بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> قضايا فكرية >>
ماذا تغيّر في الرأسمالية؟
  23/12/2008

ماذا تغيّر في الرأسمالية؟ -الماركسية كعلم اجتماع

منذ فجر البشرية والناس يكتشفون العلاقة المستمرة والثابتة بين تلك الظواهر المحيطة بهم. وغني عن الذكر أن القوانين بحد ذاتها ليست بحاجة إلى اختراع لأنها موجودة أصلاً، أعلمنا بها أم لا! وكانت مهمة الباحثين المستندة إلى خبرة جميع البشر الذين سبقوهم تتركز على معرفة هذه القوانين من أجل استيعابها والتحكم بها. لماذا؟ من أجل تسخيرها هي نفسها لخدمة الناس، كي لا يبقى الناس تحت رحمة هذه القوانين الموضوعية التي تفعل بشكل أعمى.
وفعلاً، خلال مسيرة البشرية الطويلة تراكم لديها كم كبير من المعارف سمح لها بتحويل معرفتها للطبيعة إلى علم متكامل بكل معنى الكلمة، وبكل فروعه وأصوله، وإذا كان هذا العلم قد توصل اليوم إلى تلك القمم التي نعرفها فقد كان هذا نتاج لتطور هذا العلم نفسه طوال آلاف السنين.
ولكن ماذا بخصوص علم المجتمع؟
طبعاً لم يكن هذا الفرع من العلم بعيداً عن اهتمام الناس خلال تاريخهم. وأنتجوا خلال تطورهم أفكاراً مختلفة حوله، ولكن المرة الأولى في تاريخ البشرية الذي تحولت فيه هذه الأفكار حول المجتمع إلى منظومة علمية متكاملة، أي تحولت إلى علم بكل معنى الكلمة، كانت في القرن التاسع عشر على يد ماركس وأنجلز. نعم لقد خطوا خطوة كبيرة إلى الأمام، مستندين إلى كل ما سبقهم ومن سبقهم ومطورين له. ولكن هذه الخطوة كانت الأولى، وإذا أردنا قياس علم المجتمع بعلوم الطبيعة، فالأخيرة عمرها آلاف السنين أما الأول فقد ولد في القرن التاسع عشر، أي أن عمره قرن ونصف تقريباً، لقد كانت هذه الخطوة: الأولى في اتجاه الانتقال ـ إذا أردنا استخدام تعبير ماركس _ من مملكة الضرورة إلى مملكة الحرية في المجتمع، التي هي معرفة الضرورة أي معرفة القوانين الموضوعية، فإذا أردنا التلخيص فأين تكمن مأثرة ماركس وأنجلز؟.
1- لقد كوّنا النظرة الفلسفية أي المنهج الذي سيسمح بدراسة جميع ظواهر الطبيعة والمجتمع.
2- باستخدام هذا المنهج اكتشفا قوانين عامة عديدة تخص تطور المجتمع البشري في كل مراحله (مثلاً: قانون الصراع الطبقي، التناقض بين القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج، العلاقة بين البناء الفوقي والتحتي.. إلخ).
3- واستخدما هذا المنهج وهذه القوانين العامة وطبقاها على حالة خاصة جداً وهي الرأسمالية واكتشفا قوانينها الرئيسية.
لقد درس ماركس وأنجلز الرأسمالية في مرحلة محددة من تطورها وهي مرحلة الرأسمالية المبكرة التي سميت بمرحلة رأسمالية المنافسة الحرة، وما كان ممكناً غير ذلك، لأنها المرحلة التي كانت ماثلة أمامها واستطاعا النفاذ إلى جوهر هذه الظاهرة الجديدة نسبياً في حينه بالنسبة لتاريخ البشرية وصاغا نظرياً وعمياً: علم الرأسمالية، أي أنهما اكتشفا القوانين الأساسية التي تفعل فعلها بشكل ثابت ضمن هذه التشكيلة. وكانت نظرية القيمة الزائدة التي اكتشفها ماركس هي حجر الزاوية في هذا العلم الجديد، والتي سمحت له باكتشاف القانون الأساسي لهذه التشكيلة الذي يعكس التناقض الأساسي فيها، ألا وهو التناقض التناحري بين العمل والرأسمال، مما أوصله إلى استنتاج حتمية انهيار هذه التشكيلة وزوالها بسبب فعل هذا التناقض الأساسي فيها.
لقد حاول ماركس وأنجلز أن يتنبأا باحتمالات انهيار الرأسمالية: أين وكيف؟ ولكن نبوءاتهما لم تخرج عن إطار الافتراضات فقط لا غير، ولكنهما لم يضعا بشكل حاسم قط جدولاً زمنياً محدداً لانهيار الرأسمالية وانتصار الشيوعية فهما لم يكونا على هذا القدر من السذاجة الذي يحاول أعداء الماركسية تصويره!
هل تغير شيء في حجر الزواية؟
للإجابة على هذا السؤال يجب أن نستعرض في بادئ الأمر، قانون القيمة الزائدة والطريق الذي أوصل إليه.
لقد شرح ماركس في كتابه "رأس المال" أن البضاعة التي هي مقولة محددة تاريخياً، أي أن لها نقطة بداية ونهاية، لها قيمة تحددها كمية العمل المبذول عليها. وأوضح أن كمية العمل هذه هي كمية مركبة من كمية عمل قديمة تنتقل من بضاعة إلى أخرى، وتأخذ في طريقها هذا أشكالاً عديدة، منها الرأسمال نفسه الذي هو تعبير ومعادل لكميات عمل قديمة متراكمة، وكمية عمل جديدة مبذولة مجدداً، والتي تعطي بتزاوجها مع كميات العمل القديمة، قيمة استعماليه جديدة، أي فائدة جديدة وشكل جديد لكميات العمل السابقة. وأوضح أن تجدد ثروة المجتمعات يحدده حجم كميات العمل الجديدة التي تذهب باتجاهين: الأول: نحو باذلها تحت عنوان الأجر الذي هو تعبير عن جزء من كمية العمل الجديدة هذه. والثاني: نحو صاحب الرأسمال أي صاحب كميات العمل القديمة الذي بسيطرته عليها يستولي على جزء من كميات العمل الجديدة وهو ما أسماه "القيمة الزائدة" وبكلام آخر فإن القيمة الزائدة هي الاستيلاء على جزء من كميات عمل الآخرين التي بذلت مجدداً. وهنا لابد من التنويه أنه إلى جانب هذا الاكتشاف العبقري، اكتشف ماركس جملة من الأمور الأخرى، منها أنه قد أماط اللثام عن موضوع سعر البضائع في السوق الذي اعتبره انحرافاً عن قيمتها بسبب العرض والطلب، والمعروف أن العرض والطلب في مرحلة المنافسة الحرة كان عفوياً. وأنه عندما يتفوق الطلب على العرض يرتفع سعر البضائع. وكان قانون العرض والطلب هو الصمام العفوي لتنظيم حركة البضائع والرساميل في عهد المنافسة الحرة.
نعود إلى سؤالنا: هل تغير شيء في حجر الزاوية؟ وللإجابة، لابد من العودة إلى المرحلة اللينينية في تطور الماركسية.
كيف خطا لينين بالماركسية إلى الأمام؟؟
درس لينين الرأسمالية في مرحلة جديدة من تطورها هي مرحلة الاحتكار. أي مرحلة الإمبريالية، واكتشف فعل قانون القيمة الزائدة في الظروف الجديدة.
فانطلاقاً من فهمه لتكوّن سوق البضائع والرساميل استنتج أن الرأسمالية بدأت تتحكم بقانون العرض والطلب ولصالحها كي تحافظ عليه في وضع ملائم لها بشكل دائم، أي كي تحافظ عليه بشكل تستطيع الحصول فيه بشكل دائم على ربح إضافي فوق القيمة الزائدة، ولذلك توصل إلى استنتاج أن الربح الاحتكاري هو ربح مركب يتكون من القيمة الزائدة وهامش السعر العالي للبضائع المتحكم ليس بعرضها فقط، وإنما بطلبها أيضاً الذي يحدده مستوى الأجر الذي تدفعه الاحتكارات لليد العاملة. وانطلاقاً من كل الظروف الجديدة في تطور الرأسمالية استنتج قانون التطور المتفاوت للرأسمالية واحتمال انقطاع سلسلتها في أضعف حلقاتها.
والذي يجب قوله الآن أن لينين قد صاغ نظرية الإمبريالية في العقد الأول من القرن العشرين، أي قبل انتصار ثورة أكتوبر بسنوات عديدة، فهذه الظاهرة لا علاقة لها بوجود أو عدم وجود الاشتراكية كنظام اجتماعي، ولكن الأكيد أن مآل هذه الظاهرة تاريخياً هو انهيارها نتيجة استفحال تناقضاتها.
لقد صاغ لينين سمات الإمبريالية ومازالت هذه السمات قائمة ويتأكد صحتها حتى يومنا هذا، وهي طفيليتها وتعفنها ـ احتكاريتها ـ احتضارها. واعتبرها المرحلة الأخيرة في تطور الرأسمالية كتشكيلة اجتماعية ـ اقتصادية.
قد يندهش البعض اليوم في ظل الموجة الهائلة التي تمجد الرأسمالية في ظل المتغيرات الأخيرة من التأكيد الذي يقول أن الرأسمالية في أعلى مراحلها: الإمبريالية، قد تعمق وازداد تعفنها. فالحديث عن ازدهارها وخاصة في أجهزة الإعلام المرتبطة بها هو حديث واسع الانتشار.
لقد استنتج لينين سمات الإمبريالية من خلال رؤيته لفعل القانون الأساسي: التناقض بين العمل والرأسمال، فالاستيلاء المتزايد على كميات عمل الآخرين وخاصة على المستوى العالمي، مضافاً إليه المصاريف غير الإنتاجية العسكرية وغيرها التي تؤمن للاحتكارات أرباحاً هائلة كل هذا وغيره سمح للينين بالتأكيد على طفيلية الإمبريالية وتعفنها.
والخلاصة أن لينين مستخدماً منهج ماركس المادي الجدلي والتاريخي ومطبقاً هذا المنهج على الظروف الجديدة التي أفرزتها الحياة قام بالتالي:
1- اكتشف قوانين جديدة أضافها إلى الذخيرة النظرية للماركسية بخصوص الرأسمالية. (مثلاً، قانون التطور المتفاوت، قانون وتيرة تطور إنتاج وسائل الإنتاج بالمقارنة مع إنتاج مواد الاستهلاك).
2- اكتشف الأشكال الجديدة لتجلي القوانين التي اكتشفها ماركس. (مثلاً: فعل قانون القيمة الزائدة في الظروف الجديدة).
3- صاغ بشكل إبداعي قوانين الثورة الاشتراكية.
أي أن لينين مستنداً إلى حجر الزاوية اكتشف أشكال تجليه في الظروف الجديدة، فجوهر الظاهرة، أي الرأسمالية، بقي نفسه والذي تغير هو أشكال ظهور هذا الجوهر على السطح وكان الشكل الجديد هو الإمبريالية.
والآن ما الجديد؟
إن مأساة بعض "المجددين" تكمن في أنه حين تغيرت أشكال تجلي الجوهر تراءى لهم أن الظاهرة كلها قد انقلبت وتغيرت. مثلهم مثل أولئك الذين بشروا بزوال المادية كنظرية فلسفية نتيجة لاكتشاف انقسام الذرة في أوائل هذا القرن، فتصورهم السابق عن المادة كانت حدوده الذرة التي مع انقسامها إلى نواة والكترونيات، انهار تصورهم حولها لأنهم لم يستطيعوا أن يمشوا بقدم واحدة مع العصر الجديد فعادوا إلى الوراء. وقد قال لينين في حينه تعليقاً حول الموضوع ـ إن الذي انهار ليس المادة وإنما توسعت حدود تصورنا حولها واغتنت.
الآن مع تغير أشكال تجلي الإمبريالية المعاصرة يتصور البعض أن التناقض الأساسي فيها قد زال، بينما الذي تغير في الواقع هو أشكال تجلي هذا التناقض، ومهمة الماركسيين المعاصرين إذا كانوا يريدون أن يكونوا فعلاً تلامذة جديرين بماركس وأنجلز ولينين أن يكتشفوا الأشكال الجديدة لتجلي هذا التناقض.
إن المفارقة في تطور الرأسمالية تكمن في أنه مع ظهور الاشتراكية كنظام جديد اضطرت الأولى تحت ضغط قوة مثال الاشتراكية وما قدمته من مكاسب للطبقة العاملة، ومن أجل تخفيف حدة الصراع الطبقي وخطر الصدمات التي يمكن أن تهزها، أن تقدم تنازلات جدية لطبقاتها العاملة في بلدانها، وخاصة في المراكز الإمبريالية الكبرى. وهي حين تقديمها هذه التنازلات اضطرت أن تبحث عن احتياطات جديدة لاستغلالها من أجل استمرار جني القيمة الزائدة بالمعدلات السابقة، مما عمق التناقض الأساسي الذي أخذت الأشكال الجديدة لتجلياته تظهر أكثر فأكثر، والأرجح أن البحث عن الأشكال الجديدة لتجلي هذا التناقض، الذي يبقى هو جوهر الرأسمالية، يمكن أن يتمركز على المحاور التالية:
1- الرأسمالية والعالم الثالث.
2- الرأسمالية والطبيعة.
3- الرأسمالية والثورة العلمية التكنيكية.
وسنحاول في غرضنا أدناه أن نلقي نظرة سريعة عل كل من هذه المحاور.
الرأسمالية والعالم الثالث:
إن آليات الاستغلال التي يستخدمها الاستعمار الجديد هي جديدة نسبياً، ولكنها في تطور مستمر. وأهم ما يُميّز هذه الآلية هو التبادل اللامتكافئ بكل أشكاله وأساليبه، الذي يعني في الجوهر التبادل بين كميات عمل غير متساوية أي بكلام آخر الاستيلاء على أجزاء متزايدة من كميات عمل الآخرين، ولكن هذه الآلية مستترة ومقنّعة يصعب النضال ضدها، ولكنه يتصاعد مع ظهور آثارها البشعة على العالم وما تخلفه من مظاهر تزايد الفقر والجوع والمرض... إلخ. ونظرة إلى وسطي العمر المحتمل في المراكز الإمبريالية وفي العالم الثالث يوضح كم الهوة كبيرة وتسير نحو الاتساع أكثر بين هذين العالمين. فوسطي العمر في البلدان الرأسمالية المتقدمة ارتفع ليصبح فوق السبعين، بينما انخفض في مجموع العالم الثالث، ليصبح تحت الأربعين عاماً.
إن استمرار هذا الوضع يخلق إمكانية تباطؤ وحتى توقف عملية إعادة الإنتاج في العالم الثالث مما سيؤثر على العالم كله بما فيها المراكز الإمبريالية.
إن الواقع الجديد يضعف احتمال انفلات بلدان العالم الثالث فرادى من تحت نير الاستغلال الإمبريالي، ولكن هذا الواقع الجديد نفسه يقرّب ويوحّد هذه البلدان في نضالها من أجل كسر طوق الاستغلال الإمبريالي بشكل جماعي.
الرأسمالية والطبيعة:
إذا كان الاستغلال الرأسمالي التقليدي كما تقدم أعلاه يعني الاستيلاء على كميات عمل الآخرين الحالية، فالاستغلال الرأسمالي المعاصر باتجاهه نحو استنفاد موارد الطبيعة والتعامل معها من منطلق الربح بشكل لا عقلاني إضافة إلى تلويثها يعني بجوهره إضافة شكل استيلاء جديد على كميات عمل الآخرين إلى جانب الشكل القديم.
فاستغلال الطبيعة يعني الاستيلاء على كميات عمل الآخرين ولكن هذه المرة يتم الاستيلاء بالإضافة للكميات الحالية على الكميات اللاحقة.
والكميات اللاحقة مقصود منها كميات العمل التي ستبذلها الأجيال اللاحقة بلا مقابل من أجل ترميم الطبيعة وإحياء ما شوه منها من أجل استمرار الحياة على الأرض. وجلي أن المسؤول عن هذا الوضع هو ذلك الأسلوب التكنولوجي للإنتاج الذي تستند إليه الرأسمالية كتشكيلة اقتصادية ـ اجتماعية، والذي هو عامل موضوعي خارج عن إرادتها. فهذا النمط بنشوئه وتطوره سادت الرأسمالية، وهو يعتمد كمبدأ على استخدام موارد الطبيعة غير المتجددة (فحم، نفط، مواد نادرة) من جهة، ونتيجة لذلك تتلوث الطبيعة بشكل خطير من جهة أخرى.
إن عدم حل التناقض التناحري بين العمل والرأسمال ضمن المنظومة الاجتماعية نفسها أدى إلى تطور التناقض التناحري ليتحول إلى تناقض بين الرأسمالية كمنظومة وبين الطبيعة، أي بكلام آخر بين الرأسمالية والبشرية كلها. لذلك يصبح واضحاً أن القضاء على الرأسمالية هو اليوم مهمة إنسانية شاملة يمكن أن يضم تحت لوائها كل من يريد استمرار الحياة على الأرض. وفي هذا تأكيد وتعبير بشكل جديد عن تلك المقولة التي طرحها ماركس وأنجلز في البيان الشيوعي حيث قالا إن الطبقة العاملة بدفاعها عن مصالحها إنما تدافع عن مصالح البشرية كلها.
الرأسمالية والثورة العلمية التكنيكية:
إن الثورة العلمية التكنيكية بمرحلتها الراهنة تعني وصول البشرية إلى مشارف انتقالها إلى عصر تكنولوجي جديد. فالعصر التكنولوجي الحالي، والذي بدأ بظهور الآلة البخارية يعيش آخر أيامه. فما الذي يميز العصر القادم عن العصر الذي يشارف على الانتهاء؟
إن أهم ما يميزه على الأرجح هو تزايد كميات العمل الذهنية في كميات العمل الجديدة.
فإذا كانت الآلة البخارية وما تبعها من إنجازات حتى اليوم، يعني ظهور آلة تحمل محل العمل العضلي البسيط للإنسان، مما سمح بزيادة كمياته أضعافاً مضاعفة في كميات العمل الجديدة آنذاك.
فالثورة المعلوماتية الحالية وما يرافقها من تكنولوجيا، يعني زيادة كميات العمل الذهني أضعافاً مضاعفة في كميات العمل الجدية، ويعني التغير الجذري في العلاقة بين نسبة العمل العضلي والذهني وما يتبعه من تغير في تركيب الطبقة العاملة نفسها.
ولكن مشكلة الرأسمالية المعاصرة تكمن في القضية التالية التي لا تقبل الحل إلا بزوال الرأسمالية وهي:
إذا كان تقدير قوة العمل التي كان يسود فيها العمل العضلي يجري حسب ماركس على أساس تقدير قيمة تلك المواد الضرورية لاستمرار قوة العمل في الحياة، فكيف سيتم تحديد قيمة قوة العمل التي سيسود فيها العمل الذهني؟ إن ميزة العمل الذهني تكمن في أن إعادة إنتاجه تتطلب تأمين جميع المتطلبات المادية والروحية له كي يستطيع إعادة إنتاج نفسه، وفي هذا خصوصيته.
لذلك تدخل الرأسمالية في تناقض جديد مع نوع العمل الجديد، فهي غير قادرة على تأمين كل المتطلبات المادية والروحية لهذا النوع من العمل الذي سيصبح شيئاً فشيئاً واسع الانتشار، لأن ذلك يعني بكل بساطة تخليها عن القيمة الزائدة وهي غير قادرة على فعله بسبب طبيعتها، وفي هذه الحال تصبح عائقاً أمام التطور اللاحق للقوى المنتجة، مما يعني أنها استنفدت كل احتياطات تطورها.
إن كل ما يجري في عالم اليوم هو تأكيد لصحة الفكرة العبقرية لأنجلز الذي قال: إن كل تطور للقوى المنتجة في ظل الرأسمالية يعني خطوة إلى الوراء بالنسبة للإنسان والطبيعة. ولكن الجديد أنه لم يعد لدى البشرية والطبيعة مسافة للتراجع، لأن أية خطوة أخرى، في المدى التاريخي، إلى الوراء تعني زوال الطبيعة والبشرية، إن الرأسمالية تستنزف احتياطاتها الأخيرة.
 قاسيون

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات