بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> قضايا فكرية >>
ما معنى البقاء في السلطة إلى الأبد؟
  23/06/2009

ما معنى البقاء في السلطة إلى الأبد؟


ياسين الحاج صالح
ألفنا أن نتكلم على الاستبداد أو الدكتاتورية، معرفّين إياهما باحتكار السلطة العمومية والتوسع في ممارسة القوة خارج القانون… دون ربط ذلك بأي بعد زمني. والحال أن السمة الأخبث والأشد فتكا للاستبداد المعاصر في العالم العربي هي سعيه إلى البقاء المؤبد في الحكم في عالم يجمع بين التغير الدائم وجعل التغير قيمة عليا. في بلداننا اقترن ما نسميه الحكم المؤبد بكثير من الضحايا البشرية، فضلا عن تعطيل المبادئ التي تحمي المجتمع والحياة البشرية. أول الضحايا مبدأ المسؤولية: أنت في الحكم مهما فعلت. باق إن انتصرت أو هزمت، إن جاع محكوموك أو شبعوا، إن احتجوا أو رضخوا… وهذا أصل للفساد المنتشر بل الكاسح حتما في ظل كل نظام حكم مؤبد. وبما أنك في الحكم فينبغي أن تكون منتصرا دوما وشعبك راض دوما وموحد دوما وإنجازاتك لا تنضب. هذا تتكفل بتأكيده أجهزة إعلام محتكرة من قبل الحكم المؤبد نفسه. تُغيَّر صورة الواقع مادام الواقع ذاته ينبغي ألا يتغير. الضحية الثانية، تاليا، للحكم المؤبد هي الحقيقة. لا يهم كم يكون الواقع سيئا، صورته المقررة والمفروضة جيدة دوما. من يقول عكس ذلك يهان، وربما يباد. من يقبل بذلك يسلم ويترقى. في المحصلة يعيش الحكم المؤبد ومحكوميه معا في عالم كاذب مزيف، لا يمكن قول الحقيقة بشأنه. التزييف يمس كل شيء، أصل النظام وآليات عمله وأوضاع السكان في ظله ومواقفهم منه. الضحية الثالثة هي الحيوية الاجتماعية والسياسية والفكرية. كأن الناس يعيشون في حجرة لا يتجدد هواؤها، أو كأنهم سجناء في زنازين لا يخرجون منها أبدا. تضعف لياقتهم الفكرية والروحية والأخلاقية والسياسية، وتتدنى قدرتهم على الابتكار والتجديد، كما تتدهور صورتهم في عين أنفسهم، فتتولد في دواخلهم عواطف سلبية سامة تجاه أنفسهم وتجاه غيرهم، ونتيجة ذلك تتدنى نوعية هذه المادة البشرية التي لم تتنسم هواء نقيا أو ترى النور طيلة حياتها. يمكن تشبيه الحال أيضا بفرد فرض عليه الرداء الضيق نفسه مدى الحياة: يكف عن النمو ويتقزم وربما يدمر، فوق أنه يخسر بهجة ارتداء الجديد والجميل والأنيق، مما لا يستغنى عنه من أجل نمو تقدير الذات والشعور الإيجابي بالنفس والاسترخاء في العالم. والضحية الرابعة، تاليا، هي أمن السكان وسلامة أجسادهم وعقولهم. إذ لا يسعك الخلود في الحكم دون توسع في القمع وضرب الناس ببعضهم وإسكان الخوف في قلوبهم، وإظهار أتم الاستعداد لقتل من ينازع على السلطة العمومية والتنكيل بمن قد يتشكك في صورة العالم المفروضة من قبل الحكم المؤبد. لا ولا يخاف ضحايا الحكم المؤبد منه ومن زبانيته فقط، إنما من بعضهم. ذلك أن حكما مسوقا برغبة الخلود يجنح إلى تعميم الوشاية في المجتمع ويقدم جوائز إيجابية للأشد ولاء له، ويروّع بخصومه. فيؤلب الناس ضد بعضهم، ويعمم مبدأ أن في الوشاية السلامة وفي الأمانة الندامة وفقدان الأمان، وعلى هذا النحو ينتج الحكم المؤبد التفكك الاجتماعي وأزمة الثقة بين الناس. والضحية الخامسة هي قيم العلم والعمل والكفاءة… لأن الحكم المؤبد يتسبب في انقلاب سلم القيم لمصلحة قيم السلطة والولاء. العلم أساس لاستقلال اجتماعي وأخلاقي وفكري لا يطيقه الحكم المؤبد، ومثله العمل المنتج والمستقل، فهو أيضا أساس استقلال اجتماعي لا تطيقه النظم المؤبدة على اختلاف إيديولوجياتها. وعلى هذا النحو يظهر قانون تطور غريب في ظل أنظمة الحكم المؤبد: يترقى اجتماعيا الأقل استقلالا والأدنى كفاءة. البقاء للأسوأ. هذا يشجع الخراب الأخلاقي ويفسد أمانة الناس، وهو مصدر إضافي لخراب وانحطاط المادة البشرية.
والضحية السادسة هي مستقبل المجتمع المحكوم، ذلك أن الحكم المؤبد لا يترجل من تلقاء ذاته، ولا يتطوع إلى فتح نوافذ للتغيير الذاتي، ولا يحدد بالتعريف أفقا زمنيا لانقضائه، لذلك لا يزول إلا باهترائه وسقوطه كما حصل للاتحاد السوفييتي قبل عقدين من السنين (بينما كان المجتمع المحكوم مخنوقا غير قادر على التوجه وسياسة ذاته بسداد)، أو بعنف هائل يفوق ما يقدر هو على ممارسته من عنف فيلحق الهزيمة به كحال العراق الصدامي. وهكذا فيما يفرض الحكم المؤبد حاضرا مؤبدا خانقا على محكوميه، فإنه يجعل مستقبلهم ومستقبل بلادهم قاتما مخيفا. ولا يكاد المرء يتعزى من صوغ هذا الواقع في قاعدة قد تنص على أن من يحكم بالعنف بالعنف ينتهي، ذلك أن من يدفعون ثمن العنف هم المحكومون. لم يسقط نظام صدام الذي قتل أو تسبب في مقتل مئات الألوف من رعاياه إلا على يد قوة أشد قدرة على القتل، تسببت حتى الآن في مقتل عدد أكبر من العراقيين المنكوبين.
بينما جعل العالم الحديث التغيير فضيلة مقدرة ومؤسسة سياسية مستقرة يجري التأكد من صلاحيتها كل بضع سنوات، ابتليت المجتمعات العربية بمنع التغيير نصب الحواجز العالية دونه. استبداد خالد. هذا هو القدر التراجيدي الذي يتحكم بمجتمعاتنا الحديثة، ومن غير المحتمل أن تتحرر منه دون مآس فاجعة. ويتمثل لب تراجيديته في أن المجتمع المحكوم يطور ضروب تكيف تدميرية مع التعرية الرهيبة المديدة المفروضة عليه (مشاركة في الفساد، تنافس على التخلي عن المسؤولية، تعصب ديني، طائفية، عشائرية…)، ما يرهن الخلاص من الاستبداد الحاكم بتدمير المجتمع المحكوم. كأنما الأفق الوحيد الذي يتركه الاستبداد المقيم لمحكوميه هو أفق التدمير الذاتي. هذه هي النكبة التي تزري بكل نكباتنا الأخرى، النكبة التي يسعد أعداؤنا بها أكثر من أي شيء آخر. تعيس هو البلد الذي لا يتغير نظامه وحكامه. أسهل له لو قصف بسلاح نووي مرة واحدة من أن يحكم من مرة وإلى الأبد من قبل النظام نفسه وبالعقلية نفسها.
* كاتب سوري

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات