بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> قضايا فكرية >>
دمج مستغرب بين الوطن وأهل الحكم
  08/02/2009

دمج مستغرب بين الوطن وأهل الحكم ... نحو حل تاريخي عربي لأزمة النظم الجمهورية
عبدالله الأشعل /الحياة
يعاني العالم العربي من أزمات متلاحقة تختلط فيها الأسباب الداخلية بالأسباب الخارجية وتكون النتيجة توتراً بين الشعب والحاكم، وإرهاقاً للمواطن، وظواهر جديدة يحاول فيها الحاكم أن يؤكد سلطاته ويحكم قبضته، فترتفع حساسيته تجاه الانتقاد والمراجعة، ما يؤدي إلى تعديل الدساتير، وتزوير الانتخابات، وأضحى كل من يبدي اعتراضاً على الانحرافات، معارضاً، والتصدي للمعارضة بكل أنواع الإيذاء والمطاردة "دفاعاً مجيداً" عن الوطن ضد الأعداء ما دام الوطن هو النظام، أما نقد النظام فهو تهجم غير مقبول على هذا الوطن. في سياق هذه المنظومة تتم التضحية بالمصالح العليا في مقايضة مع الأطراف الأجنبية.
وشهدنا انقلاباً خطيراً في مفهوم السيادة، فأصبح النيل من مصالح الوطن على يد الحاكم ضرباً من الوطنية وممارسة صحيحة للسيادة، وأمسى انتهاك الحاكم للدستور والقوانين من أعمال السيادة الحقة، ونقد سلوك الحاكم إزاء المواطنين في دولته سنوات تطاولاً وفضولاً وتدخلاً في ما هو مقدس بين الحاكم والمواطنين. والهدف من هذه المقالة ليس مقالاً آخر في نقد الحاكم أو ذم التدخل الأجنبي، بل هو البحث عن حل تاريخي يريح الجميع، فيحفظ كرامة الوطن وحقوق المواطن، ويرضي الحاكم، ولا يغضب الأطراف الأجنبية.
وإذا أردنا الانتقال من هذه العموميات إلى تشريح الواقع العربي، نلاحظ أن النظم السياسية قسمان، قسم جمهوري اعتبر أن إعلان الجمهورية انتصاراً على الاستعمار في بعض الدول، أو قضاءً على الملكية الفاسدة المستبدة في دول أخرى، فاحتفل الناس به بطريقة ذكرتنا بانتصار الثورة الفرنسية على الإقطاع، وصار كل جمهوري فضيلة وكل ملكي رذيلة، وبلغ تمسك الشعب المصري بالنظام الجمهوري أن ورد النص في دستور مصر 1971 على أن النظام الجمهوري أبدّي، وأن هذا النص يفلت من كل فرص تعديل الدستور، أي أننا نعدل كل أحكام الدستور ويظل لهذا النص قداسته وحصانته. على رغم إنني عندما قرأت هذا النص والأعمال التحضيرية للدستور أدركت أن مصر عام 1971 بدأت تدخل مرحلة الاتزان والحياد بين الملكية والجمهورية، وأن عداءها للملكية بدأ يتآكل، خصوصاً مع ظهور سلوكيات النظام الجمهوري وما أحدثه في مصر، فضلاً عن أن الحماس في النظام الجمهوري ارتبط بحالة ثورية في الداخل وبحركة استقلالية في الخارج، ولكنها ترقد في النهاية في الحضن السوفياتي، وبذلك أدخلنا هذا الحماس من دون أن ندري داخل هذا التقسيم الثنائي بين الشرق والغرب، فوقعت حرب باردة في العالم العربي أيضاً بين النظم الجمهورية «الشرقية» وبين الملكية «الغربية».
وسجل العقد الأخير محاولات مستميتة لتعديل الدساتير العربية الجمهورية حتى تضمن البقاء للحاكم في السلطة إلى يوم الوفاة، فانتهى واحد من أهم قسمات الحكم الجمهوري، وهو عدم الارتباط بين الحاكم وبين السلطة، ولم نعد نشهد رئيساً سابقاً. وظهرت الرغبة العارمة في توريث الحكم لأبناء الحكام، وهذه صفة النظم الملكية، بصرف النظر عن الطريقة التى يتم بها التوريث، وأظن أن تعديل الدساتير والسعي للتوريث أصبح ظاهرة عامة لا تحتاج إلى بيان. ولكي يتمكن الحكام الجمهوريون، الذين تمتعوا بسلطات تفوق أي ملكية في العالم، من تعديل الدستور تمهيداً لتوريث الحكم فإنهم أحاطوا أنفسهم بثلة من المتخصصين في تحقيق هذه النقلة وهذا اللغز: كيف تظل جمهورياً وأنت ملكي حتى الثمالة؟ فيرضي ذلك غرور البعض من المتمسكين بأذيال الجمهورية، كما يحقق لهم الهيمنة الكاملة على مقدرات الوطن. وصدر كتاب قيم عام 2006 في جنوب افريقيا يعالج ظاهرة التمسك بالسلطة، التي ركز الإعلام الغربي على حالة واحدة منها وهي زيمبابوي والرئيس روبرت موغابي. والذي رفض الحكام الأفارقة في قمة شرم الشيخ، على رغم التحريض الغربي عليه، أن يعلقوا بكلمة واحدة على تزويره الانتخابات، ودخوله هذه الانتخابات وحده بعد أن فر زعيم المعارضة بجلده إلى السفارة الهولندية في هراري. أما أسباب التمسك بالسلطة فهي كثيرة ولكن ليس هذا مجال تحليلها. وهكذا نخلص في النهاية إلى أن بعض رؤساء الجمهوريات في العالم العربي يسلكون سلوكاً لا جمهورياً ولا ديموقراطياً. ويترتب على هذه الحقيقة أن أسرف الحكام الجمهوريون في تزوير الانتخابات وأقاموا مع الخارج جسوراً عريضة من المصالح المتبادلة، بينهم وبين هذا الخارج. وتكفي الإشارة السريعة إلى المشروع الأميركي لنشر الديموقراطية في العالم العربي، الذي ظهر ثم اختفى كالبرق، بعد أن ظهرت الديموقراطية العراقية نموذجاً في فشل هذه الدعوة. ويؤدي تزوير الانتخابات إلى تشكيل مجالس نيابية على هوى الحاكم، فبدلاً من أن يصبح البرلمان أداة مهمة لرقابة الحكومة ومراجعتها والمطالبة بسقوطها، أصبحت الحكومة تحل محل البرلمان. فتنتهك الدستور، وتتجاهل أحكام القضاء الذي أفسدته ومزقت صفوفه بين مؤيد للحاكم ومؤيد للوطن واستقلال القضاء، فانهارت مؤسسات الدولة، وعمد الحكام إلى توظيف أسوأ عناصر الأمة وأدناها كفاءة وأبعدها من النزاهة، فأساؤوا إلى مصالح الوطن.
وحتى يتحقق للجميع ما يصبون إليه أقترح أن نعدل دساتير الدول الجمهورية لتصبح دولاً ملكية، على أن يلتزم الحاكم الملك بعدد من الضوابط، أولها أن يستخدم في حكومته أكثر العناصر كفاءة في وطنه، وثانيها أن يحقق النزاهة الواجبة في الانتخابات، وثالثها أن يبني علاقة صحيحة بين البرلمان والحكومة، فلا يحمي فساداً أو يساند ظلماً، ويتلبس بالوطن ويصبح حارساً ورمزاً للوطنية فيه، فيمسي ملكاً يملك الوطن ولا يحكمه، ويترك الحكم والإدارة والسياسة للقادرين عليها بكل تجرد.
* كاتب مصري

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات