بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> قضايا فكرية >>
النظام الرأسمالي وانفلونزا الخنازير
  18/05/2009

النظام الرأسمالي وانفلونزا الخنازير 

النظام الرأسمالي ليس مجرد نظام اقتصادي على أساسه تسير اقتصاديات مجموعة من الناس أو بلد بل هو عبارة عن فلسفة أو ايديولوجيا متكاملة تتداخل فيها الجوانب السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و الحضارية و الدينية و الاعلامية و غيرها حيث تحول الى أسلوب حياة الكثير من الشعوب في العالم . وفي تتبعنا لمسيرة هذه الايديولوجيا فاننا نلاحظ أنها أكثر الايديولوجيات اجراما و تأثيرا سلبيا في حياة المجتمعات و ذلك أنها اعتمدت على أساس فكري خاطىء يتمثل في المثالية الجدلية التي جاء بها هيجل الذي يرجع له الفضل في الاتيان بالمنهج الجدلي كتطور فكري هام عن المناهج الميتافيزيقية التي سبقته ثم جاء من بعده ماركس وطور المنهج الجدلي ليقول بالمادية الجدلية وهو كما قيل وجد الفلسفة قائمة على رأسها فأوقفها على رجليها ولكنهما معا يسيران بالبشرية الى فرض جبرية على الانسان لأنهما لا يعترفان بأن الجدل قائم في الانسان ( جدل الانسان للدكتور عصمت سيف الدولة ) .
وبالتالي عانت البشرية من النتائج الوخيمة لهذين الفكرين و قدمت الكثير من التضحيات .
وبالعودة للنظام الرأسمالي فهو يهدف الى الربح و يعتبر أن سعادة البشر تتحقق تلقائيا من خلال تحقيق كل فرد لحريته فأدى ذلك الى تحرر أفراد قلائل من المجتمع هم الأكثر خبثا و الأقوى فلم تتحقق الحرية للمجتمع ككل و لما كان هؤلاء المحظوظين في المجتمعات الغربية لم تكفهم مجتمعاتهم لاشباع نهمهم الى مزيد من الربح اتجهوا الى استعمار مجتمعات أخرى وقد ترتب على ذلك من النتائج حدوث أبشع الجرائم الوحشية من تقتيل و تشريد و سجن و تعذيب و نهب لخيرات شعوب المستعمرات و لما قاومت الشعوب هذا الاستعمار و انتصرت أو اكتشف المستعمرون أن استعمارهم عاد عليهم بالخسارة فكان لا بد من أن يجدوا بدائل أخرى للاستعمار المباشر كالهيمنة السياسية من خلال أدوات حكم عميلة تخدم ركاب الاستعمار وتقمع مواطنيها أو هيمنة اقتصادية من خلال التبادل التجاري غير المتكافىء بشراء الخامات بأبخس الأثمان وبيع المنتوجات الصناعية بأغلى الأسعار أو الهيمنة الثقافية و الاعلامية من خلال الغزو الثقافي بالتقليل من شأن الآخر و الاعلاء من شأن القيم الغربية كالديمقراطية و حقوق الانسان والمحافظة على البيئة ضمن جوقة من النفاق و التضليل الاعلامي .
وفي الآونة الأخيرة تصدرت أنباء تفشي مرض انفلونزا الخنازير قائمة الأحداث العالمية المكتظة بالمصائب والكوارث والأزمات السياسية والاقتصادية والعسكرية والبيئية، ولخطورة الوضع وسرعة تفشي هذا المرض الذي شارف على التحول إلى وباء عالمي رفعت منظمة الصحة العالمية درجة تأهبها الى الدرجة الخامسة من أصل ست درجات وتكاد المنظمة أن ترفعها إلى الدرجة الأخيرة بين عشية وضحاها، ، وفي محاولة لتهدئة روع الشعب الأمريكي أعلن الرئيس الأميركي باراك أوباما أن مرض إنفلونزا الخنازير مثير للقلق، لكنه ليس سببا لإطلاق إنذار الخطر.
ولمعالجة هذا الموضوع لا بد من وقفة فكرية تبين لنا الأسباب الحقيقية لمثل هذه الكارثة الانسانية و التي أصبحت تهدد الأخضر و اليابس في العالم فهل هي مجرد مرض يعالج بالعقاقير و الأدوية أم هي أزمة أخلاقية و فكرية تعالج بالقيم و المثل و المبادى.
فالسبب في هذا المرض الوبائي هو الحضارة الغربية الفاسدة التي سادت العالم طوال القرن الماضي ولا زال العالم يكتوي بنيرانها إلى الآن، فالحضارة الغربية كانت ولا زالت العامل الرئيس في تفشي الأمراض والأوبئة في العالم وذلك نابع عما تنطوي عليه من أفكار ومفاهيم تقود أصحابها إلى الجشع والوحشية وفقدان أدنى الأحاسيس البشرية، ولكن الغرب استطاع بآلته الإعلامية أن يضلل العالم ويخدعه بدعاوى أن حضارته هي حضارة الهبوط على القمر وتكنولوجيا المعلومات والصناعات المتقدمة وأغفل كل المخلّفات التي أضرت بالجنس البشري في كافة المجالات مما جعل التقدم العلمي عامل شقاء وخراب بدل أن يكون عامل طمأنينة واستقرار .
إن كثيراً من الأمراض ظهرت منذ ما يقارب القرن أو أقل من ذلك والعلم قد أثبت أن هذه الأمراض لم تكن موجودة فيمن كانوا قبلنا وذلك لعدم وجود أسبابها لديهم، وذلك كالايدز والسرطان والإلتهاب الرئوي الحاد (سارس) وانفلونزا الطيور وتبعه الخنازير والجرثومة الخبيثة (الانثراكس) وغيرها الكثير مما يصعب حصره، ولا شك أن التقدم العلمي الذي لم يراع الجوانب الإنسانية في المنتجات والصناعات كان سبباً رئيساً في العديد من هذه الأمراض كاستخدام المواد الكيميائية في تهجين النباتات واستخدام المواد الحافظة والأصباغ في المأكولات.كما كانت مفاهيم الحرية الشخصية سبباً في السلوكيات الشاذة والخاطئة التي أدت الى الإيدز وأقرانه من الامراض. وقد خرج الغرب في اطار هذا النظام عن قواعد الطبيعة باطعام الأبقار العاشبة أساسا مواد بروتينية فأصيبت بجنون البقر واستغل هذا الحدث و وظف اعلاميا لتشغيل مصانع الأدوية و هكذا يقع استغلال كل حدث و توظيفه اعلاميا و نفسيا لمزيد من ربح الرأسماليين على حساب الجماهير العريضة في العالم ولا يختلف اثنان اطّلعا على المبدأ الرأسمالي الذي يتحكم بالبشرية اليوم أن هذا المبدأ لا يقيم وزناً لأي قيمة إنسانية أو خلقية وأن القيمة في تعريف هذا المبدأ هي قيمة مادية صرفة، محسوسة كانت أم ملموسة، فصاحب المصنع او التاجر لا يراعي سوى عامل الربح في صناعته أو تجارته بغض النظر عن ضرر أو فائدة المادة المصنعة او المباعة وبغض النظر عما اذا كانت هذه السلعة من شأنها الإخلال بالمجتمعات البشرية وما يجب أن تكون عليه من الرفعة والرقي، لذا كانت المخدرات والحشيش والخمور سلعاً ذات قيمة اقتصادية لدى الرأسماليين، ولا شك أن هذه النظرة من شأنها ان تلحق الضرر الجسيم بالجنس البشري وتجعل التقدم العلمي أداة لشقاء البشر لا لراحتهم، ومن الأمثلة التي تجسد هذه النظرة علاوة على المخدرات والحشيش والخمور، الأغذية المعدّلة جينياً التي تسبب أمراضاً عدة فهذه النظرة قادت أرباب الصناعات إلى الإهتمام بزيادة الإنتاج لزيادة الأرباح بغض النظر عن الكوارث الصحية التي يمكن ان تخلفها هذه الطفرات الصناعية.
إن المشكلة الإقتصادية لدى الرأسمالية تكمن في ندرة السلع والخدمات نسبة إلى الحاجات البشرية اللامحدودة وهذا التشخيص الخاطئ للمشكلة الإقتصادية جعل الدول الرأسمالية تندفع باتجاه التركيز على انتاج المزيد من السلع والخدمات، بغض النظر عن حسن توزيعها أو سوئه وبغض النظر عن كون الحاجة البشرية أساسية أو كمالية، مما جعل رأس سلم اهتمام هذه الدول هو زيادة الانتاج بغض النظر عن الآثار السلبية التي يمكن ان تنتج جراء تقنيات زيادة الانتاج .
وبسبب النظرة الرأسمالية الجشعة قامت العديد من شركات الأدوية إلى احتكار انتاج بعض الأدوية من أجل ان تتحكم بسعرها لكي تدر عليها ارباحاً هائلة بغض النظر عن قدرة أو عجز البشر المصابين بهذه الأمراض على شراء هذه الأدوية فالمهم هو الربح والربح الفاحش دون سواه بل إن من الغرابة النادرة التي يستهجنها أي إنسان سوي أن تقوم بعض الشركات الغربية بطمس علاج جذري لمرض ما لتستمر في بيع عقاقيرها في الأسواق .
من الأسباب المادية المباشرة لأمراض عدّة هي التصرفات غير اللائقة التي يتصرف بها أصحاب الحضارة الغربية والتي لا يصح وصفها سوى بالسلوكيات البهائمية كانتشار الفاحشة والشذوذ الجنسي لذا لم يكن غريباً أن تخلف هذه الحضارة للبشر الإيدز وأضرابه من الأمراض .
من الأمراض ما تم تصنيعه في دوائر الاستخبارات الغربية تحت غطاء الأسلحة البيولوجية كالأنثراكس وغيره وهذا التوجه يظهر مدى فقدان هذه الحضارة لأدنى معايير الإنسانية فهمّها هو الغلبة التي تمكنها من نهب خيرات الأمم واستعبادها ولو كان ذلك عبر إبادتهم .
إن أية حضارة يفترض بها أن توفر للبشر حياة تليق بهم كبشر أولاً وحياة آمنة مطمئة ثانياً لا ان تكون أداة لشقائهم وجلب الكوارث والمصائب عليهم، ونظرة خاطفة لتاريخ الحضارة الغربية ترينا حجم الضنك الذي خلفته هذه الحضارة للبشر جميعا على كافة الصعد، فقائمة الأمراض التي انتشرت وتفشت في العالم لعقود أو قرن مضى في ظل هذه الحضارة ليست بالقصيرة ابتداءاً من الإيدز ومروراً بجنون البقر وانفلونزا الطيور والانثراكس والالتهاب الرئوي الحاد سارس وانتهاءاً بانفلونزا الخنازير، يأتي تفشي هذه الأمراض في الوقت الذي عجزت فيه هذه الحضارة عن توفير حلول للأزمات الإقتصادية التي نكبت بها العالم، وفي الوقت نفسه تسطو فيه قواها على البشر ظلماً وعدواناً فتحتل أرضهم وتخرب ديارهم وتنهب خيراتهم، بل إن ضرر هذه الحضارة قد وصل الحجر والشجر وطبقة الأوزون، فكل ما يعانيه العالم اليوم من أزمات ونكبات ومصائب سياسية كانت أو اجتماعية أو اقتصادية او حتى بيئية هو حصاد الرأسمالية الآثيم طوال أكثر من قرن من الزمان، لذا كان على العالم أجمع أن يُجمع أمره على ضرورة الإسراع للتخلص من هذا المبدأ المتداعي وهذه الحضارة الفاسدة حتى يتدارك نفسه من الهلاك والسقوط في الهاوية .
وفي هذه الأجواء الملبدة بغيوم الرأسمالية القاتمة وفي حلكة فساد هذه الحضارة، تفتقد البشرية حضارة الإسلام التي أنارت للعالم دربه وقدمت له كل ما من شأنه أن ينقذه في الدنيا والآخرة، قدمت له سبيل الهداية فضحت بالغالي والنفيس وبالأرواح والأموال في سبيل نشر الإسلام رسالة خير وهدى للعالم وقدمت له التقدم العلمي النافع الذي من شأنه ان يصلح للبشر دنياهم بعيداً عن جشع الرأسماليين وفسادهم .فهلاّ أدرك المسلمون حجم المسئولية الملقاة على عاتقهم فيسرعوا في العمل لإقامة صرح الإسلام من جديد لتكون تعاليمه السمحة ملاذاً للمستضعفين ومنارة للتائهين وأملا للمقهورين من فساد هذا النظام الرأسمالي الخبيث.
وسيظل هذا النظام الفاسد يثير الرعب في النفوس و يختلق الأزمات لتجاوز أزماته الى أن تتفطن كل شعوب العالم الى ما فيه من عيوب ومفاسد فتثور عليه وتقبره الى الأبد.
الناصر الخشيني ــ

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات