بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> قضايا فكرية >>
الحرب العربية المزعومة لإنقاذ فلسطين
  20/11/2008

الحرب العربية المزعومة لإنقاذ فلسطين


أسمهان شريح

"لا عجب في أن رئيس هيئة أركان الفيلق العربي، الإنكليزي غلوب باشا، سمى حرب 1948 بـ "الحرب المزيفة". ولم يكن غلوب مدركاً تماماً القيود التي فرضها الملك عبد الله على نشاطات الفيلق العربي فحسب، بل كان أيضاً مطلعاً على المشاورات والاستعدادات العربية العامة".
"إيلان بابيه"

أورد المؤرخ الـ"ما بعد صهيوني" إيلان بابيه هذه الفقرة في كتابه "التطهير العرقي في فلسطين"، في إطار إيضاحه أن الحرب التي قامت بها الجيوش العربية في فلسطين عام 1948، كانت حرباً غير حقيقية.
غدا اليوم متاحاً، بعض الشيء، تناول مجريات النكبة، بعد المحاولات الجادة التي قام بها مؤرخون وأكاديمون فلسطينيون مرموقون، وبعدما أفرج الإسرائيليون بعد خمسين عاماً على الإعلان عن قيام كيانهم،عن بعض الوثائق التي بحوزتهم، والتي تتناول وقائع النكبة ومجرياتها. وقد عزز من هذا التوجه، بروز ظاهرة "المؤرخين الجدد" الإسرائيليين الذين بدأوا بالكتابة عن النكبة استناداُ إلى الوثائق الإسرائيلية المفرج عنها، حيث أخذت روايتهم بمقاربة الرواية الفلسطينية.
فما الذي دعا الفلسطينيين وبابيه لإطلاق هذا الحكم على الحرب التي خاضتها الجيوش العربية في فلسطين؟ هذا ما ستحاول هذه الدراسة الإجابة عنه.
تمهيد:
وصفت اليهودية حنّة آرندت الاتجاه السائد في الرأي العام اليهودي سنة 1948، بالقول: " إن يهود أميركا ويهود فلسطين، متفقون أعمق الاتفاق على المقترحات التالية التي جرى الإعراب عنها بصورة فظة بعض الشيء: لقد أتت اللحظة التي ينبغي لنا أن نربح فيها كل شيء؛ النصر أو الموت؛ إذ أن المطاليب العربية والمطاليب اليهودية لا تقبل التوفيق، فوحده الحل العسكري هو القادر على تسوية القضية." (1).
وهذا يؤكد أن حرب 1948، لم تكن حرباً خاطفة، بل كانت حرباً مخطط لها، كما جرى الاستعداد لها بشكل جيد من قبل الغزاة اليهود على الأقل. ففي إطار البحث عن حل لما اعتبرته الحركة الصهيونية "المشكلة العربية" في فلسطين، أي الوجود الفلسطيني، جرى منذ وقت مبكر على نشوء الحركة الصهيونية الإعداد لتفريغ فلسطين من أصحابها الشرعيين. لأن مجرد تواجد الفلسطينيين على أرضهم يقوّض الفكرة الصهيونية القائلة بخلو فلسطين من السكان من أساسها." وفي الواقع، لم تكن فلسطين في سنة 1882، حتى أرضاً "محتلة"، وإنما "أرضاً خالية من البشر." أما الفلسطينيون، السكان الأصليون الذين كانوا يعيشون هناك، فكانوا في نظرهم، إلى حد كبير، كائنات غير مرئية، أو- إن لم يكونوا كذلك- كانوا جزءاً من عقبات الطبيعة التي يجب التغلب عليها أو إزالتها." (2)
هذا في الوقت التي لم يكن هذا الإدراك سائداً لدى سوريا، باعتبار فلسطين الجزء الجنوبي منها، ولا بالنسبة للعروبيين.
بيّن الأستاذ نور الدين مصالحة من خلال كتابه "طرد الفلسطينيين" أن فكرة ترحيل الفلسطينيين عن أرضهم، كانت قد رافقت ظهور المشروع الصهيوني، وإن كانت مناقشتها قد اتخذت في البدايات طابعاً سرياً، إلا أنها منذ ثلاثينيات القرن العشرين أخذت طابعها العلني. وكان الحديث يدور عن ترحيل الفلسطينيين بطرق الإغراء وعلى مراحل. وعندما تبين للقيادة الصهيونية أن الفلسطينيين ومعظمهم من الفلاحين، متمسكون بأرضهم، بدأ التفكير باقتلاعهم بالقوة. فقد أعلن بيرل كاتسنلسن، وهو أهم زعيم عمالي معارض للتقسيم في خطاب متشدد في 2 آب/ أغسطس 1937، أثناء النقاشات التي دارت بشأن اقتراح لجنة بيل البريطانية تقسيم فلسطين:" إن موضوع ترحيل السكان قد أثار النقاش في صفوفنا. . . ولطالما اعتقدت أن هذا أفضل الحلول. وفي أيام الاضطرابات [الثورة الفلسطينية] ازداد اقتناعي بأن هذا الحل لا بد أن يأتي في يوم من الأيام. كنت ولا أزال أعتقد أن قَدَرَهم الترحيل إلى سوريا أو العراق." (3)
وبذلك فإن طرد الفلسطينيين من ديارهم، كان سبباً رئيسياً من أسباب حرب 1948. أي أن هذه الحرب قد خطط لها سلفاً وتم الإعداد لها من قبل القيادة الصهيونية قبل صدور قرار التقسيم.
أسباب الحرب ومقدماتها
ذهب بعض مؤرخي النكبة، مثل د. عبد الله عبد الدائم، إلى أن احتلال فلسطين، بدأ بعدما استقر رأي الحركة الصهيونية على أن تكون فلسطين المكان المنشود لتحقيق الهدف الصهيوني بإنشاء دولة لليهود، حيث بدأت الخطوات التمهيدية بإقناع القوى النافذة في ذلك الحين، بأهمية وصوابية الهدف الصهيوني والفوائد التي يمكن لهذه القوى جنيها جراء تحقيقه، وبالتالي الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية واستعمارها بشتى السبل.
رغم أن الجنود الفلسطينيين في الجيش التركي أتوا بأعمال باهرة في الحرب العالمية الأولى كما يورد فوزي القاوقجي، الذي قضى فترة من حياته مساهماً في المقاومة الفلسطينية ضد البريطانيين واليهود، حيث شارك في الثورة الفلسطينية سنة 1936 وحرب 1948، في مذكراته إلا أنهم انقطعوا عن التدريب العسكري منذ ذلك الوقت، ولم يتح لهم تأليف جيش، كما كان عدد ضباطهم قليلاً جداً بخلاف سوريا والعراق، الأمر الذي أثار شكوك القاوقجي. (4) أما تفسير ما أثار شكوك القاوقجي، فيتلخص بأن البريطانيين الذين تعهدوا إنفاذ المشروع الصهيوني كانوا قد دخلوا فلسطين منذ سنة 1918، أي قبل انتدابهم من قبل عصبة الأمم عليها؛ وبالتالي فإنهم منعوا الفلسطينيين من تكوين أي شكل من أشكال العسكرة أو التسلح أو المقاومة؛ كما أن الفلسطينيين، في ذلك الوقت، لم ينظروا إلى فلسطين باعتبارها كياناً مستقلاً عن سوريا، ما يؤكده د. عبد الوهاب الكيالي في كتابه "تاريخ فلسطين الحديث"، عند الحديث على ردة الفعل الفلسطينية على مقررات مؤتمر السلم في باريس الذي أبرز مطامع بريطانيا وفرنسا في السيطرة على المشرق العربي؛ فيذكر أن الجمعية الإسلامية المسيحية في القدس ارتأت قبل وصول لجنة كنغ- كرين بأسبوع إصدار منشور يتضمن وجهات نظرها التي تعتزم عرضها على اللجنة. وأكد المنشور أن فلسطين- سوريا الجنوبية- هي جزء لا يتجزأ من سوريا (5). ونفس الأمر أكده الوفد الفلسطيني إلى المؤتمر السوري الأول (تموز، يوليو 1919) في البند الثامن من برنامج دمشق الذي نص على: "إننا نطلب عدم فصل القسم الجنوبي من سوريا المعروف بفلسطين والمنطقة الساحلية التي من جملتها لبنان، عن القطر السوري ونطلب أن تكون وحدة البلاد مصونة لا تقبل التجزئة بأي حال كان." (6)
في القابل فإن ضباطاً بريطانيين ساعدوا المهاجرين اليهود في إنشاء منظمة عسكرية فعالة وهي منظمة الهاغاناه، أثناء " التحضيرات الصهيونية للتمكن من الاستيلاء على البلد بالقوة." (8)
وكان الضابط البريطاني أُورد تشارلز وينغيت قد جعل القادة الصهيونيين يدركون، بصورة أفضل، أن فكرة إقامة دولة يهودية يجب أن تقترن بشكل وثيق بتحضيرات عسكرية، وإنشاء جيش، لأن الأعمال المسلحة الهجومية من شأنها أن تشكل رادعاً فعالاً ضد المقاومة المحتملة للفلسطينيين (9)
ويذكر المؤرخ الفلسطيني محمد عزة دروزة " إن الإنكليز أخذوا في تنفيذ المنهج اليهودي بكل حماس وقوة منذ البدء. فقد فتحوا أبواب فلسطين للهجرة اليهودية. . . واستقبلوا وايزمن وزعماء اليهود الآخرين بالحفاوة، وسمحوا لهم بإعلان آمالهم وأهدافهم منذ وقت مبكر." (10).
ويوضح القاوقجي في مذكراته أن الصهيونية كانت تستخدم جيش بريطانيا في فلسطين، ورجالات الإدارة فيها "تسمح بجلب المهاجرين من اليهود بصورة شرعية وغير شرعية، أضعاف ما هو مقرر، ويستوردون الأسلحة سراً وعلانية" (11).
أتاحت ثورة 1936- 1939الفرصة لأعضاء الهاغاناه كي يطبقوا في المناطق الريفية الفلسطينية التكتيكات التي تعلموها من ويغنت، والتي اتخذت على الأغلب شكل عمليات انتقامية ضد أهداف كالقناصة الكامنين بجانب الطرقات. وكما يبدو كان الهدف من وراء هذه العمليات زرع الخوف في قلوب الفلسطينيين القاطنين قرب المستعمرات اليهودية.
وقد نجح ويغنت في ربط الهاغاماه بالقوات البريطانية خلال الثورة الفلسطينية كي تتعلم بصورة أفضل، ماذا يجب أن تتضمن مهمة تأديبية" ضد قرية فلسطينية.
ويتذكر أماتسيا كوهين، الذي شارك في أول عملية من هذا النوع عام 1938، عندما هاجمت وحدة تابعة للهاغاناه وسرية بريطانية معاً قرية على الحدود بين فلسطين ولبنان، الرقيب البريطاني الذي شرح لهم كيف يستخدمون حربة البندقية عندما يهاجمون القرويين الفلسطينيون العزّل. "ولو كان هذا الرقيب موجوداً في فلسطين سنة 1948 لكان شعر بالفخر لدى رؤية السرعة التي أتقنت فيها القوات اليهودية فن مهاجمة القرى."(12)
وكان للجانب الرسمي العربي دوره السلبي الذي تسبب في الحرب: ففي حين قدرت اللجنة العسكرية لمجلس الجامعة العربية القوات اليهودية بستين ألف شخص مدرَّب ومسلَّح بأحدث الأسلحة، ورغم معرفة مجلس الجامعة بحقيقة قوات جيش "الهاغاناه" و"البالماخ"، وعصابة "شتيرن"، وبوليس المستعمرات، وقوى سكان المدن والمستعمرات، فقد اتخذ قرارات هزيلة للتصدي للخطر المحدق بفلسطين، حين قرر تقديم عشرة آلاف بندقية إلى أهل فلسطين، وثلاثة آلاف متطوع. ومع ذلك تمكنت هذه القوة الهزيلة ، بالتعاون مع الفلسطينيين، من تسجيل بطولات كبيرة، أجبرت اليهود على التقهقر، ما اضطر مجلس الأمن، إزاء تدهور أوضاع اليهود، إلى إهمال قرار التقسيم (13).
ويرى د. عبد الله عبد الدائم أن قرار الجامعة العربية بدخول الحرب إنما حدث، ظاهرياً، بفعل نقمة الجماهير العربية إزاء صمتها وجودها، واكتفائها بالتصريحات والاجتماعات؛ لكن الأحداث والوثائق كشفت بعد ذلك عن أن هذا القرار لم يتم فعلاً إلا بعد موافقة بريطانيا عليه، وبعد أن قيّدته بشرط أفقده معناه، وهو أن يقتصر هدف هذه الجيوش العربية على حماية الأراضي التي خص قرار التقسيم العرب بها، وقد عبرت عن ذلك بوضوح المفاوضات التي جرت بين المستر بيفن وزير الخارجية البريطاني، وبين وفيق أبو الهدى، رئيس الوزارة الأردنية، في ربيع عام 1948(14).
وعن استعدادات الجانب العربي بما فيه الفلسطيني، يذكر القاوقجي: أنه عرف، أثناء زيارته للبنان عشية حرب 1948، ( آذار/ مارس 1947)، أن التسليح الشعبي غير قليل، وأنه تأكد أن هناك إمكانيات واسعة لتشكيلات مسلحة قوية، يمكن الاستفادة منها إلى حد بعيد، في معركة فلسطين التي كان يحس أنها تقترب منه بسرعة فائقة. فكتب إلى الحاج أمين الحسيني في مصر، شارحاً له الحالة بوضوح، كما خبرها، ومبيناً له قيمة الاستفادة من الإمكانيات الشعبية، إذا عُمل على تنظيمها. لكن القاوقجي لم يتلقَّ جواباً، وقدعلم فيما بعد، أن المفتي كان يعتمد على تشكيلات شعبية فلسطينية باسم "الخلايا" منتشرة في أنحاء فلسطين كلها، وكان يعتقد أنها من القوة بحيث تستطيع أن تحل قضية فلسطين، وأن كل ما يطلبه من الدول العربية، هو أن تموّنه بالمال والسلاح والعتاد. (15)
فيما بينت الاعتداءت اليهودية، خصوصاً على الجيش البريطاني، في فلسطين مقدار تنظيمهم وتسلحهم، ومدى استعدادهم العسكري وكثرة ما يملكون من مواد متفجرة وأسلحة أوتوماتيكية، بحيث بدا الجيش البريطاني حيال هذه الاعتداءات ضعيفاً ومتردداً. وهو أمر كان يجب أن "يحملنا على أن نحسب لهم حساباً. . على أنني وإن كنت حتى ذلك الحين، غير مطلع اطلاعاً حقيقياً على مبلغ ما في فلسطين من استعداد، لدى العرب، من ناحية التنظيم والتشكيلات والتسلح، فقد كنت أميل إلى الاعتقاد بأن الحالة حسنة من هذه الناحية، كلما تذكرت ما قاله لي سماحة المفتي." (16)
ويتضح من خلال سرد القاوقجي لمجريات ووقائع عشية حرب 1948، أنه كان مطمئناً إلى أقوال المفتي، وأنه إذا حدث ما من شأنه أن يصدع هذا الاطمئنان، فإنه كان يبادر إلى تذكر ما كان يتمتع به المفتي من نفوذ وسلطان في ألمانيا وإيطاليا، ما كان يحمل على الاعتقاد أن الأوساط الألمانية والإيطالية، وهي تسعى للتقرب من العالم العربي والإسلامي، فإنها لابد أن تزوده بالأموال التي يحتاجها. (17)
إن ما يقدمه القاوقجي من معلومات، تستدعي الكثير من التأمل والتدقيق؛ أولاً: لجهة الدعم الألماني والإيطالي للمفتي؛ فمع الأخذ بالاعتبار ما تبيّن من التعاون بين النازية والصهيونية، يمكن اعتبار أن المفتي وقع ضحية مكيدة. وهو ما يمكن الاستلال عليه من خلال ما أورده غِرهَرد هُب في كتابه "العرب في المحرقة النازية ضحايا منسيون! ؟" حيث يرى أن التكهنات المتعلقة بحقيقة زيارة لمفتي أثناء إقامته في ألمانيا لمعسكرات الاعتقال النازية، أمر متنازع عليه، و بإساءات أخرى صادرة عن المفتي، تبدو بالنظر إلى تعاونه الثابت الذي لا يشك فيه، مع النازيين، فائضة عن الحاجة على نحو كامل في الحقيقة، إلا إذا كانت تتابع الهدف المتمثل في إضفاء صفة الشيطان على أمين الحسيني، واتخاذه، على هذا النحو، في حلبة الصراع الدائر في تلك الأيام حول فلسطين، أداة سياسية، في صورة "هراوة عَقدِية" (18)." أما فيما يتعلق بالنقطة الثانية التي أثارها القاوقجي عن المعونات التي كانت تتدفق على المفتي من الخارج، ففيها غمز من قناة المفتي، إن لم تكن اتهاماً صريحاً، خاصة أن القاوقجي يعلن، عند التقديم لمذكراته أنه يرغب في إظهار الكثير من الحقائق لتي لم تكن معروفة حول ما حدث في حرب 1948. وليس ثمة ما يجلو هذه الحقيقة في المتوفر من المصادر التي تناولت النكبة.
على أية حال، فإن ثلاثة ممن عايشوا النكبة وأرخوا لها وهم: الفلسطيني محمد عزت دروزة، واللبناني فوزي القاوقجي، والإسرائيلي إيلان بابيه يلتقون حول نقطة واحدة مفادها أن الاستعدادات العربية لمواجهة الهدف الصهيوني المدعوم من الغرب، والمتمثل بإقامة دولة لليهود على حساب الحقوق الوطنية الفلسطينية، تركزت على الاستعدادات اللفظية؛ ففي حين كتب دروزة حول أثر عدم جد العرب وتبعته قائلاً: أن العرب كانوا ينذرون بمقاومتهم للتقسيم بالقوة ويقولون أنه سيثير اضطرابات دموية في فلسطين والشرق الأدنى. وعلى صواب هذا الإنذار وتحققه بعد التقسيم وعلى أن له طابع المؤثر الأقوى في الموقف فقد كان استعداد العرب لتحقيقه ضعيفاً بطيئاً مرتجلاً بالرغم مما كان يجيش في نفوسهم من حماس وغيرة ورغبة صادقة، وبالرغم من أن النضال المسلح كان المصير المحتوم والمتوقع منذ اجتماع مجلس لجامعة في بلودان في حزيران/ يونيو 1946 على الأقل. (19) ما أكده القاوقجي من أن حمى المؤتمرات والاجتماعات أخذت تسري بشكل غريب، حتى كاد لا يسلم منها رأس سياسي ولا عسكري، وأخذ نشاط الرسل والوفود بين الأقطار العربية يشتد، حتى ليخيل إلى المرء أن عواصم البلدان العربية كلها، غارقة في مؤتمر واحد لا ينقطع. واسم فلسطين على كل لسان، والحرب مع اليهود حديث كل فرد كأنما الأقطار العربية في حالة "نفير عام". (20)
ولا يخفي القاوقجي ارتيابه من عدم جدية الاستعدادات للحرب، من قبل الأنظمة العربية، رغم أن ما كان يظهر عليهم يبدي خلاف ذلك. فيذكر أنه في 10 تشرين الأول/ أكتوبر 1947 عقد في قصر الجمهورية في دمشق وبحضور فخامة الرئيس الأول شكري القوتلي اجتماعاً من أجل فلسطين، حضره رئيس الحكومة السيد جميل مردم والعميد طه الهاشمي، ومن الفلسطينيين السيدان معين الماضي وعزة دروزة. وقد لمس القاوقجي في حديث هؤلاء السادة، ما يدل على أنهم ينحون نحواً، يختلف اختلافاً تاماً، عما كان قائماً في ذهنه بشأن فلسطين، نحواً لعله يبدو لأول وهلة بمظهره المنطقي الخارجي، أنه لا غبار عليه. وهو يتلخص بما في هذه العبارة من دلالات. " إن قضية فلسطين لا تحل إلا بالقتال، تقوم به الجيوش العربية النظامية، ولكن يجب أن يسبق القتال نشاط سياسي قوي شامل في دوائر هيئة الأمم المتحدة، ولدى دولها كلها، فلعل هذه الدول تتهيب الموقف وتبادر إلى حل القضية بطرق سلمية، فإن هي لم تفعل، فإننا نقذف إلى الميدان بجيوشنا النظامية ونحطم اليهود." (21)
وقد أدرك القاوقجي بحسه العسكري أن "وراء هذه الأقوال أمراً، وكأنما يقولونها وكل واحد منهم يعتقد- دون أن يفضي إلى الآخر- أن بريطانيا وأمريكا ستحولان حتماً دون وقوع حرب في فلسطين. . . وبالنتيجة فإنهم لن يحاربوا." (22) ويؤكد بابيه ما توصل إليه القاوقجي من عدم نية الأنظمة الرسمية خوض الحرب، فيذكر أن التغيير الوحيد، الذي يمكن ملاحظته، في السلوك العربي العام فور انتهاء الانتداب تمثل في الخطاب البلاغي. (23)
الحرب المزيفة
كتب نجيب صدقة عام 1946: " وبعد دخول البريطانيين إلى سوريا ولبنان وتقلّص النفوذ الفرنسي، ظهرت في جميع البلدان العربية نزعة إلى التفاهم والتضامن ترتكز على ما بين هذه البلدان من صلات وثيقة ومصالح مشتركة، ويشجعها ما بدا من الحكومة البريطانية من العطف عليها."(24) ويتابع صدقة أن النحاس باشا (رئيس الحكومة المصرية في حينه) بادر إلى إجابة هذه الدعوة الصريحة، التي أفضت إلى عقد مؤتمر في الإسكندرية عام 1944، حضر هذا المؤتمر إلى جانب مصر مندوبو كل من اليمن والمملكة السعودية وسوريا ولبنان وشرقي الأردن والعراق، و وضعت فيه مقررات أشهرها "البروتوكول" الذي يسجل اتفاق الدول العربية على مبدأ التعاون والتضامن والانضمام إلى هيئة تدعى "جامعة الدول العربية". وقد مثلت فلسطين في مؤتمر الإسكندرية بالسيد موسى العلمي الذي عرض قضية فلسطين على المؤتمرين، ودعاهم إلى المساهمة في إنقاذ أراضيها وخدمة قضيتها العامة. فأسفر المؤتمر عن قرار يطالب بتنفيذ الكتاب الأبيض ويرجئ بحث قضية الأراضي إلى موعد آخر. والجدير أن ميثاق الجامعة العربية خص فلسطين بملحق خاص أقر بموجبه: أنه نظراً لظروف فلسطين الخاصة، يتولى مجلس الجامعة اختيار مندوب عربي من فلسطين للاشتراك في أعماله. (25)
أخذ صدقة على الجامعة العربية إحالتها قضية الأراضي إلى اللجنة الاقتصادية التي لم تسفر المناقشات الطويلة التي أجرتها حول هذه القضية عن شيء، معتبراً أن "ليس هذا البطء المؤسف هو المظهر الوحيد التهامل الجامعة العربية في قضية فلسطين، بل إن هناك دلائل أخرى أشد خطورة على هذا التهامل". (26)
وفي هذا دليل على أن الجامعة العربية لم تكن جدية في التصدي لنكبة فلسطين. ويبدو أن الحاج أمين الحسيني كان مدركاً لهذا الأمر، لذلك فقد عارض خطط الجامعة العربية في الحرب، ويظهر هذا واضحاً في مذكرات القاوقجي حيث يقول: " كان سماحة المفتي في خلال هذه المدة[ تجهيز الجيوش العربية النظامية خريف 1947]، يعلن أمام الرجال الرسميين أنه لا يقبل أن أتسلم قيادة جيش المتطوعين. وكان هؤلاء الرجال، وغيرهم من الرجالات غير الرسميين، يحاولون إقناعه بضرورة تسلمي القيادة من أجل خير فلسطين، فيصرّ على الرفض. . . فصارحوه بأن الأفضل والأليق أن يعلن قبوله، من أن يفرض عليه الأمر فرضاً ". (27)
ويورد نجيب صدقة في كتابه عن قضية فلسطين، أن إنكلترة، أوفدت الكولونيل نيو كومب إلى بغداد عام 1940 فعقد مشروع اتفاق بين السيدين جمال الحسيني وموسى العلمي لتقريب أجل الاستقلال وتقصير فترة الانتقال التي حددها الكتاب الأبيض بعشر سنوات (28). وربما يفسر هذا الاتفاق تقاعس هذه الزعامات عن الاستعداد للحرب. فقد أطلق الزعيم المصري السيد فهمي النقراشي باشا، تصريحاً في أحد اجتماعات مجلس الجامعة العربية في تشرين الأول/ أكتوبر 1947، جاء فيه، " أن مصر لن تشترك في (مظاهرة عسكرية) مع الدول العربية من أجل فلسطين. . . فلتعمل الجيوش العربية حسابها على هذا الأساس". ويعلق القاوقجي قائلاً: هكذا كان موقف الدول العربية وهي تستعد إنقاذ فلسطين، وهذا ما كان يشغلها في الدرجة الأولى، وبعد هذا بمراحل بعيدة جداً، تأتي قضية فلسطين (29). لذلك فإنه عندما قررت مصر، في اللحظة الأخيرة فقط، وقبل يومين من انتهاء الانتداب، المشاركة فيما اعتبرته مظاهرة عسكرية فإنها أرسلت قوة تكونت من 10.000 جندي؛ واشتملت هذه القوة التي أفرزتها الحكومة لأداء المهمة، على فرقة كبيرة، بلغ نحو 50% من عديدها من الإخوان المسلمين المتطوعين الذين كانوا معتقلين، وقد أفرج عنهم في أيار/ مايو 1948 كي ينضموا إلى الحملة العسكرية المصرية. غير أنهم لم يكونوا مدربين على القتال (30).
حالة الجيوش العربية عشية النكبة يشرحها القاوقجي (31) فيذكر أنه: تسلم قيادة جيش الإنقاذ رسمياً يوم 7 كانون الأول/ ديسمبر 1947، وبدا بتشكيل هيئة القيادة والمقر، وقد كان مراقباً بدقة من قبل المفتش العام لجيش الإنقاذ العميد طه الهاشمي، بسبب شكوك القيادة السورية من إمكانية تعاون القاوقجي مع الملك عبد الله، أو إعلانه إدارة مستقلة في فلسطين تقود إلى انقلاب في سوريا. وكان اللواء اسماعيل صفوة ينقل للقاوقجي خبر هذه المخاوف، قائلاً أنه كان يحاول أن يمحوها من نفوسهم، بقوله لهم، مادام المال والعتاد بين ايدينا، فلا مجال للتخوف، لأننا قادرون في كل وقت، أن نقضي على كل حركة قد يخطر له القيام بها. وكأنه يريد إفهام القاوقجي، بأنهم قادرون في كل وقت أن يقضوا على كل حركة قد يخطر له القيام بها. وبالفعل فقد طبق هذا التهديد تريجياً ، حتى جاء وقت لم يكن فيه لجيش الإنقاذ، من العتاد ما يكفيه للدفاع عن نفسه، إذا هو هوجم. وفوق ذلك فقد نشطت القيادات المحلية في فلسطين، المرتبطة رأساً بسماحة المفتي، إل لعمل لعرقلة حركات جيش الإنقاذ، وبذر بذور التفرقة بينه وبن الفلسطينيين. بالإضافة إلى أن جيش الإنقاذ، كما يقول القاوقجي، كان يجهل تماماً وضع اليهود، من حيث عدد المقاتلين، ومقدار أسلحتهم، ومدى استعدادهم. وكانت المعلومات التي تردهم حول هذا الموضوع من مصادر متعددة متناقضة: فتارة تصل لمبالغة في وصف قوة اليهود إلى حد يدخل الذعر في النفوس، وتارة كانت الأخبار تصورهم من الضعف بحيث يخيل للسامع أن العرب سيصلون في سباق إلى تل أبيب، وبدون توقف.
وعند الخطوة العملية الأولى فوجئ القاوقجي، كما يقول، بتصريحات جديدة، على جانب كبير من الخطورة، وهي أن الجيش السوري نفسه، غير مستعد للقتال، وأنه ينقصه السلاح والعتاد. . . وأن معارك أسبوعين أو ثلاثة تكفي لتستنفذ منه آخر طلقة. . . وبمثل هذا أخذ المقربون من الحكومات العربية يهمسون عن جيوشها.
ويصف القاوقجي العميد طه الهاشمي، المفتش العام لجيش الإنقاذ، بأنه ضابط ركن جيد، ولكنه ليس قائداً. ومن هنا، جاءت النظرية، التي هي أيضاً سبباً من أسباب تأخر النجدة عن فلسطين، فقد كان المفتش العام يحب أن يسير في تدريب المتطوعين على أسلوب يتفق مع أسلوب تدريب الجنود، الذين جندتهم الخدمة الإجبارية. في حين أن دقة الظرف وخطورته في فلسطين تتطلب اختصار الوقت، والإسراع في النجدة، والاعتماد في إتمام النقص الذي قد يبقى في بعض فروع تدريب المتطوع، على شخصية لقائد وعلاقة جنوده به، من جهة، وطبيعة المعارك التي سيخوضونها من جهة أخرى. .
وكان سماحة المفتي ماضياً من بعيد في تأليف جماعات مسلحة في فلسطين كيفما اتفق، يسمي لهم قادة، أفراداً قد يكونون شجعاناً ولكنهم جهلاء، يحتفظ بهم للمستقبل. وأخذت ترد على المتطوعين الفلسطينيين في معسكر قطنا (جنوب سوريا)، رسائل باسم الهيئة العليا تطلب منهم الفرار بأسلحتهم من المعسكر والالتحاق بهذه المجموعات التي تنتمي إلى سماحة المفتي، وقد عمل بهذه " النصيحة" كثير من هؤلاء المتطوعين المساكين.(32)
يفند اللواء الركن خليل سعيد من الجيش العراقي، الذي خاض معارك وادي الأردن علم 1948، بعض ما جاء في رواية القاوقجي بصدد عدم معرفة حقيقة القوات المسلحة الصهيونية، فيذكر أن الحقائق التي انكشفت عند القتال الفعلي، أظهرت أن المسؤولين العسكريين (العرب) كانوا يعرفون كثيراً عن حقيقة القوات المسلحة الصهيونية. ويستدل على ذلك بسهولة من خلال الاطلاع على ما ورد من التفاصيل في نشرة الاستخبارات الرقم (1) التي أصدرتها القيادة العامة للجيوش العربية (في الزرقاء) يوم 14/ 5/ 1948 عن تحصين المستعمرات اليهودية وتسليحها والتشكيلات اليهودية وتفاصيلها وتدريبها واستخباراتها. . . إلخ.
وتوضح نشرة الاستخبارات، أنه كان لدى اليهود في 15أيار/ مايو 1948، قوة تقدر بـ 65 ألف مسلح، وأن تنظيمها كان معقداً. (33) فيما كانت تجهيزات الجيوش العربية مبعثرة وهزيلة، بالإضافة إلى عدم تخطيطها ودرايتها، فقد قررت الأنظمة العربية خوض حرب إنقاذ فلسطين على هذه الشاكلة.
وكان أنطون سعادة مؤسس الحزب السوري القومي الاجتماعي قد تنبه لهذا الأمر فكتب يوم 2 تشرين الثاني/ نوفمبر 1947 رسالة إلى القوميين السوريين بعنوان "في صدد وضع فلسطين يقول:" وفي فلسطين استمرت الحزبية الخصوصية سائدة حتى خرج الأمر من يد السوريين إلى يد "الجامعة العربية" تقرر وتبت فوراً. وبريطانيا وأميركانيا وروسيا تصغي، كل واحدة منهما، إلى حركة فلسطين الخصوصية حيناً، وآناً إلى "الجامعة العربية" مختارة ما تحب وما يوافقها أكثر. أما اليهود فكانوا كل الوقت يشتغلون كثيراً مجتمعين في قضية واحدة هي قضية "الوطن القومي اليهودي" الذين يريدون إنشاءه على حساب السوريين. . . ولما بات أمر التقسيم مقرراً، وصارت المسألة مسألة كيفيات وحينيات، قامت السياسة عينها، المسؤولة عن وصول المسألة إلى هذا الحد، تنادي وتدعو إلى "الجهاد" وتستفز وتحرِّض لتعيد تمثيل محاولة جديدة من تلك المحاولات الاعتباطية. إن الاستفزاز والتحريض، كان يجب أن يبدل بهما التنادي إلى التعاون القومي المنظم. وإن الحركات الحربية كان يجب أن تهيأ من قبل، لا أن ترتجل كقصيدة صغيرة في عرس!" (34).
في 30 نيسان/ إبريل 1948، اجتمع رؤساء أركان الجيوش العربية لكل من العراق ومصر والأردن وسوريا ولبنان في عمان لوضع الخطة العسكرية النهائية لحملة فلسطين، بعد قرار الجامعة العربية استخدام القوة وإرسال الجيوش النظامية العربية يوم 15 أيار/ مايو إلى فلسطين لتحريرها. وبعد مناقشة الموقف، اتفق رؤساء الأركان أن التغلب على القوات اليهودية في فلسطين يتطلب خطة محكمة للجيوش المشاركة على أن تجهز بعدد كاف من الجنود والعتاد، وان تكون تحت قيادة موحدة. ولكن هذه الخطة رفضت لدى عرضها على اللجنة السياسية للجامعة العربية، التي أقرت خطة مغايرة، تم بموجبها إسناد القيادة العامة إلى الملك عبد الله نزولاً عند رغبته.
بعض من ملامح الحرب (35)

لما هم الجيش الأردني بدخول فلسطين، رغب الملك عبد الله بإلقاء كلمة في الجيش المتوجه إلى فلسطين، فهبت عاصفة منعته من تحقيق رغبته. وقد علّق الضابط الأردني عبد الله التل الذي شهد وقائع حرب 1948 بالقول: "من يدري، لعل تلك العاصفة كانت ظاهرة ربانية أرسلت لتصفع الباطل وتحتج على سوق الأبرياء إلى معركة ظاهرها الإخلاص وباطنها شر مستطير أودى بفلسطين ومعها كرامة الأمة العربية بأسرها". (36)
وبعد عودة الملك عبد الله إلى عمان، جمع الفريق غلوب قادة الفرقة والألوية والكتائب وأركان حربهم، وكان التل من بينهم، وأبلغهم أن الجيش سيدخل بعد الساعة الثانية عشر إلى فلسطين عن طريق جسر اللنبي- أريحا- الجفتلك- نابلس. وأنهى حديثه دون أن يتعرض لجوهر الموضوع، وهو "القصد" من دخول الجيش العربي إلى فلسطين. وقد تجاهل واجبات القائد في الميدان التي تحتم عليه أن يقدر الموقف الحربي ثم يعطي المواقف الحربية بالتفصيل، وأهم مادة فيها هي "القصد" ثم الطرق الموصلة إلى ذلك القصد. وهكذا اكتفى غلوب باشا بأن يكون لدى قائد الفرقة وقادة الألوية علم بالمناطق التي ستعسكر بها الكتائب في فلسطين. ما جعل الضباط يتساءلون (همساً) عن الأسباب التي جعلته يختار الطريق الطويلة غير المعبدة لمرور الجيش إلى نابلس، ولم يختر طريق أريحا- القدس. ولم يطل تساؤل الضباط فقد أعلن غلوب باشا أنه يرغب في الاجتماع بقائد الفرقة وقادة الألوية والكتائب؛ ولدى اجتماع كبار الضباط حول غلوب، بدأ بشرح الأسباب التي جعلت الجيش العربي يتجه إلى نابلس ويتحاشى المرور بالقدس.
ما يظهر بأن الاتفاق بين الملك عبد الله واليهود على أن تقتصر مهمة الجيش العربي في الدفاع عن المناطق التي خصصها قرار التقسيم لقيام دولة عربية، مقابل منح هذه المناطق للملك عبد الله كي يضمها لمملكته،إ كان قد نال موافقة كل من الجامعة العربية. ولم يخفِ الملك عبد الله هذا الأمر حين قال: "سننقذ فلسطين إن شاء الله ونضمها إلى شرق الأردن ولا بد لنا من مرفأ وسيكون هذا المرفأ حيفا". (37)
ولدى عرض التل لتفاصيل الأوامر التي أصدرها غلوب لكتيبته، يتضح أن المهمة الحربية التي أنيط بالجيش الأردني خوضها كانت خدعة لهم وليس لليهود، حيث تم التركيز على حماية خطوط الإمداد والرجعة. (38)
وفيما يتعلق بالخطة العامة للجيوش العربية، تساءل التل، إن كانت ثمة خطة موجودة حقاً أم لا، ولكن ما كان واضحاً لجميع العسكريين.
ولدى استعراض التل ضباط الجيش العربي (الأردني) الكبار من قادة الكتائب فما فوق، يتبين أنهم كلهم من الإنكليز ما حدا به للقول: " ولأول نظرة لهذا البيان سيحكم القارئ بأن هذا الجيش وحدة إنكليزية كأي وحدة من وحدات الجيش البريطاني. حتى أنني لا أجرؤ على تشبيه الجيش العربي بفرقة من الهنود أو الجوركا الذين كانوا يعتبرون من صميم الجيش الإنكليزي، لأنني أعتقد بأن حال الجيش العربي أسوأ بكثير من حال فرقة هندية". (39)
ويذكر القاوقجي، أن اليهود بدأو نشاطهم الحربي وحصروه في منطقة يافا، وأنه كان نشاطاً قوياً، فأخذ الفلسطينيون في تلك المنطقة يستصرخون القاوقجي لنجدتهم، فلا يستطيع أن يفعل، لأن منطقة يافا لم تكن ضمن منطقة نفوذه. ولكنه رغم ذلك أخذ على عاتقه أن يفعل شيئاً، فأوعز إلى المقدم صفا إرسال مفرزة من فوجه إلى قرى يافا ويستنفر المسلحين من الأهلين للقتال معه، ففعل إلا أن ذلك لم يحل دون تغلب اليهود عليهم، لأنه حسب زعم القاوقجي ، لم يكن لديه من القوات ما يمكنه من الاستغناء عن أية قوة في منطقته. بعد ذلك توجه وفد من يافا إلى دمشق ينبئ بسوء الحالة، وشدة الخطر، إلا أن القيادة العامة لجيش الإنقاذ أمدتهم بالقليل الذي لم يكن يلبي الحاجة.
كما يذكر القاوقجي أن القوات البريطانية، كانت تساعد القوات اليهودية أثناء المعارك التي كانت تخوضها ضد قوات جيش الإنقاذ. كما يشير إلى أن المفتي كان قد انقلب عن التعهد المكتوب الذي قدمه للواء اسماعيل صفوة في القاهرة بواسطة الجامعة العربية، بأنه لن يتدخل في أمور القيادة والحركات العسكرية مطلقاً في شباط 1948.
يصف القاوقجي الحالة الداخلية في فلسطين غداة دخوله إليها: كان هناك عملاء كثر، يعملون بنشاط في مناطق متعددة، لمرجعين مختلفين. ففي منطقة الخليل مثلاً ويافا، كان عملاء الملك عبد الله يوزعون بعض الأسلحة والعتاد والأموال ويبثون روح البغض للهيئة العربية العليا ورئيسها المفتي. وكانت منطقة القدس بما فيها رام الله ومنطقة اللد والرملة، مسرحاً خاصاً للمفتي. وفي هذه المنطقة كان مركز القيادة العامة "للجهاد المقدس" الذي كان يراسه عبد القادر الحسيني، وكانت منطقة غزة ميداناً يتزاحم فيه عمال الملك وعمال المفتي ولكن أكثريتها مع الملك. ومنطقة جنين- نابلس- طولكرم، أو ما يسمونه "بالمثلث، كان يتجاذبها عمال الملك من جهة، وعمال المفتي، ولكن بشكل ضعيف، من جهة أخرى، وكانت بأكثريتها تميل إلى سورية والجامعة العربية. وفي المنطقة الشمالية، الجليل- الناصرة، وفي حيفا كذلك، كانت الحالة شديدة الشبه بحالة منطقة جنين- نابلس- طولكرم.
ولعل هذا الانقسام عاملاً إضافياً من عوامل الهزيمة؛ إلا أن القاوقجي، وفي صدد تعاطيه، مع هذا الواقع، أعلن، كما يزعم، أنه إنما جاء إلى فلسطين للقيام بواجب سيتعاون مع الفلسطينيين كافة للقيام به. وهذا الواجب هو الوقوف في وجه اليهود، وحماية هذه المنطقة من عدوانهم، ومهاجمتهم لإنقاذ ما يمكن من الأراضي الواقعة بين أيديهم. لذلك فإنه لن يتساهل مع أي فريق، أو أي فرد يخل بالأمن، أو يكون سبباً للإخلال به، وإنه سيطبق النظام بدقة وشدة إلى أن تدخل الجيوش العربية النظامية إلى فلسطين. (40)
وعليه، يزعم القاوقجي أن جيش الإنقاذ، رغم قلة إمكانياته، مقارنة بإمكانيات اليهود، إلا أنه كان يتمتع بحماسة واندفاع شديدين في القتال، إلى حد كان يقدم معه على أعمال حربية هي بالمغامرة أشبه. إلا أن طلباته المبنية على الحاجة الملحة، من اللجنة العسكرية في دمشق، بهذا الشأن، وغيره من شؤون تتعلق بالسلاح والعتاد، كانت تبقى بلا جواب. وفي حال أجيبت أحيناً، تجاب بإرسال كمية ضئيلة لا تغني. (41)
دعا جيش الإنقاذ المسلحين الفلسطينيين للانضمام إليه على أن تخصص لهم رواتب أسوة بجنوده، وأن يتم إمدادهم بالعتاد أيام المعارك، إلا أن اللجنة العسكرية المرتبطة بالجامعة العربية رفضت دفع ما تعهد به لهم جيش الإنقاذ. ورغم ذلك تمكنت قوات جيش الإنقاذ بمساعدة المقاومين الفلسطينيين من صد بالكثير من هجمات العصابات الصهيونية التي كانت تتمتع بمساعدة القوات البريطاني. (42)
يعرض عبد الله التل تفاصيل وقائع الحرب التي أدت إلى كارثة فلسطين، فيذكر أن الإنكليزي غلوب باشا قائد الجيش العربي/ الأردني، لدى تشكيله الألوية المزمع خوضها الحرب في فلسطين، أوهم العرب بكثرة هذه الألوية، كما أوكل قيادات التشكيلات العسكرية إلى ضباط إنكليز زودوا بمعدات جيدة وكثيرة، أو أردنيين من الشرطة والدرك الذين ليست لهم خبرة في القتال وكانت معداتهم هزيلة. ويخلص التل من ذلك إلى أن السياسة العليا الأردنية عملت على زج الجيش العربي في فلسطين لا ليحارب، بل لتنفيذ المؤامرة. فعند وصوله (التل) إلى أريحا يوم 10/5 / 1948، ذهل لدى رؤيته اليهود قرب أريحا يسرحون ويمرحون دون أن يعترضهم، أو يراقبهم أحد، رغم تهديدهم لمنطقة أريحا بكاملها وهي منطقة تموين الجيشين العراقي والعربي. ولما اتصل بغلوب باشا طالباً السماح له بمهاجمة المنطقة واحتلالها، أجابه: " يا حبيبي احنا نفاوض الوكالة اليهودية ومدير الشركة "نوفومسكي" على استلام المنطقة كلها وحمايتها لتستمر بأعمالها خصوصاً أن الشركة إنكليزية". (43) ثم لم يلبث التل أن أُمِرَ بتجريد المنطقة من السلاح بناء على اتفاقية سخية، حسب تعبيره، بين اليهود والقيادة الأردنية وبوساطة بريطانية، أفضت إلى تعيين حاك عسكري أردني للمنطقة، إرسال مفرزة من جنود الدرك، حيث تم نهب المنطقة وإرسالها إلى بيوت اللصوص الكبار في عمان وأهمهم "سماحة" الشنقيطي وزير المعارف آنئذ وأمير اللواء عبد القادر باشا الجندي والشيخ مناور عن القصر. وقد قدرت قيمة المسروقات بما لا يقل عن مليون جنيه فلسطيني.
وكمثال على سير المعارك سيتم تناول معركة القدس كما رواها عبد الله التل. يذكر التل أن العرب رغم معارضتهم لتدول القس، إلا أنهم أظهروا رغبة في تجنيبها ويلات الحرب بموافقتهم علة تعيين رئيس مشترك لبلدية القدس، كان يمثله في المدينة السنيور أسكراتي الذي كان سكرتيراً للجنة القنصلية للهدنة، وبموافقتهم كذلك على الهدنة التي رتبها المندوب السامي مع الأمين العام للجامعة العربية مع الأمين العام للجامعة العربية في أريحا يوم السابع عشر من شهر أيار/ مايو 1948، ووافق اليهود عليها وسرت بالفعل من صباح الثامن من أيار/ مايو حتى نهاية الانتداب.
احتل اليهودجزءاً من القدس تحت ستار الهدنة وخرقاً لها في أهم المناطق الاستراتيجية خارج السور وهي: معسكر اللنبي- معسكر العلمين- دير أبو طور- النبي داوود- المسكوبية- المستشفى الإيطالي- نوتردام- المصرارة- باب العمود- سعد وسعيد- الشيخ جراح.
ولم يبقَ للفلسطينيين من أحياء القدس خارج السور سوى باب الساهرة ووادي الجوز. وكان الفلسطينيون كلما احتجو لدى لجنة الهدنة والصليب الأحمر على خرق اليهود للهدنة يتذرعون بأن ذلك من فعل جماعات يهودية منشقة وهي المسؤولة عن ذلك ولا حول لهم في منعها.! (44)
ويتحدث إيلان بابيه عن خيانة الأمم المتحدة، التي كان يتوجب عليها الإشراف على تنفيذ قرار التقسيم، خاصة أنه تضمن أموراً إلزامية واضحة جداً، منها التعهد بمنع أية محاولة من الطرفين لمصادرة أراض تعود ملكيتها إلى مواطني الدول الأخرى. ولم يقم ممثلو الأمم المتحدة المحليين بأكثر من المراقبة وإرسال التقارير. (45)
وتابع اليهود طريقهم لاحتلال القدس فأخذوا بمهاجمة الأبواب الرئيسية للقدس القديمة، إلا أن "بطولة جنود الإنقاذ والجهاد المقدس وشرطة القدس استطاعت بقيادة المجاهد الكبير أحمد حلمي باشا والقائد خالد الحسيني والرئيس فاضل عبد الله صد العصابات الصهيونية عن الأسوار في تلك الفترة الحرجة، بالرغم من نقص الذخيرة وسوء التدريب والفوضى التي دبت في صفوف العرب نتيجة هجمات اليهود المتواصلة، وتأخر الجيش العربي الأردني عن الوصول للقدس". (46) فما كان من الهيئات الفلسطينية في القدس سوى التوجه إلى عمان طلباً للنجدة من الملك عبد الله؛ وكانت آخر الوفود التي وصلت إلى عمان وفداً برئاسة عزت طنوس، الذي مر بقيادة التل في أريحا، وكان طنوس، كما يذكر التل، منفعلاً أشد الانفعال ناقماً على العرب والعروبة. ولكن " الله سبحانه وتعالى أراد حماية القدس المقدسة، فألهم جلالة الملك جرأة خارقة، فخالف أمر كلوب، وأصدر موافقته الهاتفية" (47) للتل ظهر يوم 17/5/ 1948 بإرسال سرية واحدة للقدس. فأرسلها التل فوراً . ثم وافق الملك عبد الله على تحرك التل مع بقية سرايا الكتيبة على القدس، ما أثار اعتراض غلوب باشا، الذي رفض البحث مع التل أمر سحب إحدى سرايا الكتيبة من داميا إلى القدس لتكون الكتيبة كاملة. عنها أيقن التل، كما يقول، أن مشادة وقعت بين غلوب والملك عبد الله، وأن جلالته وقف موقفاً جريئاً تجاه نجدة القدس. يتابع التل، فيذكر أنه اتبع خدعة حربية لإنقاذ القدس تمثلت بتمكين اليهود من دخول القدس القديمة من جهة باب النبي داوود لتعزيز يهود القدس القديمة أو إنقاذهم وإخراجهم، على ألا يسمح لهم بالخروج لحين إرسال القوة الرئيسية إلى الباب، فحوصرت القوات اليهودية التي دخلت المدينة إلى أن استسلمت. (48) بعد معارك حامية، قتل فيها 60 يهودياً من قوات البالماخ، كما ذهب عدد من الأرمن ضحيا بسبب قرب حي الأرمن من الحي اليهودي.
تقترب رواية القاوقجي لمعركة القدس في بعض فصولها من رواية التل، إلا أنها تعارض رواية التل بشأن اتفاق جميع القوات العربية بما فيها جيش الإنقاذ على إسناد القيادة للتل، حيث يذكر القاوقجي، أنه مع بدء زحف الجيوش العربية على فلسطين يوم 15 /5/ 1948، أخذت البرقيات ترد عليه من دمشق ومن عمان: من دمشق، إلحاح في سرعة الانسحاب، والعودة إلى دمشق، ومن عمان إعلام بأن جيش الإنقاذ أصبح مرتبطاً بقيادة الجيش الأردني، بينما كانت تصريحات الملك عبد الله تنبئ بحل جيش الإنقاذ. ويعتبر القاوقجي أن انسحاب جيش الإنقاذ بهذه السرعة كان خطأ عسكرياً. وأثناء انسحابه، يضيف القاوقجي، بدأت تنهال عليه البرقيات تطالبه بنجدة القدس، وبعد تردد قرر أن يقفل راجعاً إلى القدس لنجدتها، وقد تم له ذلك.(49)
ولاستكمال بعض عناصر لوحة معركة القدس، من المفيد الاستعانة برواية بابيه الذي يسرد راويته بهذا الخصوص على النحو التالي: حي شعفاط وحده صمد ورفض الاستسلام، وحي القطمون سقط في الأيام الأخيرة من نيسان/ أبريل. ويتذكر يتسحق ليفي، رئيس استخبارات الهاغاناه في القدس: "في أثناء تطهير القطمون بدأ النهب والسرقة. وشارك فيهما الجنود والمواطنون سواء بسواء. اقتحموا البيوت وأخذوا الأثاث، والملابس، والأدوات الكهربائية، والأطعمة". (50)
غيّر انخراط الفيلق العربي ( الجيش الأردني) في القتال الصورة، وأوقفت عمليات التطهير العرقي في أواسط أيار/ مايو 1948. وكان بعض الأردنيين شاركوا في القتال قبل ذلك، كمتطوعين، وساهمت مشاركتهم في إبطاء التقدم اليهودي، ولا سيما في عملية الاستيلاء على القطمون. (51)
والملاحظ هنا أنه ثمة اختلافاً جوهرياً بين رواية كل من القاوقجي والتل، وبين رواية بابيه ففي حين يركز بابيه على المعركة التي جرت في القدس الحديثة خارج الأسوار، فإن رواية القاوقجي والتل تركز على معركة القدس القديمة، فيما يبدو معه أن بابيه يريد أن يقول أن اليهود كسبوا المعارك التي خاضوها في الجزء الذي يخصهم، في حين يريد القاوقجي والتل أن يقولا أن بطولات القوات التي خاضت معركة القدس تحت إمرتهم تمكنت من إنقاذ المدينة.
إذاً كانت حرباً مزيفة، تلك التي خاضتها جيوش الأنظمة العربية في فلسطين تحت شعار إنقاذها، لكنهم لم يكونوا يرغبون فيها، ولم يستعدوا لها.
الهوامش:
1- جان إيف أولييه، لجنة الأمم المتحدة للتوفيق بشأن فلسطين 1948- 1951حدود الرفض العربي، مؤسسة الدراسات الفلسطينية بيروت، الطبعة الأولى 1991، ص 1.
2- إيلان بابيه التطهير العرقي في فلسطين، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، الطبعة الأولى 2007، ص 20.
3- نور الدين مصالحة،"طرد الفلسطينيين مفهوم الترانسفير" في الفكر والتخطيط الصهيونيين 1882- 1948"، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، الطبعة الأولى 1992، ص 58.
4- خيرية قاسمية: إعداد وتقديم، مذكرات فوزي القاوقجي، دار النمير، دمشق الطبعة الثانية، 1995، ص 184.
5- د. عبد الوهاب الكيالي، تاريخ فلسطين الحديث، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت الطبعة السابعة 1979، ص 138.
6- المصدر نفسه، ص 139.
7- بابيه، مصدر سبق ذكره، ص 24.
8- نفس المصدر والصفحة.
9- بابيه، نفس المصدر والصفحة.
10- محمد عزة دروزة، القضية الفلسطينية في مختلف مراحلها، الجزء الأول، منظمة التحرير الفلسطينية، دائرة الإعلام والثقافة، دون مكان نشر، الطبعة الثالثة 1984، ص 31.
11- قاسمية، مصدر سبق ذكره، ص 183.
12- بابيه، مصدر سبق ذكره، ص 24.
13- د. عبد الله عبد الدائم، نكبة فلسطين، دار الطليعة، بيروت الطبعة الأولى، 1998، ص 66- 67.
14- شفيق رشيدات، فلسطين: تايخاً وعبرة ومصيراً، بيروت، دار النشر المتحدة للتأليف والترجمة، 1961، ص 241- 242.
15- قاسمية، مصدر سبق ذكره، ص 318- 319.
16- المصدر نفسه، ص 320.
17- نفس المصدر والصفحة.
18- غرهرد هب، العرب في المحرقة النازية ضحايا منسيون! ؟، ترجمة محمد جديد، دار قدمس، دمشق، الطبعة الأولى، 2006، ص 17.
19- دروزة، مصدر سبق ذكره، ص 177.
20- قاسمية، مصدر سبق ذكره، ص 321.
21- المصدر نفسه، ص 322.
22- نفس المصدر والصفحة.
23- بابيه، مصدر سبق ذكره، ص 140.
24- نجيب صدقة، قضية فلسطين، دار الكتاب، بيروت 1946، ص 267- 271.
25- نفس المصدر والصفحة.
26- نفس المصدر، ص 271.
27- قاسمية، مصدر سبق ذكره ص 328.
28- صدقة مصدر سبق ذكره، ص266.
29- قاسمية مصدر سبق ذكره، ص 333- 334.
30- بابيه، مصدر سبق ذكره، ص 140.
31- اعتمدت أساساً على: قاسمية، مصدر سبق ذكره، ص 334- 339.
32- خليل سعيد، تاريخ الجيش العراقي في فلسطين، المجلة العسكرية، بغداد، 1966، ص 45- 48.
33- المصدر نفسه، ص 52- 56.
34- أنطون سعادة، مختارات في المسألة الفلسطينية، دار فكر، بيروت، الطبعة الأولى، 1949، ص 144- 146.
35- اعتمدت أساساً على: عبد الله التل، كارثة فلسطين، دار القلم، القاهرة الطبعة الثانية 1959، ص75-
36- المصدر نفسه، ص 76- 77.
37- قاسمية، مصدر سبق ذكره، ص 353.
38- التل، مصدر سبق ذكره، ص 80.
39- المصدر نفسه، ص 84.
40- قاسمية، مصدر سبق ذكره، ص 360.
41- المصدر نفسه، ص 360- 361.
42- المصدر نفسه، ص 365.
43- التل، مصدر سبق ذكره، ص 90.
44- المصدر نفسه، ص 97- 100.
45- بابيه، مصدر سبق ذكره، ص 138.
46- التل، مصدر سبق ذكره، ص 100.
47- المصدر نفسه، ص 101.
48- المصدر نفسه، ص 106- 108.
49- قاسمية، مصدر سبق ذكره، ص 406- 410.
50- بابيه، مصدر سبق ذكره، ص 111.
51- المصدر نفسه، والصفحة نفسها

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات