بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> قضايا فكرية >>
مرسيل خليفة أقلّـب المـدن من أجل أوطان حقيقية
  20/11/2008

مرسيل خليفة أقلّـب المـدن من أجل أوطان حقيقية

أريد ان أقص عليكم ما أعرفه، او ما أظن انني أعرفه. لست خبيراً في أي شيء، غير انني موسيقي غاص في الموسيقى منذ الطفولة. حاولت على مدى السنين ان أنقل على أشرطة تسجيل واسطوانات بعضاً من طرق رؤيتي. في كل عمل جديد أبدأ من الصفر على صفحة بيضاء، كما لو انني لا أعرف شيئاً أبداً. قفزة أخرى في الظلام. قفزة أخرى من على الصخرة العالية.
الموسيقى مثل الأوكسجين تتحرك حولنا وهي عين الأذن، حيث لا تستطيع أن تصوغ معنى الموسيقى بالكلمات. إذ لا معنى للموسيقى إلا في ذاتها.
اذهب الى بلدان لا أجيد لغتها، ولكن تنقذني الموسيقى، لأنها لغة مفهومة من كل الأمم والشعوب وغير ممكن ترجمتها، ربما تكون الموسيقى اللغة الأسمى للمعرفة البشرية او اللغة العالمية للجنس البشري.
أشعر بفزع حقيقي اليوم من ان أصير واحداً من أولئك الذين يتحدثون كثيراً. أعتقد بأنه لا ينبغي على الموسيقي أن يتكلم. عليه ان يحتضن آلته ليمارس الحب ليقول هوسه وجنونه، ولكن اليوم تكريمكم الحنون أوقعني بشراك الكلمة والتي ليس بيني وبينها عداء. وهي كانت جزءاً من مشروعي. وأنا عاشق لا يكفّ عن استدراج الكلمات للرقص على الأوتار. لكنني لن أغفل عن ذلك القلق لمجابهة أسئلة الإبداع وقلق الواقع الذي نصطدم به. لا أقول ان الحق معي في ما يتعلق بآرائي. لا أحد يقدر ان يكون مصيباً دون ان يكون مخطئاً. ولا أدعي بأنني أقول جديداً.
آلاف السنوات الضوئية تفصلني عن مراهقة كانت زاخرة بالأحلام في تلك القرية الساحلية الجميلة من جبل لبنان، حيث كنت جزءاً من تلك الطبيعة ومن تلك الشمس الريفية الساطعة. وكنت مذ الصغر أرندح الحاناً من الذاكرة الشعبية، أركبها على قصائد شعرية من كتاب القراءة والاستظهار.
أعود بالذاكرة إلى تلك الطفولة البعيدة عندما أحضرت كرسي الخيزران وربطت عليها خيوطاً من »النايلون« وثبتُّها على المقام الكبير ولعبت بأصابع عشرة. وهكذا اكتشفت قيثارتي الأولى. وتلك الكرسي العتيقة التي تحولت من راحة للأبدان الى راحة للأرواح وكان المتبقي من كرسي الخيزران منسياً على »التتخيتة« من طرف إحدى الزوايا وما إن صادفتها ذات مساء موحش حتى انساب النغم.
كرسي الخيزران المهملة لها كل هذا الشجن.
بعد فترة دخل »العود« الى بيتنا الصغير وبعد ان كانت آلاتي الموسيقية محصورة بالطاولات والطناجر وعلب الحليب الفارغة وكرسي الخيزران.
العود كنت أراه في الصور. أسمعه في الراديو، لكن ان يكون في البيت، ومعي؟
كان عيداً حقيقياً يوم وصول ذلك العود ـ الشامي ـ حيث انتقلت مباشرة من الضرب على آلاتي الإيقاعية المنزلية الى الضرب على آلة العود دون ان أتحكم بدوزانه. أنقر بريشة النسر على الأوتار، كيفما وقعت ولامست الوتر مشدوداً كان أم مرخياً.
لم يستفرد بي العود المجنون وانما فتك بي وأفناني من شدة الولع. وذلك الوتر الناعم الملمس كجسد المرأة الطالعة من لهفة الحب، تفترسها بشفير الريشة المسنونة المتحكمة مع لقاء الأوتار والأصابع. تتوغل بالريشة نحو الأعمق. أوتار من قصب وحرير تغور في الأعماق. نقر على وتر النوى، فيمتد الصوت ويتبعه الصدى والعود في رهافة وسطوة يتقدم.
رنة ذائبة في نقرة تخرج من داخل واحد إلى دواخل لا تحصى. والعود الملتهب العاشق تختلط فيه حدود النقرة مع حدود النغمة.
وكنت أتساءل! كيف تسنى لتلك الغابات أن تنبت كل هذه الأشجار وتصبح مخلوقات فاتنة كالعود، ولقد منحتني أمي الجميلة ـ الرائعة الفرصة لتحرير مصيري بالانتماء الى الموسيقى والانتساب الى الكونسرفاتوار، أثناء المرحلة التكميلية. شجعتني على دراسة الموسيقى، في ذلك الزمن، رغم أن والدي الطيب كان يخطط لي مستقبلاً آخر بعيداً عن الموسيقى.
بعد حين فوجئت بالحرب تقتلعني من ضيعتي، وتبعدني عن تلك الأيدي التي أحببتها، تنتزعني من فراشي، من حضن أهلي. وكنت لا ازال طرياً، حملت عودي ورحلت بعيداً.
وكانت باريس ومناخات باريس. وكان مشروع تلحين وغناء النص الشعري الحديث و»وعود من العاصفة« اسطوانتي الأولى.
ومنذ عيون ريتا وخبز أمي أبحث عن جواز سفر، حيث لا الصورة ولا الايقاع ولا الجملة ولا القصيدة ولا الأدوات ولا المفاهيم ذاتها.
لم تكن لديّ رغبة في معرفة المستقبل بالوضوح الحديدي الذي تسلح به المحافظون. انه وضوح يضاهي قيداً لا يرحم. وكان من حقهم ان يسموا ذلك خراباً. وقد حلا لي ذلك، ولم يستطع أحد منعي او ثنيي عن فعلتي. بدايات غامضة تشير الى ذهاب نحو مستقبل أكثر غموضاً، مستقبل لا يزعم الثبات ولا يتطلبه. كانت لديّ مخيلة وأحلام مكبوتة.
وكان شعر درويش قد أنزل عليّ ولي. فطعم خبز أمه كطعم خبز أمي. كذلك عينا »ريتا« ووجع »يوسفه« من طعنة أخوته، وجواز سفره الذي يحمل صورتي أنا وزيتون كرمله، رمله، وعصافيره وسلاسله، محطاته وقطاراته، رعاة بقره وهنوده... كلها كل سكناها في أعماقي.
كان في شعر درويش من الأحلام، ما يكفي لإيقاظ العالم. وكان جسراً للحب في هذا الكون الموحش.
بعد سنة عدت الى بيروت شابا ومتحمسا ومثاليا أخرق. عدت من هجرتي القسرية الأولى كي أغيّر العالم. من خلال الموسيقى والأغنيات. وبيروت آنذاك كانت تغلي بالأحلام والأفكار الكبيرة وكانت الكتب والمعارضة والمقاهي.
لقد جئت الى بيروت وأقمت فيها وبدأت السنوات تمر وبيروت كانت مدينة حافلة بالغموض، حيث شكلت لي وللكثيرين ملء أمان في وسط عاصفة داخلية، وكانت لحظة شحذ في لحظة نضوب إبداعي.
لقد التصقت بيروت بأقصى ما يمكن من القرب وحاولت القبض على ما هو مفاجئ واستثنائي.
وبدأت والميادين، نقيم الأمسيات في كل أحياء وساحات المدينة من حفلة أولى جمعت ٤٠٠ شخص الى الساحات والملاعب التي اتسعت لأكثر من (٤٠) ألف متفرج.
وتكر السنون بعد الـ٧٦ وجولات متواصلة الى مشرق الشمس ومغربها.
جولات فنية من نوع جديد تماماً. إن من ناحية هدفها او من ناحية طريق تنظيمها. كنا واضحين في إعلان حربنا على القيود المكبلة للإنسان العربي.
قيود القهر في السياسة ومع الثقافة. تنقّلنا في مدن تغصّ بالألوف الذين يشبهونك وقد هاجروا ليحصلوا على لقمة عيش دائما سليبة، عرب من كل المساحات أتوا من البلاد لأسباب مختلفة. التقينا بهم في تلك الجولات الفنية. عشنا معهم وتقاسمنا وإياهم لقمة العيش. ناقشنا معهم الهموم الوطنية العميقة. وما كانت حفلاتنا إلا تتويجاً لهذه العلاقة التي ترسخت من قرب في تفاصيل الحياة المشتركة. مهاجرون كثر التقيناهم. يعشقون بلادهم ولكن الغربة القاسية تأخذهم بعيداً وبعد مرور فترة من الزمن يدب الحنين، حنيناً، فيقضون حياتهم كغيرهم من الذين هاجروا في بدايات القرن الماضي، ينتظرون السنة تلو السنة للعودة. والسنوات تبتعد في الزمن، وتبتعد صورة الوطن أكثر حيث يصبح أغنية او في ألبوم صور، تتوزع على صفحاته لقطات من محطات حلوة في الوطن الأصلي. واحدة في فلسطين وثانية في سوريا ولبنان وثالثة في الأردن ومصر الحبيبة ورابعة لصديق في العراق وفي المغرب العربي ورابعة وخامسة.
صور صور ومع مرور الزمن تشحب الصور ويشحب الوجه ويصبح الكلام مكسراً ومخلوطاً بلغة أخرى، لقد ضاعت اللغة، كما ضاع العمر في الغربة.
ونحن نقلب المدن صفحة صفحة. ونصطف ككلام النشيد في المطارات، تتكدس جوازات السفر أمام الشرطي »قادمون من الشرق«
ثم يحدق في الملامح والعيون، ويتمعن في الجواز ومع تأشيرة الدخول، يتفحصها ويشع ما لديه من أجهزة.
تصطف الأسماء على شاشة »الكومبيوتر«. كل شيء واضح كالشمس التي لوحت البشرة قليلاً. نصطف كالنشيد على الصفحة البيضاء. ندخل واحدا واحدا حسب مشيئة »الكومبيوتر« لدى حرس المطار.
لا بأس غداً مطار آخر وحشد آخر.
نقلب المدن صفحة صفحة نصطف كالنشيد على صفحة الموسيقى ونمضي الى المهمة، رغم المصاعب وتتشابه التعابير في كل المدن. وعاد الألوف، عادوا الى عفويتهم، الى ساحات قراهم في لبنان وفلسطين في الأردن والعراق في مصر والسودان في المغرب العربي في كل قرية ومدينة عربية بدون خطوط فاصلة.
نقلب المدن صفحة صفحة. ونعبر كل الحدود من أجل أوطان حقيقية، أوطان يعيش فيها الإنسان، لا أوطان للطوائف والعشائر.
السفير/ مرسيل خليفة
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات