بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> قضايا فكرية >>
انها الرأسمالية.. يا صديقي
  11/10/2008

انها الرأسمالية.. يا صديقي

عبد الحسين شعبان
كان لتعبير الرئيس السابق للولايات المتحدة بيل كلينتون “إنه الاقتصاد يا غبي” وقع قوي ومؤثر في حملته الانتخابية التي انتصر فيها على الرئيس جورج بوش (الأب) “المنتصر” في حرب قوات التحالف على العراق عام 1991 وتحرير الكويت، فقد أدرك أن رؤية ما بعد الحرب الباردة لا بدّ أن تقوم على الاقتصاد، وساهمت توجهات كلينتون في تخفيض ملموس للنفقات العسكرية وتقليص عدد القوات العسكرية في الخارج، وحصول فوائض في الميزانية وانخفاض نسبي في مستوى البطالة، لكن اتجاه الرئيس بوش (الابن) قاد الى تفضيل استخدام القوة باستغلال التفوق العسكري واحتلال أفغانستان 2002 والعراق ،2003 بحجة مكافحة الإرهاب الدولي بشن “حرب استباقية ووقائية” ضده، وضاعف من حجم مشكلات الولايات المتحدة الاقتصادية والمالية وهو ما انعكس مؤخراً على أزمتها المستفحلة.
رحم الله من قال: “لو وضعت المال في جرّة لحرّكت أذنيها”، وكان ماركس يستشهد باستمرار بمقطع من شكسبير يقول فيه “أيها الذهب! أيها الذهب الثمين، البرّاق، إنك تصيّر الأبيض أسود، والقبيح جميلاً، والشرّ خيراً، والعجوز فتياً، والجبان باسلاً..” فالمال يضع مستلزمات العبودية، التي تبارك الملعون وتشرّف السارق، وتضمن له الجاه والإجلال والنفوذ.
استعدت ذلك وأنا أقرأ بعض المعلومات والمعطيات عن الأزمة المالية الطاحنة التي تجتاح الولايات المتحدة والغرب الرأسمالي بشكل عام، ومعها تعليق والدة ماركس الذي عرف بدراسته ونقده للاقتصاد السياسي وعمله العبقري “رأس المال”، بالقول، كان الأجدر به ألاّ يكتب كتاباً عن رأس المال، بل يعرف كيف يجمعه.
جدير بالذكر أن حديث الرأسمالية ذو شجون، فقد كانت بعض القوى اليسارية تزاود وترفع أكثر الشعارات رنيناً وراديكالية ضد الرأسمالية العالمية وحروبها وجشعها ومحاولاتها إخضاع العالم، لكنها منذ سقوط جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفييتي، صار الكثيرون يترددون، بل يتلكأون أو يتلعثمون حين يجري الحديث عن الرأسمالية أو يرد ذكرها، ويحاولون تجميل مساوئها وشرورها، بل أصبحت بنظر البعض، النموذج “المثالي” الذي يحترم إنسانية الإنسان ويوفر فرصاً مناسبة له ونموذجاً للتنمية، قيس عليه أو نحاول مقاربته ومقارنته بتجارب أخرى.
وإذا كان صحيحاً أن الاشتراكية “المطبقة” في ما سمي ببلدان المنظومة الاشتراكية فشلت وأخفقت وانهارت، عبر حرب باردة طويلة وقاسية وسباق تسلح مدّمر، وعبر أخطاء وخطايا عديدة سياسية واقتصادية واجتماعية، نظرية وعملية، لكن الصحيح أيضاً أن الرأسمالية ليست هي النموذج الموعود لخلاص الإنسانية، التي تبقى توّاقة لنظام أكثر عدالة وأقل قسوة وأكثر رحمة وأوفر إنسانية، حيث يتطلع الإنسان الى إلغاء الاستغلال بكل أشكاله.
ولعل موضوع الحديث يتعلق بالأزمة التي عصفت بالنظام الرأسمالي العالمي، بقيادة الولايات المتحدة، التي تراكمت عبر أزمة الرهن العقاري ومن ثم انخفاض سعر الدولار وزيادة أسعار النفط، وأخيراً انهيار بنوك عملاقة وشركات تأمين جبارة، وهذه تهدد باختلالات كبيرة على الصعيد العالمي، ولعلها ليست حالة طارئة أو مؤقتة ولكنها تحفر في الأساس، ليس على صعيد الواقع فحسب، بل على صعيد المستقبل أيضاً!
إن هذا الفريق أصيب بالحيرة لأنه لا يريد التصديق بأن “الرأسمالية” العملاقة التي اعتبرها جبروتاً لا يمكنه التصدع، وإذا بها تصاب بالوهن والضعف جرّاء أزمة عاصفة لاسيما وقد انتصرت في المعركة الكبرى ضد الاشتراكية.
من جهة أخرى، فإن نقيض هذا الفريق، يذهب فيه الوهم مثلما هو وهم الفريق الأول، ولكن بالمقلوب، الى الاعتقاد بأن الولايات المتحدة ستسقط أو ستنهار جرّاء الأزمة المالية، وأن الرأسمالية ستتفكك وتنتهي، ليقوم على أعقابها نظام أكثر عدلاً من دون أن يعي أن الرأسمالية حسب منهج ماركس الجدلي، لديها القدرة على تجديد نفسها واستيعاب أزماتها وتطوير أدائها، لأنها تملك أيضاً مقومات ذلك، لكن هذه الأزمة ستكون مؤثرة وستترك بصماتها على الحراك السياسي والاجتماعي في الغرب الرأسمالي، لاسيما بعد “الحرب على الإرهاب”، وهي حرب مكلفة بكل المعايير مادياً ومعنوياً. ولعله سيتوقف عليها المشروع الإمبراطوري الأمريكي بالكامل.
إن الاقتصاد الامريكي الذي يقوم على المضاربة بالأسهم والبورصة ومضاعفة أسعار العقارات من دون وجود زبائن حقيقيين يستطيعون امتلاكها، أدى الى إفقار شديد للموارد العالمية، انعكس ذلك على السلع الغذائية والمعادن واستهلاك الطاقة وتدمير البيئة، في الأرض والبحر والفضاء.
وبهذا المعنى فإن ما تتعرض له شعوب البلدان النامية (المستضعفة) يصطدم مباشرة بالهيمنة الرأسمالية- الكولونيالية الجديدة، ليس نظرياً فحسب، بل هو واقع عملي شديد الوطأة، خصوصاً وأن سلوكها اللاإنساني يتضح في ظل البيئة الدولية المهيمنة، وذلك دون استحضارات أيديولوجية أو إسقاطات نظرية، فالنظام الرأسمالي وطبعته الإمبريالية لم يعد يسهم في تمدين الشعوب ورفع درجة انسانيتها حسب المسوّغات العقائدية التي حاول ترويجها في السابق، مع أن هناك من يقول بذلك، رغم تجربة العراق المريرة حالياً.
إن الهزة الزلزالية التي تعرض لها مصرف ليمان أخوان (ليمان براذرز) الذي مضى على تأسيسه أكثر من 150 عاماً قد أصابت النظام المصرفي والمالي والاقتصادي في الولايات المتحدة بالصميم، وقد عصفت هذه الهزة بميرل لانش كبرى المؤسسات المالية والمصرفية، الأمر الذي سارع فيه الرئيس بوش الى تقديم خطة الى الكونجرس واضطر الى تعديلها لاحقاً وحصل على موافقة مجلس الشيوخ، على أمل في إقرارها إنقاذ الوضع المتردي والمنهار، وقد سارعت العديد من البنوك الدولية الى التشارك لرفد تدابير واشنطن لاسيما في اليابان وكندا إضافة الى أوروبا. وتقضي الخطة بتقديم مبلغ 700 مليار دولار لدعم واحتواء الأزمة، التي قال عنها الرئيس بوش نفسه، إنها تحتاج الى وقت لتؤدي مفعولها.
لقد ساد شيء من التفاؤل الساذج بعد انتهاء الحرب الباردة وانهيار الكتلة الاشتراكية وأهملت وسائل الرقابة والحد من نزعة المغامرة، لاسيما على القطاع المالي والمصرفي، وهو ما ظهرت نتائجه الآن، خصوصاً أن الحلول المطروحة حالياً لا تستطيع تأمين المستلزمات الكافية لإعادة الصحة والعافية فضلاً عن الثقة الى القطاع المالي والمصرفي الأمريكي خصوصاً أن الفئات الضعيفة. كانت الأكثر تضرراً وانسحاقاً كما هي في كل مرّة.
ولذلك فإن هذه الأزمة أدت الى حالة من الهلع الشديد لدى سكان المعمورة كلها، إذ لا أحد يستطيع أن يتصور الى ماذا ستقود هذه الأزمة؟ وماذا ستترك من تأثيرات خطيرة؟ لاسيما في شعوب البلدان النامية، ولكن في الوقت نفسه يخطئ من يعتقد أن الولايات المتحدة حالياً عملاق كسيح أو نمر من ورق، لأن مثل هذا التصور يؤدي الى تقليل الرغبة في فهم حقيقة ما حصل في وول ستريت.
إن الاقتصاد الأمريكي دخل مرحلة الركود كما هو متوقع حالياً، لكن ذلك لا يعني أنه ليس لديه القدرة على الخروج من ذلك والعودة الى عافيته كما حدث في مرات سابقة، ولعل مثال أزمة السبعينات وزيادة أسعار النفط من القرن الماضي، ومشكلة المخدرات والقروض والعجز المتصاعد في الميزانية العامة وفي الميزان التجاري في الثمانينات وانفجار فقاعة الدوت كوم والهجمات الإرهابية في عام 2001 خير دليل على قدرته الفائقة، ولكن الثمن الباهظ هو ما ستدفعه الشعوب وبشكل خاص الفقراء! أليس كذلك..؟ إنها الرأسمالية.. يا صديقي

مركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات