بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> قضايا فكرية >>
قضية العروبة بين الطرح الإثني والحضاري
  04/07/2009

قضية العروبة بين الطرح الإثني والحضاري
أزراج عمر
على مدى عقود كان هناك نقاش حول العروبة في المشهد العربي المعاصر، وبرزت بالتالي عدة تيارات داخل هذا المشهد، هنالك من حدد العروبة كانتماء لغوي ضمن البنية العامة والكبرى للإسلام كأبعاد روحية وحضارية وثقافية، وهناك من حصرها في البعد العرقي وبذلك سلبها حقيقتها. وفي العقد الأخير من القرن العشرين وخاصة خلال وبعد أزمة الكويت ومن ثم أثناء الغزو الأمريكي للعراق حدثت ردة في المواقف وفي النقاش الفكري أيضا تجاه مشروع الوحدة العربية الذي ينبغي أن يؤسس له في إطار الديمقراطية وسيادة الحريات، واحترام الأقليات وتنوعاتها الثقافية والروحية والإثنية. وبالمقابل برزت تيارات داخل الأقليات تطالب بحقوقها السياسية واللغوية والثقافية وعلى نحو متزامن أو تعاقبي مع تيارات تدعو إلى الانفصال. وفي الجزائر المستقلة نقاش حول هذه القضية الساخنة، ومن بين مثقفي الجزائر المشاركين في النقاش نجد الدكتور عبد الله الركيبي من خلال مقالاته وكتبه. وفيما يلي هذا التحليل لبعض أفكاره لتوسيع أفق الحوار حول العروبة كبعد حضاري.
وصفة التوفيقية:
ينطلق الدكتور الركيبي في كتابه "عروبة الفكر أولا" من إثارة المشكلات التي تعاني منها بلداننا المشتتة، منها الموروثة عن الاستعمار الأوروبي ومنها التي صنعتها مجتمعاتنا السياسية والشعبية طوال فترة الاستقلال. تشغل الدكتور الركيبي قضية التماهي السلبي مع ما هو مستورد من الغرب وقضية ما يدعوه بشكل تعميمي بعدم التفكير عربيا: "من المؤسف أننا في الوطن العربي لا نفكر عربيا، فتفكيرنا في كافة القضايا أو معظمها يوشك أن يكون مستوردا جاءنا من الغير، وتبنيناه نحن بلا فهم أو تمحيص أو تدقيق "ص 5" وهذا الاستلاب الفكري: أدى بطول الوقت إلى الانفصام في حياتنا بين القول والفعل، وإلى التناقض في المواقف، بل والتنكر أحيانا للقرارات التي نفذها عن اقتناع أو عدم اقتناع".
ويحدد الدكتور الركيبي التفكير عربيا كما يلى: "ليس معنى عروبة الفكر أن نرفض كل ما أنتجه غيرنا، بل معناه أن يكون لنا رأي فيما هو مطروح من فكر وثقافة، ونضعه على المحك الخاص بنا"، ومفهوم الدكتور الركيبي هذا ليس مختلفا عن مفهوم الدكتور زكي نجيب محمود، الذي يدعو أيضا إلى أخذ ما يوافقنا من الغرب ورفض ما لا يوافقنا؛ كما أنه لا يختلف عن أطروحات التيار السلفي الذي يحبذ أخذ التكنولوجيا من الغرب، وصد الأبواب أمام أخلاقياته، وكأن الغرب واحد وغير متنوع ومختلف.
أعتقد أن الدكتور الركيبي وقع في مثلبة التعميم حينما استخدم الضمير "نحن" ليصف واقعنا الفكري على أساس أنه مستورد ومستلب بالكامل. إن مثل هذا الوصف يقرر أن الفكر العربي في حالة سكون وجمود وتبعية مطلقة، لكن قراءة ثنايا الحياة الفكرية والأيديولوجية في الأقطار العربية بمختلف أشكال نظمها، تفصح عن وجود "صراع فكري محتدم بين التقليد والتجديد" وبين الاشتراكية والرأسمالية، وبين التيارات الانعزالية والتيارات الوحدوية، وغيرها من الحقول التي تشهد الصراع الفكري الايديولوجي. وبناء على ذلك، فإن الفكر العربي المعاصر ليس كله مستورا أو مستلبا، وليس واحدا، بل متنوع وصراعي.
إذا كان الفكر السائد باعتباره فكر السلطة الحاكمة يفرض الاستلاب، فذلك لأنه فكر يعادي الديمقراطية وأخلاق التقدم؛ أما ارتباطه المباشر أو غير المباشر بالفكر الرأسمالي أو إعادة إنتاجه للفكر الإقطاعي، فهذا أمر حتمي، لأنه فكر المؤسسات الحاكمة السالبة للحرية الشخصية والجماعية.
إذن، فإن "التعميم" الذي لجأ إليه المؤلف ينم عن أزمة كثير من المثقفين العرب المعاصرين الذين يتقون "شر" الأنظمة، وهو يبرز "الرقيب الذاتي" الذي عشش وما يزال في نفوس هؤلاء. لماذا يتهم هؤلاء الفلاحين والعمال البسطاء في الأرياف والمدن بالاستلاب الثقافي والفكري، وهم لم يشاركوا في جلبه إلى أوطانهم؟ بل نجدهم يرفضونه في حياتهم اليومية، وينددون بالمسؤولين الذين وقعوا اتفاقيات التعاون الثقافي والفني مع الدول الرأسمالية.
وإذا أخذنا الجزائر كنموذج، فإن مناقشات الميثاق الوطني الأول والثاني، وملفي السياسة الثقافية والإعلامية، "تؤكد أن الغالبية العظمى من جماهير القاعدة الشعبية رفضت جملة وتفصيلا ما يفرض عليها من أفلام العري والبطولة الفردية الزائفة، المسلسلات التي تمجد القهر، والقوة، والطبقة الغنية، فضلا عن رفضها لسياسة استيراد المجلات والكتب التي تنشر الفوضى الايديولوجية والأخلاقية. إن أصوات هذه الأكثرية تدل على أن تفكيرنا "بصيغة الجمع" ليس كله واحدا أو مستوردا. فالسؤال المطروح على الدكتور عبد الله الركيبي هو: من يستورد الفكر المضاد للتقدم؟ ومن يوقع الاتفاقيات لتسهيل وتوطين الغزو الثقافي والفكري؟ أعتقد أن الإجابة الصادقة ستقول إن من بيدهم الحكم هم الذين يقومون بهذه الأفعال السلبية.
لذلك، كان بودي لو حلل الدكتور عبد الله الركيبي الوضعية الثقافية في الوطن العربي على أساس التفريق بين "الجزار والضحية" مع تسمية كل جزار على حدة. كما أن المقولة التي تردد بأن الاستعمار هو الذي فرض كل هذا المسخ وهذا الغزو، أصبحت غير معقولة بعد استقلال أغلبية الدول العربية ورفعها للعلم الوطني.
إن الدول الأجنبية تنتج الثقافة وتريد أن تجعلها منتشرة في العالم، وبالتالي فإنها تعمل بتخطيط محكم على أن تؤثر في الثقافات الأخرى وتتسلل إلى الضمائر والنفوس لتجد لنفسها أتباعا ومريدين. إنه لا بد لنا أن نسلم بهذه المسألة، ألا وهي مسألة الصراع الثقافي والأيديولوجي بين الدول قديما حديثا، ذلك الصراع الذي لبس أقنعة اقتصادية وغيرها من الأقنعة كحجة لاستخدام القوة لحسم القضية في النهاية.
ميتافيزيقا التعميم:
خلال قراءتي لهذا الكتاب توقفت عند صيغة "التفكير عربيا" فوجدتها مبهمة وفضفاضة، إذ يمكن أن تؤول تأويلات مختلفة ومتناقضة، إذ هنالك تفكير عربي إقطاعي، وتفكير عربي رأسمالي، وتفكير عربي اشتراكي، وتفكير عربي وحدوي، وتفكير عربي إقليمي انعزالي؛ ولذلك ينبغي على المؤلف أن يحدد هدفه منذ البداية، اللهم إلا إذا كان يعني أن تفكير بعض العرب رأسماليا وإقليميا وإقطاعيا ودكتاتوريا ليس له علاقة بالعروبة وتراثها الثقافي والسياسي، غير أن تأمل الإنتاج الفكري الذي أنتجه العرب، وكذلك مجموع الأخلاقيات والسلوك وأنظمة الحكم، يوضح أن هذه "الحصيلة" تتضمن "صراعية" لا يمكن نكرانها أو نفيها، سواء كما تتجلى في التراث القديم بما فيه السلوك، أو كما نراها في الإنتاج والسلوك الاجتماعي والسياسي المعاصرين.
تاريخية الغزو الثقافي:
إن سياسة الاستعمار الأوروبي التي ركزت على إحداث خلخلة في بعض الأقطار العربية عن طريق تكريس القبلية والعشائرية فيها، لم تأت بها من خارج المجتمعات نفسها إنما كانت من نسيج هذه المجتمعات، وكل ما قام به الاستعمار هو أنه أعطاها شكلا، وكرسها كفاعلية انقسامية بين أبناء الوطن الواحد لتسهل عليه فيما بعد مهمة الاستمرار في استغلال ثروات البلد وموقعه الاستراتيجي الحيوي. أؤكد على هذه المسائل لأننا نعلق كل تخلفنا على "مشجب" المستعمر، وكأننا معاقون على نحو مطلق.
إن هذه العقلية هي جزء من تخلفنا، حيث إنه يجدر بنا فعلا محاربتها وتجاوزها إلى الشروع في عملية تحليل "تركيبتنا الداخلية" تحليلا نقديا عقلانيا، للإمساك باللحظة "الصراعية" فيها، وتحديد أقطاب الصراع قصد الخروج من لغة التعميم التي كرسها الدكتور عبد الله الركيبي في مقدمة هذا الكتاب.
يحدد الدكتور عبد الله الركيبي بداية الغزو الثقافي في الجزائر ببداية الغزو الفرنسي هكذا: "وإذا كان الغزو الفكري والاستلاب الثقافي قد امتدا على مساحة الوطن العربي كله تقريبا منذ أن وضعت الحرب العالمية أوزاها، فإنه في الجزائر بالذات قد بدأ منذ بداية الغزو الفرنسي في النصف الأول من القرن الماضي، واستمر طوال فترة الاحتلال "صفحة6".

إن هذه التحديدات الزمنية للغزو الثقافي والفكري بالنسبة إلى الأقطار العربية والجزائر لا يقبلها المنطق، لأن الغزو الفكري والثقافي يعود تاريخه إلى أبعد من ذلك، إنه في الفترة الممتدة بين 325م و600م أسست فيها أسقفيات يقدرها "الأطلس المختص لتاريخ العالم" بخمس أسقفيات رومانية لها مقاصد الغزو الثقافي- الديني وهي: "أسقفية تيبازة، وأسقفية سرتا بقسنطينة، وأسقفية عنابة ،وأسقفية ميليف "قرب قسنطينة"، وأسقفية فينيريا بجنوب عنابة. وعمل هذه الأسقفيات كان يتجاوز المهمة الدينية للمحتل الأجنبي إلى مهمات أخرى تتعلق بالتمهيد لحكمه وثقافته وتقاليده لتقبل من طرف الجزائريين. فهل نستطيع أن نستبعد الأسقفيات المسيحية الرومانية من الغزو الفكري والثفافي؟ إنه لا يمكن ذلك لأنها تدخل في صميم الاستعمار الثقافي والفكري بتوظيفها للدين كقناع. كما أن الدكتور عبد الله الركيبي لم يتحدث عن الديانة اليهودية التي عرفتها الجزائر حتى قبل عام 500م.
قد كان ينبغي أن يفصل الحديث بخصوص باقي الأقطار العربية الأخرى، ثم لست أدري لماذا استبعد الدكتور الركيبي الفترة التركية التي دامت ما يقرب من ثلاثة قرون في بلادنا حيث تميزت بكثير من الظلم والقهر بعد إلحاق الجزائر بالباب العالي؟
يقول الدكتور أبو القاسم سعد الله في كتابه: "تاريخ الجزائر الثقافي" "صفحة 10": رغم أن معاملة الجزائريين لهم "أي للأتراك" كانت على أساس الأخوة الإسلامية فإنهم "الأتراك" قد جعلوا الحكم "تركيا" وليس حكما "إسلاميا"، فلم يشركوا الجزائريين معهم فيه بل احتكروه لأنفسهم طيلة ذلك التاريخ، وجعلوا أنفسهم أوصياء على شعب يفوقهم عددا وحضارة وشجاعة، إذا كان الوجود العثماني له مبررات دولية في القرن العاشر، فإنه لم تبق له مبررات في القرن الحادي عشر والثاني عشر، ولا سيما بعد تراجع المد الإسباني والبرتغالي".
وسيطرة الأتراك هذه أدت إلى نتائج سليبة على المستوى الثقافي: "فكانت نظرتهم إلى الدين في داخل البلاد نظرة تعبدية محضة، وهي نظرة لم تستفد منها الثقافة على كل حال، فهم لم يؤسسوا جامعة كالقرويين أو الأزهر أو الزيتونة تبث العلم وتخرج العلماء والكتاب وتحفظ اللغة وتربي العقل، ثم إنهم لم يكونوا يتكلمون لغة البلاد ولا يتذوقون أدبها ولا يقرؤون كتبها ولا يتصلون بعلمائها اتصالا عاطفيا وعقليا كما فعل مثلا سلاطين المغرب، أو حتى بايات تونس بعد تأسيس العائلة الحسينية. فلا غرابة إذن أن لا يشجع العثمانيون العلماء والشعراء على الإنتاج، في عصر كان فيه الإنتاج الأدبي والتاريخي والعلمي محصورا في بلاطات الحكام "ص 13".
كما أن دراسة البنية الزراعية في ظا الاحتلال التركي تؤكد أن الأساليب التعسفية التي لجأ إليها تدخل في نطاق تدمير البنية الزراعية الجزائرية التي كانت موجودة قبل العهد التركي، وهي بنية مشاعية في أغلبها، ويمكن نعتها بالشيوعية البدائية. وتدمير البنية الزراعية الجزائرية من قبل الأتراك غزو ثقافي وفكري.
أعتقد أن دراسة هذه الخلفية السابقة للاحتلال الفرنسي ستعطي نتائج باهرة، لو تطرق إليها الدكتور عبد الله الركيبي في كتابه الذي يحتاج حقا إلى أكثر من وقفة، وإلى أكثر من تحليل ومناقشة، خاصة وأنه يطرح إشكالية العروبة الفكرية والثقافية من وجهة نظر تقصد إصلاح ذات البين.

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات