بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> قضايا فكرية >>
ماذا يبقى من سياسة الماركسية وفكرها؟
  31/05/2009

ماذا يبقى من سياسة الماركسية وفكرها؟

 من يتأمل التواريخ التي صنعت " كارل ماركس" بين سنتي 1818 و1883 سرعان ما ينتبه إلى أنه ‏قد عايش تحولات القرن التاسع عشر الكبرى، وأنه قد تأثر بها وأثر فيها.‏
فلقد رأى النور في مدينة تراف سنة 1818 وكان والده رجل قانون، فانخرط في دراسات قانونية ‏فلسفية في مدينة بون الألمانية، ثم في برلين، حيث عاشر حلقة " الهيجليين الشبان" فصقلت مواهبه التي ‏كانت بعد قد اتخذت وجهة البحث والتنقيب والرغبة في البرهنة الفكرية.‏
وما إن هلت سنة 1842 حتى غدا رئيس تحرير صحيفة " الغازبت رينان" التي تم تأسيسها في " ‏كولونيا" من قبل الزعماء الألمان، فأكسبها نزعتها اليسارية بالمعارك التي كان يخوضها فوق صفحاتها ‏حول " سرقة الخشب" أو " الرقابة" وغيرها..‏
هكذا ولد الفكر الماركسي يساريا منذ بدايته، وهكذا كان يعلن عن الرغبة في المشاركة في الحياة ‏العامة، وهز العروش المستقرة في الاقتصاد، والمجتمع والثقافة.‏
فما كان من السلطات إلا أن أوقفت الجريدة، فأقبل كارل الشاب على الزواج من إحدى ‏الأرستقراطيات، صديقة الطفولة، والسفر إلى باريس، حيث ساهم في " الحوليات الفرنسية الألمانية" ‏التي كانت يشرف عليها المفكر "روج" .‏
هكذا أنتج مشاركاته في نقد فلسفة القانون الهيغلية، ودخل مرحلة تعرف "بالفوارباخية" أو "بدايات ‏الفوارباخية".‏
وما إن كانت سنة 1844 حتى سلط ماركس هيغل على فوارباخ، وغدا "شيوعيا طوباويا" .
فتم نفيه ‏من باريس سنة 1845، والتجأ إلى الإقامة في بروكسال، حيث صادف أن التقى بانجلز، فاستهلت ‏صداقة العمر بالنسبة إلى الرجلين، ونشأت مدونات عديدة منها النظريات حول فوارباخ"، و"النظرية ‏الألمانية".‏
على إثر ذلك مباشرة صدرت " تعاسة الفلسفة" وبيان الحزب الشيوعي" بطلب من " الجامعة الشيوعية".‏
هكذا استهلت مرحلة مهمة في حياة كارل ماركس هي المرحلة الثورية، التي سرعان ما انتشرت في ‏أوروبا، فأقدم ماركس من جديد في مدينة كولونيا على تجديد نشر صحيفة " لا غازيت رينان".. التي ‏سرعان ما اختفت لحظة أقبل ماركس على اللجوء إلى لندن، حيث قضى أكثر من ثلاثين سنة لونت ‏ثقافتة ووطدت دعائم فكره، إذ كان يمضي الساعات الطوال في قاعة المطالعة في المتحف البريطاني".‏
‏ في لندن بعث " العالمية الاشتراكية" الأولى، قبل أن ينشر سنة 1867 كتاب " رأس المال" الذي يعد ‏رأس أعماله على الإطلاق، ثم الحرب الأهلية في فرنسا"، قبل أن يعرف نهايته سنة 1883.‏
هكذا نقر بأن حياته كانت حافلة، موصولة بفكرة ورؤاه الاقتصادية السياسية، خاصة أنها قد شهدت " ‏مراحل أوروبية" مهمة، خاصة بالتنقل بين ألمانيا وفرنسا وإنكلترا، حيث تختم الأفكار الكبرى التي تهيأ ‏للفلاسفة الأوروبيين صياغتها انطلاقا من مدونة هيغل أب المثالية.‏
ألا يقول دارسو ماركس إن هيغل كان قد أقام نظريته معكوسة، بحيث جعلها تقف على رأسها، فقدم ‏ماركس، وكان كل ما أنجزه، أن أعادها إلى الإيقاع السوي، فجعلها تقف على قدميها.‏
سألت يوما واحدا من أبرز أساتذتي: كيف يمكن أن نقول إن هيغل كان أبا للمثالية"، فأجاب: "لأنه بلغ ‏بها آخر أطوارها، أو أوصلها حتى الأوج.‏
فأدركت مباشرة بعد ذلك أن ماركس كان قد جمع ـ جمع يقين وتحقيق ـ بين المثالية المطلقة والمادية ‏المطلقة.‏
هكذا نعرج على فكرة جوهرية لدى كارل ماركس لا تعدو أن تكون فكرة " الجدلية" حيث يتقدم التاريخ ‏بحسب التناقض الناشئ عن الحوار بين المتباعدات.‏
المفكرون الكبار، والمنظومات الفكرية الكبرى، هي حقا القادرة على فك هذه المغلقات. أو قل هي ‏القادرة على وضع الاستفهامات الضرورية لتحريك السواكن، وتمكين الحضارة من أن تتقدم بسقطات ‏متعاقبة نحو الأمام، لا تمنع النهر من الحركة، وتمكن المقبلين على دخول ماء النهر... من التعامل مع ‏مياهه المتجددة.‏
على أساس من هذا ولدت الماركسية، وسرعان ما غدت أداة للرفض، وذابت في صلب فلسفات القرن ‏التاسع عشر الأوروبية، وداخل آدابه الكبرى التي كانت تبشر بقيم الغربة، والحداثة، والعبث من كافكا ‏حتى بروتون نكون في صلب ذلك الجدل البناء الذي هز أوروبا، وقوض حكم القياصرة، ودعا إلى ‏النظر إلى الوجود نظرة جديدة تتسم بالتوق إلى التغيير، وانتشال الحضارة من الوهن الذي يمكن أن ‏تكون قد تردت فيه.‏
وندرك اليوم أن الثورات الكبرى التي هزت روسيا وأوروبا الشرقية وشطرا من إفريقيا وأمريكا ‏الجنوبية، قد اندلعت باسم الماركسية التي قوضت الفلسفة، ودعت إلى إبطالها، وبشرت بإقامة علم جديد ‏على أنقاض المثالية.
انتهى الآن كل شيء، وأشرف الحفل على نهايته، الكراسي فارغة والمدعوون يتأهبون لمغامرة القاعة. ‏فماذا بقي من ذلك الفكر الصاعق الذي نبغ في جلب الأصدقاء والأتباع نبوغه في خلق الأعداء ‏والمناوئين؟
هنا نعود إلى مستهل هذه الورقة مستفهمين عما يبقى من ماركس اليوم فكرا وتيارا سياسيا ونظرية ‏اقتصادية هزت عروش العالم، حتى أكد بعض المفكرين أنها كانت حقا بمثابة " القارة الجديدة" التي ‏اكتشفها ماركس الأرستقراطي، على حدود حقول البروليتاريا العالمية.‏
نستحضر هتافات العمال في شوارع المدن الكبرى، وآلاف الآلاف من ساعات الاجتماعات السرية في ‏المصانع المغلقة عقب أيام الإضراب المتعددة، والحصص التي لا تنتهي في جامعات الشرق والغرب ‏لنسجل أنه قد بقي الكثير من الماركسية سياسة وفكرا وتراثا إنسانيا ثريا غنيا قادرا على الإضافة.‏
والحق أن جملة هذه الأفكار ضرورية جدا لتلوين نظرة رجل السياسة إلى الواقع، وتهوئة نظريات ‏المفكر ورجل الأدب، حتى لا يبقى سجين المغلقات الرجعية المستندة إلى الحقب السابقة.‏
بيد أن الماركسية أيضا سرعان ما تتحول إلى بنية دغمائية، مثل كل نظرية، أو عقيدة، يبالغ أتباعها ‏في تقديسها، والإقبال على تطبيق تعاليمها، دون الانتباه إلى مدى ملاءمتها الواقع.‏
هذا ما نستشعره، وهذا ما أدركه المعنيون بالأمر، حين نتأمل مسيرة الاتحاد السوفياتي، أو الصين.‏
ذلك أن الثقافة في ذاتها ضد التعصب، وكل بنية ثقافية هي أساسا بنية متفتحة.‏
لهذا فإن كل بنية ثقافية تكون أصلا ضد الدغمانية، ولهذا فإن الماركسية قد سقطت فيما دعت إلى ‏رفضه.
كل ما هنالك أن المد الفكري القوي الذي نتج عن " اللقيا القدرية" بين فكر ماركس ورغائب ‏الطبقات الشعبية، في أوج صعودها الأوروبي، قد سارع إلى إنتاج ضرب من الفكر النير... الذي ‏يكشف عن حدوده بالاحتكاك بواقع الناس.‏
لهذا فمن واجب المفكرين اليوم أن يزدادوا انخراطا في فهم وتأويل ما نادت به الماركسية من حربة ‏فكرية وما أنشأته من بنيات جديدة، وما بلورته من فلسفات على أنقاض الفلسفة المثالية الألمانية دون ‏وقوع، أو قل مع حذر الوقوع، في الفخ الإجرائي الذي وقعت فيه الماركسية.‏
اعتقد أن الماركسية، التي أعلنت إفلاسها المدوي من حيث هي نظرية في الحكم، قد غدت أكثر ‏انسجاما مع مجالات أخرى، مثل الأدب، والفن.‏
فهي ضرورية اليوم بالنسبة إلى معارف الشاعر وكاتب الرواية، إذ تسهم في تلوين ذائقته، وتمكنه من ‏أدوات إيجابية جدا في فهم الوجود.‏
وهي ضرورية بالنسبة إلى الجميع.. من كوريا الجنوبية حتى المنطقة العربية مرورا بالهند، وأمريكيا ‏الجنوبية وإفريقيا السوداء.‏
لهذا فإننا ندعى إلى إعادة قراءة المدونة الماركسية قراءة حركية، متحررة من الضرورات السياسية، ‏آيلة إلى ضرب من التنافذ السخي مع متطلباتها المجردة أكثر من اقتضاءاتها العلمية.‏
وفي تقديرنا أن المشتغلين بالأدب والفن والموسيقى والرسم والرياضيات، والعلوم الطبيعية، ‏والانتروبولوجيا والعلوم الاجتماعية، وعلم اللغات... مدعوون كلهم إلى حسن التعامل مع قدرة " رأس ‏المال" على النفاذ إلى البنيات الأكثر خفاء.‏
لهذا فإننا نميل إلى اعتبار التراث الماركسي اليوم تراثا إنسانيا قادرا على دخول جميع المنظومات ‏الفكرية الفلسفية وغير الفلسفية، لإغنائها وإكسابها المزيد من النجاعة في مستهل القرن الواحد ‏والعشرين.‏
وإننا على يقين من أن المفكرين العرب اليوم في حاجة إلى هذا الفكر الذي يمكنهم من النظرة النسبية ‏اللازمة للحكم الموضوعي على الأشياء. ‏
فالإنسان العربي يدعى إلى فهم العالم المحيط به، ونعتقد أن الماركسية، بعد أن تحررت من اقتضاءاتها ‏السياسية قد غدت قادرة على الانسجام مع المتطلبات الفكرية الملائمة لحاجتنا إلى التحرر من ضغوط ‏الماضي ونير الاستعباد الفكري الذي كبلنا قرونا متعاقبة.‏
الماركسية أداة من أدوات التثقيف التي تمكن مستعملها من الغوص في لحم الأشياء، واستجلاء الفكر ‏الغربي، وغير الغربي، بحثا عن الجوهر الخفي الكامن في حركة الوجود.‏
عليه فإننا نعود لنسترجع بالشمال ما قدمنا، أو ما فرطنا فيه باليمين، إذ أكدنا أن هذه الأداة الفكرية ‏المثلى قد تحررت من الحمل السياسي، لكنها قد اكتسبت حركية مستجدة بحصولها على ألق الفكر، ‏الفكر الحر، والقادر على التحرر على الدوام، حتى لا تركد المياه في النهر ذاته، ولا يستحم الكائن ‏الإنساني في السيل ذاته مرتين.‏
صلاح الدين بوجاه

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات