بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> قضايا فكرية >>
الرأسمالية الجديدة... وجه بلا ملامح
  17/04/2009

الرأسمالية الجديدة... وجه بلا ملامح

يمكن للمرء أن يلاحظ أن إخفاقاً رافق معظم ـ ان لم نقل كل ـ الحركات الجديدة أو النظم أو النظريات الجديدة التي نشأت من ضلع القديم منها.
على سبيل المثال، فإن تيار الكلاسيكية الجديدة في الفن التشكيلي أو في الموسيقى لم يصب ولو قدراً من النجاح الذي نالته الفنون الكلاسيكية التشكيلية أو الموسيقى الكلاسيكية في أصولها البعيدة. وينطبق الامر نفسه على مدرسة اللوثرية الجديدة التي خرجت من ضلع الحركة اللوثرية التي تشكل حركة الإصلاح الكنسي ودورها التاريخي. وينطبق ايضا على الانطباعية الجديدة التي أفرختها الحركة الانطباعية الشهيرة في فن التصوير في القرن التاسع عشر... وحتى الكونفوشية الجديدة لم تنل ما نالته الكونفوشية الأصلية كديانة وفلسفة دينية صينية عمت الشرق الأقصى في وقت من الأوقات.
ويمكن ألا يقال الشيء نفسه عن الحركات والتيارات السياسية مثل القومية الجديدة (التي كانت الاسم الذي أطلق على البرنامج الانتخابي للرئيس الاميركي ثيودور روزفلت في العام 1910)، ومثل السياسة الاقتصادية الجديدة التي أطلقها الحزب الشيوعي السوفياتي في العام 1921.
ولقد كان أحدث الأمثلة على هذه التيارات الجديدة تيار المحافظين الجدد الذي نشأ عن التيار المحافظ الاميركي في جذوره الأصلية، واكتسب طابعا أشد تطرفا، وعندما وصل الى السلطة ـ في ظروف لا تزال تحيط بها الشكوك مع صعود جورج .و.بوش الى الرئاسة الأميركية ـ بقي فيها ثماني سنوات كانت كفيلة بتقويض هذا التيار الجديد وإثارة ثورة الناخبين ضده، كما لمسنا في انتخابات 2008 التي أدت الى انتخاب أول رئيس اسود للولايات المتحدة الاميركية إمعانا في الابتعاد عن تيار المحافظين الجدد.
بناء على هذا يمكن القول إن البوادر على ظهور نظام جديد يطلق عليه بناته وداعموه اسم «الرأسمالية الجديدة» تدل على تعثر في خروج هذا النظام الى الوجود من ضلع النظام الرأسمالي التقليدي، الذي بدأ يتصدع هو نفسه بعد وقت قصير من ظهور اسم «الرأسمالية الجديدة».
السؤال عما اذا كانت «الرأٍسمالية الجديدة» تستطيع أن تنهض وتحل محل الرأسمالية «القديمة» بعدما ألمّت الأزمة الكبرى بهذه الأخيرة في الولايات المتحدة، ولم تلبث العدوى ان أصابت كل الدول الاخرى الآخذة بالنظام الرأسمالي، هو سؤال سابق لأوانه كثيرا. بل يمكن القول إن «الرأسماية الجديدة» لم تجرؤ حتى هذه اللحظة على طرح نفسها بهذه الصفة، أي كحل لإزالة النظام الرأسمالي. يتضح هذا أكثر عندما ندرك المدى الذي تتقدم به الاشتراكية في طريق إقناع المجتمعات بأنها البديل الأجدر بأن يحل محل الرأسمالية. وهي تتقدم بجرأة سواء رأيناها من زاوية نظر الرأسمالية المحتضرة أو من زاوية نظر الاشتراكية التي تحاول أن تستعيد مجدها، بل شرعيتها.
لكن السؤال الجدير بأن يطرح من الآن هو ما هي «الرأسمالية الجديدة»؟
حتى لا يظن أحد انها احدى نتائج أزمة العالم الرأسمالي العالمي يتعين علينا ان نذكر انه عقدت في الغرب أربعة مؤتمرات سنوية للرأسمالية الجديدة شارك فيها خبراء بارزون من العالم الرأسمالي. ثم جاءت قمة باريس في كانون الثاني/يناير الماضي (2009) وشارك فيها الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي والمستشارة الالمانية انجيلا ميركل ورئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير، بالإضافة الى عدد من رؤساء الجمهوريات الافريقية. وقد عقد المؤتمر تحت شعار «عالم جديد، رأسمالية جديدة» وحضره حشد من السياسيين والخبراء الماليين والاقتصاديين. وبطبيعة الحال فإن أزمة النظام الرأسمالي هيمنت على مناقشات المؤتمر كما هيمنت على خطب المشاركين الكبار.
وحرص الرئيس ساركوزي على أن يكون عنوان خطبته «رأسمالية جديدة». وقال في هذا الخطاب «ان عالما جديدا، أي اقتصاد سوق اجتماعيا جديدا ذا أبعاد عالمية هو ما يتصدى له المؤتمرون، انه ينبغي ان نحافظ على أهميته، ذلك أننا اذا تصورنا العالم بعد عشر سنوات من الآن سوف يوجه إلينا السؤال: ماذا فعلتم؟ ماذا أدخلتم من تحسينات؟ هل صارعتم فحسب مع هذه الازمة ام انكم نجحتم في تعلم الدروس الصحيحة منها»؟
وكانت هذه الفقرة من خطاب ساركوزي كافية للتأكيد أن الرئيس الفرنسي انما يعتبر ان مهمة الرأسمالية الجديدة، موضوع المؤتمر، أن تتخطى الازمة الراهنة. وقد أقر في موضع آخر من خطابه بأن العالم الرأسمالي قد رأى رأي العين أين تكمن مخاطر العولمة وانه ليس مستعدا بما فيه الكفاية لهذه المخاطر التي تعم العالم كله بمؤسساته وبأطره الإجرائية.
وكان من أهم ما اقترحه ساركوزي أن تنشئ الامم المتحدة مجلسا اقتصاديا دوليا ليكون الى جانب مجلس الامن الدولي ليكون مثله في نفوذه وقوة قراراته... واقترح» خلق أنظمة مراقبة للأسواق المالية، بعدما تعلمنا ـ في السياسة البيئية مثلا ـ أننا لا نستطيع ان نعيش بصورة تتجاوز وسائلنا واننا ينبغي ان نفكر في اجيال المستقبل».
ومهما كان منسوب حسن النية في ما قاله ساركوزي ـ وقد ردد غيره من الزعماء الافكار نفسها ـ فإنه كان من الواضح انه يتحدث بمنطق النظام الرأسمالي المأزوم ولا يملك خطة مستقبلية متكاملة لنظام جديد برمته، حتى وان كان يسمى «رأسمالية جديدة». بل انه حاول أن يلغي حقيقة وجود أزمة في النظام الرأسمالي، اذ قال انها «أزمة للرأسمالية المالية»، لا أزمة الرأسمالية». وكان مفهومه عن العودة الى الدولة يعني ان تؤدي الدولة دورها في حماية وتقوية المؤسسات الاقتصادية والمالية... أي حماية مصالح قطاع الأعمال الكبير في مواجهة الطبقة العاملة.
ويتناقض هذا المفهوم تناقضا صريحا مع الآراء التي يعبر عنها الخبراء والمحللون منذ أكثر من عام والتي تذهب الى أن الأزمة تستوجب تدخل الدولة بمعنى تغيير الموازين التي اختلت لمصلحة الرأسمالية المالية.. الرأسمالية الكبرى. وهي الآراء التي دعت الى التأميم والاشتراكية كعلاج للأزمة.
مع ذلك فقد لوحظ أن مؤتمر الرأسمالية الجديدة تخلله هجوم حاد للغاية على الولايات المتحدة... وان كان هذا الهجوم انتهى بتوجيه نداء الى الرئيس الاميركي (الذي لم يكن قد نصّب بعد) باراك أوباما من الحكومات الاوروبية بتغيير مسار السياسة الخارجية الاميركية، بينما أعلن ساركوزي انه لم يعد مستعدا لقبول الهيمنة الاقتصادية للولايات المتحدة. وقال «في القرن الواحد والعشرين لا يمكن أن تكون هناك بعد دولة واحدة تستطيع أن تقرر ما ينبغي ان نفعل أو ما ينبغي أن نفكر».
ولم يكن هذا الجانب بدوره سوى رغبة في الاستمرار في الدفاع عن حق الرأسماليات الاوروبية في التخلص من قبضة الهيمنة الأميركية، الأمر الذي أدى الى إصابة أوروبا فورا بعدوى الازمة من الولايات المتحدة. ولكن لا الرئيس الفرنسي، ولا غيره من الزعماء الكبار الذين تحدثوا في المؤتمر قدم صورة واضحة متميزة عن الرأسمالية الجديدة، والملامح المميزة لها عن الرأسمالية «القديمة». ان المؤتمر ككل لم يحاول الاقتراب من كشف أزمة الرأسمالية في صورتها الراهنة من أوجه عديدة من الصراع الطبقي بين الرأسمالية والعمال... وكأن الازمة لا علاقة لها بهذا الصراع من قريب أو بعيد.
ولعل من المناسب أن يذكر المرء هنا انه قبل أكثر من 100عام ـ بالتحديد في العام 1891ـ عقد في الفاتيكان مجمع برئاسة البابا ليو الثالث عشر حول «الامور الجديدة» كاستجابة لما اعتبرته الكنيسة الكاثوليكية (ذات الدور البارز في أوروبا سواء وقتها أو الآن) «حربا طبقية بين رأس المال والعمل تهدد بأن تنتهي الى ثورة والى شيوعية تشمل العالم كله». في هذا المجمع الكنسي اعترف البابا ليو الثالث عشر بأن عليه أن «يقوم بدور صانع السلام الذي يدرك شرعية دعاوى الطبقة العاملة المناضلة من أجل أجور أفضل وشروط عمل أحسن، وكرامة في العمل». وأكد البابا وقتها «ان الرأسمالية تستطيع وينبغي ان تبقى حية فقط اذا أنهى رأس المال حربه مع العمل... ان عليه ـ بدلا من ذلك ـ ان ينظم نفسه كنظام أخلاقي يقبل ان يتحول العمل الى عمل شاق آلي ليس لمصلحة رأس المال أو العمل».
وقتها دعا البابا الرأسمالية لان تفهم «ان حياة الانسان مبنية على العمل وان طلب الربح ليس غاية في حد ذاته».
وفي الاول من حزيران/ يونيو 2008 عقدت في الفاتيكان مناقشة مع البابا الحالي بنديكت السادس عشر دعي اليها عدد كبير من الخبراء الأوروبيين من جنسيات مختلفة، يجمع بينهم هذا الميل الى فهم الصراع الطبقي كأساس لحركة التاريخ والتحول من نظام الى نظام. كان الهدف هو التذكير بالمجمع الكنسي الذي عقده البابا ليو الثالث عشر في عام 1891. وما قاله فيه ناصحا الرأسماليين بشأن العمل والعمال.
انما يبدو ان مؤتمر «الرأسمالية الجديدة» في باريس في بداية هذا العام لم يكن بين المشاركين فيه من لديه علم بهذا اللقاء الأخير في الفاتيكان أو ذلك الذي سبقه بمئة عام وأكثر.
على الرغم من هذا كله فإن المنظرين الداعين الى ما يسمى «الرأسمالية الجديدة» يبدون حرصا قويا على أن يطلقوا عليها اسما آخر هو «الرأسمالية الاجتماعية». وللوهلة الاولى يظهر أن هذه التسمية انما تقصد الى جذب أولئك الذين يأخذون على الرأسمالية القديمة أو التقليدية انها لم تهتم في أي وقت من حياتها الطويلة بالجانب الاجتماعي لسياساتها وإجراءاتها، وبصفة خاصة عندما تطورت «الرأسمالية الى حد أصبحت معه تسمى بالرأسمالية المتوحشة كانت قد أصبحت من الضراوة والقسوة بحيث تغفل تماما تأثيراتها السلبية الاجتماعية على حياة الطبقة العاملة وحتى الطبقة المتوسطة من المهنيين وأصحاب الدخول الثابتة أو المحدودة.
ولغرض التمويه نفسه فإن المنظرين الداعين الى الرأسمالية الجديدة أو الاجتماعية يقولون ان الهدف منها هو تجاوز مرحلة الرأسمالية الصناعية، بعدما دخلت الرأسمالية بالفعل عهد الرأسمالية الادراكية أي المعرفية بما أدخلته من تغييرات نفذت إلى حياة البشر. ففيما كانت الرأسمالية الصناعية تقوم على الانتاج الصناعي السلعي، فإن الرأسمالية الأحدث المعرفية تقوم على إنتاج المعرفة، لكنها لا تزال خاضعة لمجال إنتاج السلع، ولهذا فإن المجالين المعرفي (الجديد) والسلعي (القديم) لا يزالان متداخلين. وأصبح من الضروري إقامة الاقتصاد الرأسمالي على أساس المعرفة وحدها.
وقد طرح هؤلاء المنظرون للرأسمالية الجديدة، في مؤتمر لهم عقد في 23ـ25 ايار/ مايو 2008 عدة تساؤلات لتكون موضوعا للنقاش أهمها: هل هناك بديل أوروبي للنموذج الاميركي للرأسمالية ام ان هناك عملية تقارب أو اندماج بين الاقتصادين؟ كيف يمكن لرأس المال المالي ان يحدد مفاصل المعرفة ويخضعها له؟ ما هي السيناريوهات المختلفة لعلاقة رأس المال والعمل والحماية الاجتماعية في ظل الرأسمالية الجديدة؟

لا تزال هذه تساؤلات بلا إجابات. ولا تزال «الرأسمالية الجديدة» بلا تحديد حقيقي لمفاهيمها. لا يتضح من ملامحها إلا ما هو قريب من الرأسمالية التقليدية مع محاولة لتجميل الصورة، أو بالاحرى إزالة أوجه القبح فيها، على أمل أن تستمر الرأسمالية في المواجهة الجديدة الصعبة مع الاشتراكية. ويبدو ان حظ الرأسمالية الجديدة لا يزيد كثيرا عن حظوظ الحركات والتيارات التي ظهرت خلال القرنين الأخيرين حاملة اسم «الجديدة».

سمير كرم
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات