بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> قضايا فكرية >>
كارل ماركس يعود... من »وول ستريت«!
  16/10/2008

كارل ماركس يعود... من »وول ستريت«!

وسام متى
»أخبار جيّدة يا رفاق، لقد انتصرت الماركسية! لكنه ليس انتصاراً للبروليتاريا، بل للرأسمالية«.
بهذا علق أحد الماركسيين الأميركيين على خطة »التأميم« التي اعتمدتها إدارة الرئيس جورج بوش لإنقاذ الاقتصاد من براثن الانهيار، والتي استتبعتها العديد من الدول الأوروبية بخطط مماثلة بعد الانهيار المدوّي في أسواق المال.
»هكذا تحوّلت الاشتراكية فجأة إلى فكرة جيّدة، لكنها في حالتنا الراهنة، »اشتراكية لصالح الأغنياء، أمّا الفقراء فقد فرض عليهم أن يعيشوا في ظل الرأسمالية«، على حد تعبير الكاتب في موقع »الدفاع عن الماركسية« مايكل روبرتس.
ومع طفرة النظريات التي يطلقها منظرو السوق الحر في شرح الأزمة، وفي الوقت الذي تقرع فيه، حتى الصحافة الأميركية ناقوس الخطر، حيث تتصدر صفحاتها عناوين من مثل »الرأسمالية في خطر« أو »هل انتهى عصر الرأسمالية الأميركية؟«، مثلما فعلت صحيفة »واشنطن بوست«، تبدو أية مقاربة لما يجري اليوم في اقتصاد العالم ناقصة ما لم تقترن بعرض وجهة نظر الماركسيين من الأزمة.
واستناداً إلى التحليل الماركسي، تبدو الهزة الاقتصادية الأخيرة، التي انطلقت من بورصة »وول ستريت«، لتطال كافة بورصات العالم، أزمة ثلاثية الأبعاد، فهي أولاً أزمة بنيوية، لجهة ما أظهرته من خلل كبير بين القطاعات الاقتصادية الرأسمالية، حيث شهدت السنوات العشر الأخيرة تكوّن فقاعتين اقتصاديتين استحوذتا على النشاط الاقتصادي العالمي، قبل أن تنفجرا: كانت الأولى في قطاع المعلوماتية، والثانية في قطاع العقارات.
وهي ثانياً أزمة قطاعية، شملت أحد أهم النشاطات الاقتصادية في العالم منذ أواسط السبعينيات، وهو القطاع المالي. ويرى العديد من الاقتصاديين إنّ السبب الأساسي للأزمة الحالية هو في تجاوز المصارف لدورها الأساسي، كوسيط بين الادخار والاستثمار، حيث اتجهت نحو تأمين الربح خارج دائرة الإنتاج، وذلك من خلال عمليات الإقراض غير الخاضعة لضوابط، إضافة إلى المضاربة.
أمّا البعد الثالث، فهو في أزمة الإنتاج التي تضرب الرأسمالية، بعدما أصبح عرض السلع أكبر بكثير من الطلب عليها، مع تراجع القوة الشرائية لدى المستهلكين.
ويضع رئيس المجلس الوطني في الحزب الشيوعي اللبناني موريس نهرا الأزمة الحالية في إطار »المنطق الرأسمالي الذي يجعل المجتمع يتماثل مع شريعة الغاب«. وقال نهرا لـ»السفير« إنّ وقوع الرأسمالية في أزمات دورية هو أمر حتمي، بالنظر إلى طبيعتها، وهو أمر أكده كارل ماركس، الذي أشار إلى أنّ القيمة الزائدة تؤدي إلى فارق كبير بين الإنتاج والأجور.
ويعتبر نهرا أن »حجم الأزمة كبير جداً، فهي تطال الرأسمالية في المرحلة الجديدة من تطورها، أي العولمة وإيديولوجيتها النيوليبرالية، التي يقوم عمودها الفقري على ركيزتين: الأولى تتمثل في دور الدولة ومدى تدخلها في الاقتصاد، أي ترك الأمور مفتوحة للسوق الحر، والثانية هي إلغاء الحمايات للإنتاج الوطني لشعوب العالم، ما يعني جعل العالم كله فريسة الاحتكارات الضخمة المعولمة«.
ويضيف نهرا أنّ الجديد في هذه الأزمة هو أنّ الدول الرأسمالية »بدأت تتدخل بقوة لضخ الأموال تحت عنوان دعم المؤسسات، وذلك في عمليات تأميم جزئي أو كامل، سواء عبر شراء أصول هالكة أو من خلال ضمان القروض في المؤسسات التي جنت أرباحها على حساب الطبقة العاملة والشعوب الفقيرة«، مشيراً إلى أن هذه الإجراءات تجعل الطبقات المستغَلة تدفع عملياً فاتورة هذا الانهيار بآلاف المليارات من الدولارات.
أمّا نتائج الأزمة على المستوى الأيديولوجي فتكمن بحسب نهرا في »سقوط مقولة نهاية التاريخ التي أطلقها فرانسيس فوكوياما، بعد انهيار التجربة الأولى للاشتراكية، حيث أظهرت الرأسمالية أنها تحمل معها أزماتها، ومقولة صراع الحضارات التي أطلقها صموئيل هانتنغتون، حيث أن ما يجري اليوم يدل على المضمون الطبقي للصراع«.
وإذ يرى نهرا أنّ ما يجري اليوم »ليس بالضرورة الأزمة النهائية التي سينجم عنها انهيار الرأسمالية«، فإنه يتطرق إلى ما يدور من حديث في ما بين قادة العالم واقتصادييه بشأن ضرورة إدخال تعديلات على النظام الرأسمالي بغية إنقاذه. ويشير إلى أنه بغض النظر عما ستسفر عنه الأزمة، فإنّ المشروع الأميركي يبدو في تراجع، متوقعاً »تنامي أكبر للتعددية القطبية خلال السنوات المقبلة«.
من جهته، يرى الاقتصادي الماركسي الأميركي ريك وولف، أنّ »الأزمة الحالية ليست مجرّد أزمة مالية، رغم أنّ البعض يسعى إلى تقديمها على هذا النحو، وذلك في محاولة لحصر أسبابها وتداعيتها من خلال تصويرها على أنها أزمة قطاع واحد في الرأسمالية«.
وعلى هذا الأساس يؤكد وولف أنّ الأزمة هي »أزمة النظام الرأسمالي ككل«، نظراً لتأثيرها على الصناعة والخدمات والاستهلاك، موضحاً أنها »بدأت في القطاع المالي، لكنها لن تنتهي عنده«.
ويشرح وولف، في حلقة دراسية، الأسباب التاريخية لهذه الأزمة الرأسمالية الأميركية، حيث يميّز بين حقبتين، الأولى تمتد بين العقدين الثالث والثامن من القرن الماضي، والثانية تبدأ من أواسط السبعينيات حتى يومنا هذا. ويوضح أنه خلال الحقبة الأولى تميّز الاقتصاد الأميركي بتصاعد ثلاثي، في إنتاجية الطبقة العاملة والأجور وأرباح البرجوازية، مشيراً إلى أن الطبقة العاملة الأميركية تمتعت خلال تلك الفترة بمستوى عال من المعيشة والاستهلاك، حتى راجت مقولة »أميركا الاستثنائية«.
ويضيف وولف أنّ هذا الوضع تغيّر منذ السبعينيات، حيث بدأت الأجور تستقر، في مقابل استمرار الإنتاجية والربح في مسارهما التصاعدي، »الأمر الذي أوجد فجوة كبيرة بين ما يقدّمه العامل وما يحصل عليه«. هذا التغيّر يعزوه وولف إلى جملة من العوامل، أبرزها بروز اقتصاديات منافسة، كاليابان التي بدأت في تلك الفترة تتعافى من آثار الحرب العالمية الثانية، فضلاً عن أنّ جشع المستثمرين دفعهم إلى نقل مراكز الإنتاج إلى دول ذات يد عاملة رخيصة، وإلى جذب المهاجرين للعمل في الولايات المتحدة بأجور متدنية.
كل هذا، أفقد الطبقة العاملة الأميركية كافة المزايا التي طالما تغنت بها على مدى ١٥٠ عاماً. وما زاد من صعوبة الموقف أنّ »شغف الاستهلاك« كان قد ضرب الأميركيين، فباتوا مضطرين للبحث عن عمل إضافي للحفاظ على مستوى معيشتهم، بحيث بلغت الزيادة في عدد ساعات العمل في الولايات المتحدة ٢٠ في المئة، في مقابل تدني هذه النسبة في أوروبا. وبحسب وولف، فإنّ هذا الحل لم يكن ناجعاً، باعتبار أن هذا النمط كانت له أثمان باهظة، خصوصاً لجهة المشاكل الصحية والنفسية والاجتماعية.
وفيما أصبح هذا الفارق بين الإنتاجية العالية والأجور المستقرة يتكدس على شكل ثروة في أيدي حاملي الأسهم، لجأت البرجوازية إلى خطة أقل ما يمكن أن يقال فيها بأنها »سرقة مزدوجة«، حيث فتحت باب الاستدانة أمام العمال، فقدمت لهم القروض من أجورهم المسلوبة، لتشبع رغبتهم في الاستهلاك لفترة من الزمن، أظهرت الأزمة الأخيرة أنها بلغت مشارفها.
ويشير وولف إلى أنّ »الرأسمالية، من خلال هذه الخطة، دمرت العائلات، وقدمت نفسها في الوقت ذاته، كمنقذ«، مشدداً على أنّه كان من الواضح أنّ نظاماً اقتصادياً كهذا سيكون مصيره الفشل.
وعن سبل الخروج من الأزمة، يتحدث وولف عن توجهين اقتصاديين في الولايات المتحدة، الأول يقوده المحافظون، ومفاده أنّ تدخل الدولة في الاقتصاد كان سبب الأزمة، وبالتالي فإن العودة إلى مبدأ حرية السوق سيكفل تجاوز الوضع الحالي. أمّا الثاني فيقوده اليسار الليبرالي، وهو يدعو إلى ضرورة وضع ضوابط للاقتصاد على غرار تلك التي اعتمدت خلال الثلاثينات.
وإذ يرفض وولف هذين الرأيين، يرى أنّ الحل الوحيد لتجاوز الأزمة هو في تطبيق مبدأ »الديموقراطية في المؤسسات«، بحيث يتم إشراك العمال في مجالس إدارة الشركات، وهذا ما يجعل الأمور تعود إلى نصابها، لجهة العودة إلى التوازن بين مستويي الإنتاجية والأجور.
بدوره، يشير الكاتب الماركسي البريطاني روب سيويل إلى أنّ أحد أشكال الأزمة الحالية هي أنّ »الرأسماليين لم يعودوا مهتمين بجني الأموال من خلال الإنتاج، الذي يشكل المصدر الحقيقي للثروة، إنما عبر المقامرة والمضاربة، وهذا ما يظهر مدى انحطاط الطبقة الرأسمالية، التي اتخذت منحى طفيلي في حقبة تفسخها«، وهذا ما يؤكده نهرا، الذي يوضح أنّ »الرأسمال أصبح اليوم كتلة عائمة، حيث يتم توظيفه في البورصات والمضاربات، عوضاً عن توظيفه في الإنتاج«، موضحاً أن هذا النوع من المضاربات هو شكل من أشكال ريعية وطفيلية وأزمة الرأسمالية، لأن الرأسمال بدوره بضاعة يجري التبادل فيه«.
ويعتبر سيويل أنّ »الرأسماليين باتوا مرغمين على الاعتراف بأنّ نظامهم قد فشل. وهذا ليس فشلاً في القواعد المتبعة، بل في النظام نفسه«، موضحاً أنّ »المصارف والمؤسسات المالية قد أصيبت بالشلل... بعدما تحولت الفقاعة إلى إفلاس«.
ولا تخرج هذه التحليلات، عن الشرح الذي يقدمه المفكر الاقتصادي المصري سمير أمين للأزمة، حيث يعتبر أنّ »ما نشهده الآن ليس بداية انهيار هذا النظام، بل بلوغ أزمته الهيكلية الذروة«، موضحاً أنّه »عندما ينمو رأس المال، خاصة في البورصات، ينخفض نصيب العمل (الأجور)، فيحدث فائض في الأرباح لا يمكن استثماره لعدم وجود طلب كاف، بسبب نقص القدرة الشرائية«.
أمّا المليارات المتبخرة، فهي تغذي عملية المبالغة في تقييم رأس المال، في مسار يصفه أمين بأنها »هروب إلى الأمام، لكنه لا يمكن أن يدوم أبداً«، وهذا ما تظهره الانهيارات الأخيرة في القطاع المالي.
وكان أمين قد توقع في نيسان الماضي ألا تسمح المصارف المركزية بإفلاس المصارف الكبرى، بل أنها ستتدخل وستقوم بإنقاذها »على حساب المواطنين«. وفيما يتوقع أنّ تؤدي أزمات الرأسمالية إلى مزيد من الحروب، يشير إلى أنّ مصير النظام النيوليبرالي هو الزوال، »سواء من خلال الطبقة العاملة أو من تلقاء ذاته«.
بدوره، يرى الاقتصادي الاميركي اندرو كليمان إنّ »الأزمة لا تعني الانهيار، بل هي تمزّق أو تشوّه في شبكة من العلاقات التي تجعل الاقتصاد يعمل بشكل طبيعي، مشيراً إلى أنه من المبكر التنبؤ بانهيار الرأسمالية«.
ومن المصادفات التاريخية أن تتزامن انطلاقة الأزمة الحالية مع الذكرى الـ١٦٠ لصدور البيان الشيوعي، الذي برهن فيه ماركس كيف أنّ الرأسمالية تحمل بذور نهايتها. واليوم تقترب »نبوءته« أكثر فأكثر من أن تصبح واقعاً. ولعل هذا ما يمكن قراءته بين السطور في التصريحات التي يطلقها معظم الاقتصاديين، حتى الليبراليين منهم.
عام ١٩٣٠ كان الكساد الكبير، ثم جاءت الحرب العالمية الثانية لتنقذ الرأسمالية. وفي عام ١٩٨٧ بدأ »النموذج الأميركي« بالتفكك مع انهيار »وول ستريت« لتخرج الرأسمالية بعدها بثلاث سنوات منتصرة، بعد زوال عدوّها اللدود، الاتحاد السوفياتي.
أمّا الانهيار الذي أعقب انفجار فقاعة الانترنت عام ،١٩٩٧ فاستوعبته الرأسمالية الأميركية بسلسلة من الحروب، بدأت بكوسوفو واستتبعت بـ»الحرب على الإرهاب« واحتلال أفغانستان، وصولاً إلى غزو العراق.
لكن الأزمة اليوم تبدو أكثر حدة. هكذا بات العالم أمام احتمالين: حرب جديدة على مستوى الأزمة، أو تراجع في المشروع الإمبراطوري باتجاه ولادة نظام عالمي جديد.
سـاهم فـي إعـداد المحـور
جنان جمعاوي ومحمد علي حريصي/ السفير


 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات