بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> قضايا فكرية >>
تجديد الفكر القومي العربي .. غياب الهدف
  10/06/2009

تجديد الفكر القومي العربي .. غياب الهدف

قبل أكثر من عام انعقد بدمشق مؤتمر تجديد الفكر القومي والمصير العربي 19 / 4 / 2008 ، برعاية الدكتورة نجاح العطار نائب رئيس الجمهورية ومشاركة نحو 46 باحثاً من مختلف الأقطار العربية ، ينتمون لهذا التيار ( لم تشارك فيه سوى إمرأة واحدة هي الدكتورة بيان نويهض الحوت ) .
وتقدم كل من الباحثين بورقة تضمنت رؤيته وتوجهاته في قضايا مختلفة تهم هذا التيار. وضمت الأوراق في كتاب زادت صفحاته عن 500 صفحة. وإذا أخذنا الأمور من آخرها نقول . إن المؤتمر تناول بالتفصيل قضايا هامة تتعلق بتحليل الفكر القومي وتاريخيته ودوره والسلبيات التي واجهها والأخطاء التي وقع فيها ، لكنه تجاهل أو تجاوز الموضوع الأساسي الذي عقد من أجله وهو تجديد الفكر القومي والوسائل والآليات التي تعمل على تجاوز هذه الإشكاليات وتعمل على تجديده وتطويره وصياغة مفهوم متطور يأخذ بالحسبان العوامل التي ظهرت أو التي يمكن أن تظهر بعد التجارب المرة التي وقع فيها هذا التيار والتي كان اغلبها خارج عن توجهاته ومنظومته الفكرية . بل أن المؤتمر أقر عدداً من التوصيات لا نعتقد أنه التزم بها سوى بإصدار الكتاب المذكور.
ولم تكن الأبحاث التي قدمت وحدها التي تجاهلت قضايا التجديد، بل أن البيان الختامي نفسه افتقد إلى رؤية واضحة إلى هذا التجديد أو تجاهلها. لذلك فإن من يطلع على مضمون الكتاب سيجد فيه أبحاثاً متنوعة حول الوضع العربي والمصير العربي، لكنه تجاهل أسس وعوامل التجديد خاصة السؤال الهام وهو كيف نجدد ؟ وكيف نضع الفكر القومي مجدداً على الطريق الصحيح ليؤدي المسؤولية التي وقعت عليه في حماية المصير العربي و ليلعب مجدداً دوره الإيجابي في الحياة الفكرية والسياسية العربية ، وما هي الوسائل التي سيعتمدها وعليها سيتوقف هذا المصير . وهذا ما دعى أحد المشاركين إلى تسمية مثل هذه اللقاءات ( بحوارات الشكوى التي تدور خرج إطار اللقاءات الرسمية ) . خاصة وأن المشروع القومي العربي يتعرض الآن إلى مزيد من الضغط والتهميش ومحاولة إلغاء دوره تحت حجة أنه فشل في تحقيق الأهداف التي انطلق من أجلها .
لا شك أن الحديث عن تجديد الفكر القومي من قبل التيارات والأفراد الذين ينتمون له هو اعتراف منهم بما تعرض له من جمود وأصبح من الضروري إعادة تجديده وتطويره ليتماشى مع مراحل التطور الراهنة ، وموجهة التجزئة العربية والهيمنة العالمية والعولمة المتوحشة . وأن يلعب دوراً إيجابياً في حمل أهداف الأمة وبناء حضارتها وتقدمها. وإذا كان الفكر أو المشروع القابل للتجديد هو الفكر المتحرك والفاعل فإن إطلاق تجديد الفكر القومي أو المشروع القومي العربي نابع من إحساس الذين ينتمون إليه بأن مشروعنا هذا هو الذي يجب أن يحمل مثل هذه الحركة. وهذه ليست المرة الأولى التي تجري فيها مثل هذه المحاولات ، منذ أن وصل المشروع القومي إلى ما هو عليه الآن ، بل سبقتها محاولات أخرى كان آخرها قيام مجموعة من أفراد هذا التيار بصياغة وثيقة متضمنة لعوامل تجديد الفكر القومي وصدرت في كراس بعنوان ( المشروع النظري للتيار القومي العربي ) تطرق بشكل واضح إلى أسباب إخفاق التيار القومي في تحقيق أهدافه كحامل لأهداف الأمة وعوامل تجديده المنطلقة من تحقيق الدولة القومية ( دولة الأمة ) ، وحماية حقوق المواطنين على اختلاف انتمائهم . والديمقراطية وتحرر المرأة، والعلمانية.الخ.. وهناك محاولات أخرى كثيرة . لكن المؤسف أن المؤتمر تجاهل هذه المشاريع رغم أن بعض الذين ساهموا في صياغتها كانوا من المشاركين في المؤتمر نفسه.
لقد تناولت أبحاث المؤتمر واقع الفكر القومي والأخطاء التي وقع فيها وإخفاقاته لكننا لم نلحظ أنه تطرق إلى الإيجابيات التي حققها في ترسيخ الشعور القومي والوطني في مواجهة الاحتلال وعمليات الاستغلال والنهب . وبقيت بعض أبحاثه غامضة بل بعضها أشارت بقصد أو دون قصد إلى إلغاء المشروع القومي عند تأكيدها على ضرورة استبدال المفهوم القومي بمفهوم العروبة بحجة أن هذا المشروع أصبح يثير حساسية لدى الفئات الأخرى. كما انه أهمل أو تجاهل ماهية العلاقة بين العروبة والإسلام دون وعي إن العروبة هي الهدف النهائي للمشروع القومي. فإذا كنا نعتقد أن العروبة هي مشروع الأمة التي تضم في جنباتها جميع المواطنين في الوطن العربي عرباً كانوا أو من القوميات الأخرى فإن المشروع القومي هو المشروع السياسي للعروبة وحاضنة أهدافها في وحدتها وتحررها وبناء نهضتها وتقدمها . وهي أهداف شاملة لو أنها وضعت على محمل التطبيق العملي أو أدرك المواطنون أهميتها. فالوحدة تجعل من هذه الأمة قوة اجتماعية وجغرافية واقتصادية قادرة على حمايتها وحفظ مواردها وتعزيز مكانتها، وأيضاً قوة مساندة كبيرة للشعوب التي تناضل من أجل استقلالها وبينها الشعوب الإسلامية في العالم الإسلامي. فهي تضم أكثر من 300 مليون نسمة يقيمون على مساحة جغرافية تزيد عن 14 مليون كم2 ويتكلمون لغة واحدة حتى لو تعددت لهجاتها وفيها موارد اقتصادية كبيرة وهي الأمة الوحيدة التي تتيح لجميع أبنائها بالتمتع بحرية الاعتقاد والانتماء وممارسة الحقوق الثقافية ، حتى لو حصلت بعض عمليات الاضطهاد الشعبي أو الرسمي والتي تنتجها واقع المجتمعات التي لا زالت متأخرة ومتخلفة ، وبالتالي فإن اتهام العرب بالشوفينية شكل تجنياً واضحاً لهم خاصة وإنهم الآن يعانون من شوفينية الآخرين الذين يحاولون أن يتباهوا أو يتعالوا عليهم بعلومهم وثقافتهم وتاريخهم . أما التحرر فهو استعادة الأراضي المحتلة والتخلص من الهيمنة والاستغلال والنهب لذلك فإن المشروع القومي هو الذي تبنى وطنية الموارد الطبيعية العربية والتمسك بالمحافظة عليها والتنبيه إلى مخاطر تبديدها وحق المواطنين بالاستفادة منها ، ودخل لهذا السبب في معارك شرسة عندما تصدى للأحلاف والمشاريع الاستعمارية منذ بدايات القرن الماضي وحتى الآن ، وتصدى أيضاً لجميع المحاولات التي تجعل من تسوية الصراع العربي الصهيوني وسيلة لاستلاب الأراضي العربية في فلسطين في الوقت الذي كانت فيه القوى الأخرى تتحالف مع قوى الهيمنة لإحباط هذا التصدي أو إضعافه . أما النهضة فهي تتجسد في بناء مجتمع عربي موحد ديمقراطي وحديث ، يستند إلى مبدأ المساواة والعدالة وتحرر المرأة التي لا زالت تعاني من الاضطهاد ، والسعي لقيام دولة عربية وطنية ديمقراطية تستند إلى السيكولوجية السياسية الحديثة التي استطاعت البشرية أن تصل إليها ، مما يوفر للمواطنين كل المواطنين حرية الرأي والاعتقاد والانتماء وتشكيل الأحزاب والمنظمات التي تؤسس لمثل هذه الدولة واستخدام الوسائل الديمقراطية للمطالبة بالحقوق . هذه العناصر ليست اجتهادات وهمية إنها في صلب المشروع القومي العربي ، والعودة لدولة وحدة 1958 بين مصر وسورية التي حاولت بناء مشروع دولة هو خير شاهد على ذلك إذ أنها مشروع الدولة القومية التي حملت المشروع القومي وسعت لبناء دولة قوية متحررة ذات تنمية ونهضة ومساندة لجميع حركات التحرر والشعوب التي تحاول أن تستقل وتنهض ولا أحد يستطيع أن يتنكر لهذه الحقيقة رغم جميع الأخطاء التي ارتكبت فيها كتجربة أولى للعرب منذ سقوط الدولة العربية على يد هولاكو . وكان القوميون هم أول من انتقد أسلوبها وممارساتها إحساساً منهم أنها كي تنجح لا بد أن تتمسك بالمبادئ التي تبناها المشروع القومي وعلى الأخص قضية الديمقراطية التي شكل غيابها العنصر الهام لإضعاف دولة الوحدة. كما أن الحركات القومية العربية هي التي تناولت تجربة الأنظمة التي تلبست بالقومية ونقد تجربتها بل مقاطعتها أحياناً ولا نعتقد أن أحداً منهم برر أو دافع عن مثل هذه الممارسات ، وهؤلاء هم غير الذين ركبوا على هذا التيار أو شكلوا دائرة ولاءات انتهازية لتلك الأنظمة وانشقوا عنها عندما فقدوا أو تضررت مصالحهم . إن الربط بين المشروع القومي والأنظمة التي تبنته والتجارب التي تحققت باسمه هي تجني آخر على هذا المشروع وظلم كبير له. والذين يربطون بين الطرفين إما أنهم لا يستطيعون أن يستوعبوا أهداف المشروع وبنيته الفكرية أو أنهم يسعون لأهداف أخرى. .
أما أن يرتبط نجاح المشروع أو إخفاقه بالعلاقة بين العروبة والإسلام ، أو الإدعاء أن المشروع القومي أهمل هذه العلاقة أو تجاوزها ، فهذا من العجائب المذهلة . ذلك أن الإسلام هو دين الأغلبية الساحقة من العرب أكثر من 95 % على صعيد الوطن العربي ولم يكن ممكناً تجاوز هذه العلاقة أو إهمالها ، فالعرب هم الذين حملوا راية الإسلام وعملوا على نشره ، لكن العلاقة بين العروبة والإسلام تختلف اختلافاً كبيراً عن العلاقة بين العرب والمسلمين بسبب العوامل السياسية والاختلافات القومية التي حكمت هذه العلاقة ، ولم تستطع العلاقات الدينية تجاوزها . إن الذين يتحدثون عن مثل هذه العلاقة ينطلقون من وجود إسلام واحد وأمة تشكل كتلة واحدة ولها أهداف ومشاريع سياسية واحدة وهذا أمر غير متوفر فالعلم الإسلامي هو من أكثر شعوب الأرض شرذمة بغض النظر عن العوامل المؤثرة في هذه الشرذمة . وهناك من المسلمين من يأخذ على القوميين أنهم عاملو المسلمين بقسوة عندما تمكنوا من ذلك ، وهؤلاء نسوا أن ما عاناه القوميون على أيدي القوميين هو أكبر بكثير مما عاناه المسلمون ، تماماً أن ما عاناه المسلمون على أيدي المسلمين هو أعنف بكثير من أية معاناة أخرى .
إن انتساب العرب للإسلام هو انتساب راسخ لا يتعلق بواقع سياسي يأخذ شكلاً انتهازياً في بعض الأحيان بهدف إرضاء بعض القوى الإسلامية التي كان لها مواقف سلبية من جهة وعدوانية من جهة أخرى تجاه العرب والعروبة. لذلك فإن الغزو الأجنبي والحفاظ على تجزئة العرب لم تقتصر على ( الفرنجة ) بل أن المواقف الإسلامية لم تعمل لا على وحدة المسلمين ولا على وحدة العرب ، وعندما حاول محمد علي وابنه إبراهيم في مصر بناء دولة عربية مهما كانت أهدافها فقد تصدت لها القوى الأوربية لكنها لم تلق دعماً من الدولة العثمانية التي كانت تناصب محمد علي العداء وتختلف معه رغم أن إسلامية محمد علي لا تقل عن إسلامية السلطان .
لا شك أن بعض المتحدثين في المؤتمر أدركوا أن الذي يحتاج إلى التجديد هو الحامل للمشروع القومي ، أي الأحزاب والهيئات التي تبنته ، حزب البعث ، الحركة الناصرية بكل تياراتها ، حركة القوميين العرب والأحزاب القومية الماركسية التي لا زالت متمسكة بفكرة القومية العربية . والمؤتمر القومي العربي الذي يضم في عضويته مجموعة من الأشخاص بعضها ينتمي إلى هذه الحركات ويمكن أن يلعب دوراً بارزاً في تجديد الفكر القومي. وما يجب تجديده أيضاً هو ارتباط هذا المشروع بقواه الاجتماعية أي لا بد من فتح حوار جدي بين الحامل التنفيذي والحامل الاجتماعي كما سماها أحد المشاركين ، حوار غير مأزوم يساهم فيه كل المجتمع بما فيه السلطة التي تتبنى هذا المشروع والقوى التي تعمل على هذا المشروع أو تختلف معه . وإذا لم يتحقق ذلك فإن عبارات من نوع. الوصول إلى تيار قومي مستنير أو فكر قومي قادر على استيعاب المرحلة الإنسانية الراهنة لن توفر لنا الآليات التي تشكل ضمانة لخروج الأمة من أزمتها الراهنة.
أما الذين يجدون في رسوخ مسلمات الفكر القومي باعتبارها مسلمات تقليدية ويجدون صعوبة في تجديد الفكر القومي بعدما ما وقع من شروخ في نسيج هذا الفكر في العقود الأربعة فنحن نسألهم، لماذا عقد مؤتمر تجديد الفكر القومي إذن ؟ وهم يجلسون على طاولاته وقد بذلوا جهوداً كي يشاركوا فيه، ولماذا أيضاً يحاولون أن يدعون لدولة قومية أو دولة الأمة، ومن هي هذه الأمة أو القومية إن لم تكن الأمة العربية ومشروعها القومي. إن هؤلاء يتهربون من المسؤولية ومواجهة الواقع .
إن تجديد الفكر القومي يقتضي إعادة صياغته بحيث تتجاوز هذه الصياغة السلبيات التي مر بها وتحديد الآليات التي ستعمل على هذا التجديد وتشكيل الهيئات التي تتابع هذه العملية وتشرف عليها وإلا ستبقى هذه اللقاءات مجرد ذكريات تماماً كما يفعل المحبون الذين لا يجدون ما يتحدثون به عن المستقبل فيستحضرون الماضي وذكرياته .
نحن على قناعة أن مؤتمراً يعقد لأيام لن يحل مشاكل وعقد تكونت خلال عقود لكن عودة فعالية المؤتمر تقتضي متابعة هذا الموضوع وإعداد دراسات تدخل في صلب المشروع، والاستفادة من المشاريع التي أنجزت في هذا المجال. وقبل كل شيء الالتزام بالتوصيات التي أقرها المؤتمر على الأقل.
منير درويش
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات