة.
انسلاخ الإنسان عن ذاته يتجلى في المجال العربي بأقسى وأسوأ صوره: انسلاخ مالي، انسلاخ سياسي (تجزئة)، انسلاخ عقاري (فلسطين) انسلاخ قومي (إثني، مذهبي، ديني) في العراق، دول مارقة (السودان، الصومال وغيرهما). حاول النظام العالمي الجديد إيجاد تركيبة جديدة للشرق الأوسط الكبير دون الأخذ بالاعتبار وجدان شعوبه فسقط المشروع، حتى اشعار آخر. لكن الإشكالية تبقى اشكالية الامبراطورية الأميركية التي لا تكفي مواردها، ولا الموارد المنهوبة من الشعوب الأخرى بأساليب شتى، لإعادة تشكيل العالم حسب الصورة التي تريدها.
مع الانهيار المالي المريع يعود التاريخ بقسوة (هو في الاساس لم ينته) وتعود الدولة ملجأ للجميع، لمجتمع كل بلد يحاول العودة إلى العيش بسوية. وضعت الإمبراطورية كل إمكاناتها في هذه المنطقة لإبراز صورة العالم الجديد. تبدأ إعادة بناء نظام عالمي اقلّ قسوة وأكثر عدلاً، من هنا، من هذه المنطقة العربية.
الحلّ لن يكون بعودة الامبراطورية الى صلفها، ولا بإنتاج الاشتراكية الرأسمالية التي تقود اليها التأميمات.

الفضل شلق

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات