بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> قضايا فكرية >>
دمج حزب البعث مع العربي الاشتراكي.. زواج لم يعمر!
  05/07/2009

دمج حزب البعث مع العربي الاشتراكي.. زواج لم يعمر!

 بقلم :مروان حبش*
لم تترك لنا وثائق الحزب ما يشير إلى تفاصيل المفاوضات التي جرت وانتهت إلى الدمج بين حزبي البعث العربي والعربي الاشتراكي باسم حزب البعث العربي الاشتراكي، والوثيقة الوحيدة التي أعلنت عن ذلك هي بيان منشور في الجزء الثاني من سلسلة نضال البعث في القطر السوري، الصفحة 191، بعنوان عهد الشيشكلي الدكتاتوري، وبدون تاريخ أو توقيع، ومما ورد فيه:
في أثناء حكم الشيشكلي، حدثت ثلاثة أمور هامة:
الأول هو إصرار قاعدة حزبي البعث العربي، والعربي الاشتراكي، على الاندماج باعتبار الحزبين يهدفان إلى الوحدة والحرية والاشتراكية، ويصارعان أخطاراً واحدة. وقد تم الدمج، وتوحدت القوى بانضمام الحزب العربي الاشتراكي إلى البعث، مما كان له أثر فعال في القضاء على الشيشكلي
والبيان الذي صدر في شباط 1953 باسم حزب البعث العربي الاشتراكي، ضد حكم أديب الشيشكلي. ومن خلال الاسم الجديد نستدل على أن الدمج قد تم في هذا الشهر.
على الراغب في معرفة بعض التفاصيل عن المحادثات التي قادت إلى الدمج العودة إلى ما كتبه كلٌ من الأستاذ جلال السيد في كتابه " حزب البعث العربي " والأستاذ أكرم الحوراني في " مذكرات أكرم الحوراني " وما تناقله بعض من عاشوا تلك الفترة، وخاصة من كان منهم في موقع قريب من قادة الحزبين.
من حركة الإحياء العربي 1940 إلى حركة نصرة العراق 1941 إلى حركة البعث العربي أو حزب البعث العربي 1943إلى المؤتمر التأسيسي لحزب البعث العربي في نيسان 1947.
ومن حزب الشباب " المحلي " في حماة بعد 1936إلى الحزب العربي الاشتراكي على مستوى القطر في 1950 إلى المؤتمر الأول للحزب العربي الاشتراكي في آذار 1951.
كانت أهداف وغايات الحزبين في مجالات القومية والتغيير الاجتماعي متشابهة جداً. وكان المبدأ الأول من المبادئ الأساسية لحزب البعث العربي كحركة قومية شعبية انقلابية "أن العرب امة واحدة لها حقها الطبيعي في أن تحيا في دولة واحدة وأن تكون حرة في توجيه مقدراتها ، وفي منهاج الحزب بالسياسة الاقتصادية ورد :المواطنون جميعاً متساوون بالقيمة الإنسانية ولذا فالحزب يمنع استثمار جهد الآخرين.
وتنص المادة الأولى من المبادئ الأساسية للحزب العربي الاشتراكي على أن الحزب حزبٌ قوميٌ، انقلابيٌ، اشتراكيٌ، ديمقراطي، والمادة الثانية تنص على أن العرب امة واحدة وعليهم أن يؤلفوا دولة واحدة في وطن عربي واحد، وتنص المادة 14 بأن الحزب يأخذ بالاشتراكية العلمية كأساس لتنظيم الحياة الاقتصادية في البلاد العربية...... .
إن المنطلق القومي لمؤسسي كل من الحركتين، دفعهما لنصرة شعب العراق أبان ثورة رشيد عالي الكيلاني 1941، فتحولت حركة الإحياء العربي إلى حركة نصرة العراق وانطلاقاً من إيمان الحركة بأن ثورة العراق تناضل " من أمنية كل العرب " دعمتها بالمال والسلاح ودعت إلى التطوع في صفوفها، وبالتزامن مع هذه الدعوة دعا حزب الشباب إلى دعم الثورة وإلى التطوع في صفوفها، وتطوع بعض الشباب من الحركتين " أكرم الحوراني، جمال الأناسي... "والتحقوا بصفوف ثوار العراق.
تشابهت، أيضا، مواقف قادة الحركتين من المستعمر الفرنسي في سورية، وخاصة الموقف من استعادة الجيش السوري من الفرنسيين، ومن تأسيس جيش جديد.
ففي بيان صدر بتاريخ 16 أيار 1945عن مكتب البعث العربي وموقع باسم ميشيل عفلق ورد "يا شعب سورية العربي؛ إنك إذ تستقبل ممثل فرنسا بإضراب شامل، ووحدة قومية رائعة، استنكاراً لما ينوي هذا الممثل فرضه، باسم دولته، على حريتك واستقلالك من قيود، أفهمه أنك لا تزال تؤمن بأن الاستقلال يؤخذ ولا يعطى، وذكره بأن هذه الأمة التي انتزعت من فرنسا استقلالها انتزاعاً، بما أراقت من دماء، وقدمت من شهداء، وما تزال هي هي ، عربية الأصل والسجية ، تعشق النضال وتلد الأبطال " . وفي بيان صدر عن حزب البعث العربي في 9 حزيران 1945 " أي بعد العدوان الفرنسي على دمشق بعشرة أيام بعنوان " لن يعود الفرنسيون الطغاة " يحذر الحزب الحكومة السورية من سياسة المماطلة والمفاوضة مع الفرنسيين، ويطالبها باسترجاع الجيش من الفرنسيين وأن تقوم سياسة سورية الخارجية على تعاون وثيق مع البلاد العربية، وينتهي البيان بمطالب سياسية محددة ".
في جلسة المجلس النيابي السوري بتاريخ 24/1/1945 وكانت مخصصة لبحث موازنة وزارة الدفاع قال الأستاذ أكرم الحوراني كلمة، ومما ورد فيها: "...لنفرض أن الفرنسيين لم ولن يسلموا الجيش، فماذا يجب أن يكون موقف الحكومة وموقفنا نحن ؟ يجب أن نستمر بالمطالبة بتسليم الجيش ولكن ما هي الوسائل التنفيذية لاستلامه ؟ هناك وسائل عديدة فإذا امتنع الأجنبي عن تسليمنا جيشنا فسنأخذه ونستلمه بالقوة لا بالواسطة، وعندها يذهب دور المفاوضة ويأتي دور القوة. ".عو هؤلاء الجنود والضباط الذين هم إخواننا وأبناؤنا إلى الانضمام لجيشنا الذي نؤلفه، وسيندمج الجيش السوري بالجيش الذي سنؤلفه، وعندها يرى الفرنسيون أن المواطن السوري لا يمكن أن يكون أداة لاستعمار أمته وهو ابنها البار...." .
وفي جلسة المجلس النيابي السوري بتاريخ 1/5/1945 قال الأستاذ أكرم الحوراني: " هناك أمور جوهرية يجب أن تعرفها الأمة فنحن لا نريد أن نغل عنقها بأي قيد ولا أن نقيدها بأي عهد أو اتفاق قبل استلام الجيش وهذه هي إرادة الأمة التي أعربت عنها واتفقنا عليها جميعاً، إننا نسمع أن هناك اتفاقات ثقافية واتفاقات أخرى وفي الوقت نفسه يقدم إلينا مشروع بتشكيل وزارة الدفاع، وإذا كان تقديمه يعني شيئاً فهذا الشيء هو أننا صرفنا النظر عن قضية استلام الجيش وإننا ننوي أن نشكل جيشاً جديداً ولهذه النقطة من الأهمية ما لا يجوز السكوت عنها ".
التقى الحزبان في أواخر شهر آب 1950 في موقفهما المعارض لتحويل الجمعية التأسيسية إلى مجلس نيابي انطلاقاً من أن أوضاع القطر تتطلب حل الجمعية التأسيسية بعد أن أنهت مهمتها وإجراء انتخابات جديدة.
وعمل نواب ووزراء الحزبين، بعد مظاهرات شعبية قادها حزب البعث في أواخر عام 1950، انطلاقاً من مبادئهما على ضرورة تأميم الشركات والمؤسسات الاحتكارية وأبرزها شركة الريجي ومصرف سورية ولبنان.
وامتنع القادة في الحزبين عن أداء القسم الذي فرضه الشيشكلي على الموظفين وتعرضوا إلى الفصل من وظائفهم.
ووجه الحزبان في أوائل 1952 برقية مشتركة إلى بأي تونس يؤكدان فيها تضامن الشعب العربي مع تونس ومساندتها لنيل استقلالها.
إن هذا التماثل في المواقف والتطابق الكبير في دستوري الحزبين ، إضافة إلى أن جمهرة المنتسبين للحزبين كانوا من جيل الشباب الذين بدأت منهم بذور التفكير بإمكانية دمج الحزبين وتكونت لديهم قناعة أنه لا يجوز أن يتنافس حزبان لهما نفس المبادئ والأهداف ، لأن مثل هذا التنافس سيؤدي إلى اضعافهما وإلى تقوية الأحزاب الرجعية والفاشية في الساحة السياسية السورية والعربية .
كانت مساعي الدمج الحثيثة تصطدم بعقبات نتيجة لاختلاف المواقف بين نواب الحزبين في المجلس النيابي، ويقول الأستاذ جلال السيد في الصفحة 88 من كتابه " حزب البعث العربي ": ( وكانت هذه المساعي تحبط في مجلس النواب. فالكتلة البعثية المؤلفة من ثلاثة نواب كانت تختلف في كل الأمور تقريباً مع كتلة ثلاثية يرأسها الأستاذ أكرم الحوراني. كما تصطدم الكتلة البعثية بتكتل عشائري من أقطابه أيضاً السيد أكرم الحوراني....... وكل خطوة يخطوها دعاة الدمج كانت تعود إلى الوراء بسبب الاحتكاك المستمر في مجلس النواب حتى كاد الدعاة يتملكهم اليأس ويتخلون عن محاولاتهم ).
ومن العقبات، أيضاً، عدم إباحة حزب البعث تدخل الجيش في السياسة أو إعطائه الحق في تصرفات كثيرة لا يعرف الشعب بواعثها، بينما كان الأستاذ الحوراني وكتلته النيابية في موضع الاتهام، وخاصة، من قبل جلال السيد، بأنه الناطق باسم تجمع برلماني كان الجيش قد سعى لتأليفه بغية تكريس تسلطه على البلد.
كما كان بعض قياديي وقواعد حزب البعث يتهمون الأستاذ الحوراني بأنه كان وراء الإجراءات القمعية التي اتخذها حسني الزعيم تجاه قادة حزب البعث.
وفي الجهة المقابلة كانت بعض قيادات وقواعد الحزب العربي الاشتراكي لا ترى بأن حزب البعث العربي حزباً سياسياً، بل هو أقرب ما يكون إلى مدرسة فكرية ثقافية. ورأي الأستاذ الحوراني في الأستاذ جلال السيد سلبيٌ جداً فهو شوفيني، عشائري، إقطاعيٌ، صديقٌ لنوري السعيد ويعمل للاتحاد السوري العراقي بوصاية عبد الإله وتحت عباءة المعاهدة البريطانية - العراقية. كما أنهما أشبعا بعضهما في المجلس النيابي عناداً وتحدياً
عقد أكثر من اجتماع في دار الأستاذ صلاح البيطار ضم الأساتذة ميشيل عفلق - صلاح البيطار - أكرم الحوراني - عبد الفتاح الزلط لبحث موضوع الدمج وما يتعلق بذلك من خطط ، ويقول الأستاذ الحوراني في الصفحة 1495 من مذكراته : ( وفي اجتماع آخر في بيت الأستاذ صلاح حضر جلال السيد فاستغربت حضوره لأنه لم يكن موافقاً على دمج الحزبين ، ولكنني لم أعترض على وجوده ، وقد توجه إليَّ خلال الاجتماع بهذا السؤال :
ما رأيك بمشروع الاتحاد مع العراق ، وهل تقبل بذلك إذا تحرر العراق من المعاهدة البريطانية ؟ قلت له: (إنني أقبل بهذا الاتحاد ولو كان تحت النظام الملكي، ولكن المشروع الذي عُرِِض كان يهدف إلى إقامة عرشٍ آخر في سورية للوصي على العرش العراقي الأمير عبد الإله مما يتيح لبريطانيا أن تُدْخل سورية ضمن نفوذها ).
وعن هذا اللقاء كتب الأستاذ السيد في الصفحة 90 من كتابه حزب البعث العربي: (......استهل الحديث السيد أكرم الحوراني فقال: إننا متفقون في كل شيء وليس بيننا خلاف ومن المصلحة الوطنية أن نكون حزباً واحداً بدلاً من حزبين ولا داعي للتمهل في عملية الدمج التي تخدم القضية من كل جوانبها. ).دى استعداده ليكون إيجابياً وظهرت عليه الحماسة...............) .
وبعد أن أجاب الأستاذ الحوراني على بعض تساؤلات الأستاذ السيد نافياً أن يكون له أي دور في انقلاب الشيشكلي على سامي الحناوي هذا الانقلاب الذي استهدف منع الاتحاد بين سورية والعراق، وأكد عدم معارضته لأي اتحاد بين القطرين، يقول السيد: ( كانت هذه أول جلسة اقترب فيها قادة الحزبين من حدود الدمج ودرسوا الإمكانية جدياً. وقد توالت بعد ذلك الاجتماعات الثنائية أو الثلاثية بين الأعضاء من كلا الحزبين على مختلف المستويات. وكانت اللقاءات مستمرة لكن التقدم لم يكن مستمراً أو مطرداً وإنما كانت تقوم العقبات كلما أوغلوا في الجزئيات والتفاصيل. وكما كان في الحزبين عناصر تميل إلى الدمج فإن هناك عناصر تميل عنه وتتمنى أن لا يكون، وكان لكل من الفئتين حججه ومستنداته.وتوقفت الاتصالات بعض الشيء عندما فوجئت البلاد بانقلاب كامل قام به العقيد أديب الشيشكلي عطل به الحياة النيابية وأوقف الدستور واعتقل أعضاء الحكومة ).
في اجتماع ضم قادة الحزبين ( عفلق -البيطار - السيد - الحوراني ) مع أديب الشيشكلي بعد انقلابه الثاني في 29/11/1951 في منزله ورغم أن الشيشكلي تظاهر خلاله بأنه حليف للحزبين، ولكن الاجتماع لم يسفر عن الاتفاق حول أية نقطة من نقاط البحث، وحسب قول جلال السيد أن القادة أبلغوه: ( أنك وحدك المسئول فأكمل طريقك ) ثم أسفر الشيشكلي عن عدائه الشديد للحزبين ابتدأ بإغلاق جريدة البعث واعتبار نشاط الحزب غير شرعي، ثم ما لبث أن اتخذ نفس الإجراء ضد الحزب العربي الاشتراكي وإغلاق جريدته " الاشتراكية".
هذه الإجراءات التي اتخذها الشيشكلي و قمع حكمه، كان العامل الأهم الذي أدى إلى تدخل بعض الضباط من أصدقاء الحزبين و إلى زيادة ضغط القواعد في تسريع عملية التفاوض لدمج الحزبين في حزب واحد وإلى تشكيل لجنتين من البعث العربي " وهيب الغانم - فيصل الركبي - عبد البر عيون السود " ومن العربي الاشتراكي " أنطون مقدسي - عبد الفتاح زلط " لوضع أسس الدمج.
يقول الأستاذ جلال السيد في الصفحة 102 من كتابه المذكور ( عقدت اجتماعات ثلاثية " أي هو والأستاذين عفلق والبيطار " متوالية في قيادة حزب البعث العربي لإقرار الدمج بعدما تكاملت الضغوط واشتدت حماسة المتحمسين له وكثرت الاتصالات بين أعضاء الحزبين. وكان الموقف في قيادة الحزب يشير إلى أنني كنت في جهة وكان السيدان عفلق والبيطار في جهة. وكان الأستاذان عفلق والبيطار يقومان باتصال مع أعضاء الحزب الراغبين في الدمج ويجريان معهم المذاكرة حول الشروط وهما يبحثان الأمر معي.
وكنت أنا متشدداً ضد الدمج. ولم يكن زميلاي أقل مني تشدداً، لكنهما كانا يواجهان الضغط مباشرة من الأعضاء ومن الجهات الأخرى خارج الحزب فيلينان بعض الشيء بينما أنا لا أواجه ما يواجهان.وبعد مداولات مستمرة بيني وبين الزميلين عفلق والبيطار عهدا إليَّ في أن أضع مشروع الاتفاق والشروط التي أراها لتحقيق الدمج ).
ويذكر الأستاذ السيد الأسس التي قدمها حزب البعث العربي إلى الحزب العربي الاشتراكي، وهي:
1- دستور الحزب الجديد هو دستور حزب البعث العربي.
2- النظام الداخلي للحزب الجديد هو المنهاج الداخلي لحزب البعث.
3- تصبح القيادة رباعية بعدما كانت ثلاثية وذلك بانضمام الأستاذ أكرم إليها.
4- سائر الأعضاء من الحزب العربي الاشتراكي يتقدمون بطلب انتساب إلى الحزب كل بمفرده. والقيادة تقبل من تقبل منهم وترفض ضم من ترفض إلى الحزب. ولا يمكن قبول أعضاء العربي الاشتراكي في الحزب مجتمعين. بينما هذا الشرط لا يسري على أعضاء البعث العربي فهم أعضاء طبيعيون في الحزب.
5- اسم الحزب هو حزب البعث العربي الاشتراكي.
أما الأستاذ أكرم الحوراني فقد أورد في الصفحة 1493 من مذكراته الأساس الذي اقترحه لتوحيد الحزبين وهو:
أولاً: أن يسمى الحزب الموحد حزب البعث العربي الاشتراكي.
ثانياً: أن نعتبر دستور الحزب العربي الاشتراكي دستوراً للحزب الموحد أو أن نضع دستوراً جديداً، لأن دستور حزب البعث الذي وضعه في مؤتمره الأول 6/4/1947 قد أصبح متخلفاً عن الدستور السوري من حيث مفاهيمه القومية والاجتماعية.
ثالثاً أن تكون قيادة الحزب ثلاثية، ينصرف فيها اهتمام ميشيل عفلق على الشؤون الفكرية، وأن أتولى مع الأستاذ صلاح البيطار المهمات السياسية والتنظيمية.
ويستطرد الأستاذ الحوراني قائلاً: ( انتهت المفاوضات على دمج الحزبين، بعد جلسات عديدة مع صلاح وميشيل، وتم الاتفاق على هذين البندين:
أولاً: أن تضاف كلمة اشتراكي إلى اسم الحزب الذي سيصبح: حزب البعث العربي الاشتراكي.
ثانياً: تضع هيئات الحزب المسئولة دستوراً جديداً توضح فيه الهوية الاشتراكية للحزب.
أما الشرط الثالث فقد صُرف النظر عنه لأن المفاوضين أبلغوني أن الأستاذ ميشيل تعهد بأن يصرف اهتمامه تلقائياً إلى الأمور الفكرية ولا حاجة لهذا الشرط الذي يعتبره ماساً به شخصياً، فقلت لهم لم يدر بخلدي أن أسيء إليه، ولكنني اقترحت ذلك لأنه أكثرنا كفاءة لتولي هذه المهمة ).
قابلت الأكثرية من قواعد الحزبين، وفرع الأردن لحزب البعث العربي، عملية الدمج بارتياح كبير، وخاصة أن هذا الدمج كان بضغط منها، وكانت ترى أن الدمج حقق للحزبين نوعاً من التكامل في الحزب الجديد.
كان الصراع بين الحزبين القوميين الاشتراكيين التقدميين، لا مفر، سيقوم على مستوى طرح الشعارات، وعلى مستوى التنافس على استقطاب الأنصار الذين لهم نفس الأهداف، ولكن الدمج حقق وجود حزب قومي وحدوي اشتراكي واحد تلتف حوله وتنضوي تحته القاعدة الشعبية.
كان حزب البعث العربي، بغالبيته العظمى، حزب المثقفين والأساتذة والمعلمين والطلاب الجامعيين وطلبة الثانويات، وله انتشار في كافة أنحاء القطر وفي بعض الأقطار العربية، وهذا ما كان يفتقده الحزب العربي الاشتراكي ذو القاعدة الفلاحية الواسعة في بعض محافظات القطر.
وكان حزب البعث العربي يعمل من خلال منطلقات عامة في الوحدة العربية والديمقراطية السياسية والاشتراكية، بينما كان حزب الشباب ثم " الحزب العربي الاشتراكي " ينطلق من واقع قائم في حماة وريفها وكان الأستاذ الحوراني مستفيداً من مقعده في مجلس النواب للمطالبة بحقوق هذه القاعدة الفقيرة ضد بغي الإقطاعيين وجورهم.
كان للأستاذ الحوراني علاقات جيدة مع العديد من ضباط الجيش ذوي الميول السياسية القومية التقدمية، وهذا ما كان يفتقده بل يحاربه قادة البعث العربي، ولقد لعبت مجموعة الضباط " من مؤيدي الحزبين "بعد الدمج دوراً حاسماً في الوقوف ضد الرجعية السياسية والعسكرية، كما كان لها الدور الرئيس في قيام وحدة مصر وسورية.
واستطاع الحزب الجديد أن يلعب الدور الرئيس في إسقاط حكم الشيشكلي لصالح حكم ديمقراطي تقدمي. وفي إفشال كل المؤامرات الرجعية الداخلية والخارجية وفي حماية استقلال سورية والسير بها نحو الوحدة.
وحقق دمج الحزبين انتشاراً أوسع لحزب البعث العربي الاشتراكي في الأقطار العربية الأخرى، كما حفز الجماهير في تلك الأقطار على تدعيم نضالها وتحقيق انتصارات ضد القوى الرجعية والاستعمارية، وإلى إسقاط سياسة الأحلاف ومناطق النفوذ ومبدأ أيزنهاور....الخ.
وأصبح لحزب البعث العربي الاشتراكي 16 نائباً في مجلس النواب بعد انتخابات 1954، من بينهم نائبان عن مدينة دمشق لأول مرة، وبذلك برز الحزب كقوة برلمانية تقدمية لها جماهيرها الكبيرة في الشارع السوري ولها تأييد واسع من القوى التقدمية في الجيش. وهذا ساعدها على التصدي للأكثرية البرلمانية الممثلة للقوى الرجعية ولجمها
في جواب الأستاذ صلاح البيطار على أحد أسئلة مراسل جريدة الجريدة اللبنانية في 21/8/ 1954 ورد:( كان تأسيس حزب البعث العربي عام 1943 ضرورة قومية...... ، وكان الشعب قد فقد أمله بزعمائه الذين كشف استيلاؤهم على الحكم في فترتين اثنتين إبان الانتداب عن ارتباطهم الوثيق بالطبقة الإقطاعية وسعيهم المتواصل لتأمين مصالحهم، أما اندماج الحزبين: البعث العربي والعربي الاشتراكي فأمر طبيعي لأنهما كانا يسيران في اتجاه واحد ضمن مبادئ متشابهة قائمة هي أهداف العرب في جميع أقطارهم وهي الحرية والاشتراكية والوحدة العربية، ومما سهل اندماجيهما وعجل فيه خوضوهما معركة النضال ضد الديكتاتورية العسكرية التي حاول الشيشكلي أن يفرضها على البلاد ). نضال البعث الجزء الثالث ص 17-18
وفي اجتماع انتخابي في الشهر التاسع 1954 تحدث الدكتور جمال الأناسي عن دمج الحزبين ومما قاله: (......ورأينا أنفسنا ونحن طلاب في الجامعة السورية نلتقي وفي أول مظاهرة جرت ضد الفئة الحاكمة مع رفاق أكرم الحوراني....... وأستطيع الآن أن أقول: أنه منذ ذلك اليوم، منذ مطلع عام 1945 قد تشكل حزب البعث العربي الاشتراكي، ومنذ ذلك اليوم ونحن نلتقي في كل مناسبة وفي كل معركة من معارك النضال الشعبي........ ، حتى إذا ما قامت أزمات الانقلابات العسكرية وظن الناس بعد إنشاء الحزب العربي الاشتراكي وبعد قاعدته الشعبية النضالية وامتدادها في مدن سورية وقراها، أن الحركة الاشتراكية العربية أصبحت موزعة في سورية بين حزبين ومنهاجين وبين طريقتين في العمل والنضال، وجدنا أنفسنا وأمام أول أزمة شعبية، أمام أزمة الحرية إبان طغيان الشيشكلي وزمرته على البلاد نلتقي من جديد، وكان القدر التاريخي لأمتنا لا يريدنا إلاّ حزباً واحداً وإلاّ عملاً واحداً ومنهاجاً واحداً وقاعدة شعبية واحدة هو هذا الحزب، حزب البعث العربي الاشتراكي ).
زواج لم يعمر
يقول الأستاذ السيد في الصفحة 104 من كتابه المذكور: (كنت على مثل اليقين أن هذه الشروط " ويقصد الأسس التي قدمها البعث العربي للتفاوض " لن تحوز على القبول من جانب الطرف الآخر وكنت كمثل المطمئن إن الصفقة لن تتم ولن يكتب لفكرة الدمج بين الحزبين النجاح.
وقد غادرت دمشق بعد ذلك عل عجل إلى مدينتي لأتلقى هاتفاً من الأستاذ صلاح الدين البيطار يخبرني فيه أن الشروط قد قبلت وأن الدمج قد تم ).
بعد اكتشاف تنظيم الضباط الموالين للبعث العربي الاشتراكي أصبح أمر اعتقال قادة الحزب وارداً ولا بد لهم من اللجوء إلى لبنان - بعد أن شكلت هيئة قيادية لقيادة العمل النضالي في الداخل - وكان ذلك في أوائل1953، واستغل الأستاذ عفلق فترة وجوده هناك لتشكيل نواة حزبية في لبنان وغالبيتها من الطلاب ومن بينهم الدكتور علي جابر وغسان شرارة وعبد الوهاب شميطلي وحسان مولوي ومحمد عطا الله من لبنان وكان معهم سعدون حمادي من العراق وعلي فخرو من البحرين وعلي خصاونة من الأردن .
وفي لبنان، خلال فترة لجوء الأساتذة، عقدت سلسلة اجتماعات بينهم وبين قادة الحزب في الأردن " الريماوي ونعواس "، وبعض الحزبيين من لبنان، واقترح الأردنيون أن تسمى هذه الاجتماعات " المؤتمر القومي الأول ".
ومن لبنان بدأ القادة يكتبون البيانات المعادية لحكم الشيشكلي ويسربونها إلى سورية.
استجابت الحكومة اللبنانية لضغوط أديب الشيشكلي، وقامت في منتصف عام 1953 باعتقال الأساتذة الثلاثة وترحيلهم إلى المنفى الذي اختاروه في إيطاليا.
إن الاختلاف في العقلية وأسلوب العمل بين قادة الحزبين كان له انعكاساً كبيراً على ما حدث بينهم بعد الدمج.
يقول الأستاذ الحوراني في الصفحة 1496 من مذكراته: (بعد دمج الحزبين، شعرت منذ الاجتماعات الأولى أن الأستاذين أصبحا بعيدين عني أكثر من السابق، وأنهما يشكلان قيادة مستقلة ).
بدأ الخلاف يبرز بين الأستاذ ميشيل والأستاذ أكرم في لبنان. وعاد ليطفو مجدداً في ايطاليا وانقطعوا عن بعضهم لأكثر من شهر، وكان لكل منهم اتصالاته الخاصة بأنصاره من الحزبيين في أوروبا.
وبعد عودتهما في شهر تشرين الثاني 1953 من ايطاليا إلى دمشق، عاد الأستاذ الحوراني إلى تفرده في العمل، في بعض الأحيان، مثل تصريحه في جريدة التربية الحلبية الذي حمل فيه على الرجعية وعلى مشاريع الاتحاد المشبوهة، وهذا ما اعتبره الأستاذان عفلق والبيطار خروجاً على الانضباط الحزبي، كما شككا في الهدف من التصريح، وبهذا الوقت بالذات الذي كان فيه الحزب طرفاً رئيسياً في الجبهة الوطنية التي تشكلت، وفق ميثاق مؤتمر حمص في منتصف شهر أيلول 1953.
أثناء اعتقال الأساتذة الثلاثة مع لفيف من شخصيات الجبهة الوطنية في أواخر شهر كانون الثاني 1954، كان الأستاذان عفلق والبيطار يعتبران نفسيهما منفصلين عن الأستاذ الحوراني. ويورد الأستاذ الحوراني في الصفحة 1558 من المذكرات: قال لي صبري العسلي بعد سنين: ( إن صلاح وميشيل كانا يصرحان لهم " للمعتقلين " بأن تعاونيهما معي " مع الأستاذ أكرم " إنما هو تعاون عابر، وأن البعث هو حزب مستقل عن العربي الاشتراكي ).
في أعقاب سقوط نظام الشيشكلي مباشرة، أطلق سراح الأساتذة الأربعة " عفلق - البيطار - الحوراني - السيد " مع السياسيين من الأحزاب الأخرى والعدد الكبير من البعثيين - وكانت نسبتهم تقارب ال 80% من بين المعتقلين - وعاد الحزب لممارسة نضاله العلني بعد ما يقارب العامين من النضال السري وهو مزودٌ بثقة عالية وبتأييدٍ قويٍ من الجماهير وبسمعة طيبة في صفوف العسكريين والتقدميين.
أخذ الأستاذ ميشيل يعبر للبعض من خواصه عن ندمه على موافقته على دمج الحزبين ويعتبر أن الدمج قد دنس طهارة عقيدة البعث العربي وأبعده عن كونه مدرسة للتبشير العقائدي والفكري قبل أن يكون حزباً سياسياً، وقبل الانتخابات لمجلس قيادة الحزب في أيلول 1954، قال الأستاذ عفلق لأحد الأعضاء من الصف القيادي الثاني في الحزب: ( لقد اعتبر بعض الحزبيين أن الخلاف بيني وبين أكرم الحوراني خلافاً شخصياً ووقفتم على الحياد ).
إن اندماج الحزبين في فترة النضال السري لم يتح لقواعدهما التعارف والانسجام، ولذا أقيم حفل تعارف في أوائل شهر نيسان 1954بمناسبة افتتاح مقر الحزب الجديد في الطلياني وعودته إلى النشاط العلني، وفي هذا الحفل ظهر التباين في كلمتي الأستاذين عفلق والحوراني. حيث ورد في كلمة الأستاذ الحوراني: ( إن الديمقراطية لا يمكن أن تتحقق إلا عندما يصبح الشعب سيد نفسه، ولذلك فإن الحزب يتوجه إلى العمال والفلاحين، إذ لا يجوز لفئة أو طبقة لا تعرف إلا مصالحها أن تعبث بمصلحة أغلبية البلاد ).
ومن كلمة الأستاذ عفلق، التي أعقبت كلمة الأستاذ الحوراني: ( إن حزبنا حزبٌ انقلابي جدي لا يقوم على هواية ولا يقبل في صفوفه الهواة، فالعمل في حزبٍ انقلابيٍٍ ليس هوايةً ولا ميلاً وإنما هو وظيفة هي أخطر من كل وظيفة، وهي كما عرفها الحزب منذ نشوئه رسالة......... وليس التنظيم جمعاً فحسب وإنما هو خلقٌ وإبداعٌ ، وليكن في بادئ الأمر مختصراً عددياً ، ليس في هذا ضير ولكن ليكن جدياً ) .
بعد عودة القيادة الثلاثية من إيطاليا بدأت تتسرب الشائعات عن وجود خلاف بينهم، ودعا الأستاذ عفلق هيئة القيادة " الأعضاء القياديون في الفروع " لعقد اجتماع في منزله في حي الميدان وبعد أن استعرض الوضع السياسي، اتهم الأستاذ الحوراني بأنه يدبر لانقلاب على الشيشكلي من خلف ظهر القيادة. واقترح فك الدمج بين الحزبين. ولكن هيئة القيادة التي حملت عبء النضال في غياب القيادة الثلاثية، أثبتت بنضالها أن وحدة الحزب قابلة للاستمرار، ولم يتجاوبوا مع الاقتراح.
استمر الخلاف بين القادة بعد سقوط حكم الشيشكلي حول الأسس التي يجب اختيار المرشحين باسم الحزب إلى عضوية المجلس النيابي، وكان يرى الأستاذ عفلق أن الأستاذ الحوراني قد خدعه، وأنه طامعٌ في الاستيلاء على حزب البعث العربي، وعاد إلى تكرار رأيه القديم فيه أمام زواره، وهو رأيٌ يعود إلى عام 1947 حينما طُرِح تنظيم الأستاذ الحوراني في حزب البعث العربي، وكان تقييمه له بأنه سياسيٌ انتهازيٌ أو سياسيٌ مغامر، وطرح مجدداً بين أوساط الحزبيين شعار فك الدمج، وبالمقابل كان الأستاذ الحوراني لا يألو جهداً في تشويه صورة الأساتذة عفلق والبيطار وجلال السيد، وكان الأستاذ أكرم يعتبر أن الأستاذ السيد وراء الكثير من أحابيل الدس وزرع الكراهية لفك الدمج.
كان الأستاذ جلال السيد يجهد، دوماً، ليروج رأيه الذي أورده بعد ذلك في كتابه " حزب البعث العربي " ومفاده: أنه لا يميل إلى تضخم الحزب بطريق الدمج، وإنما كان أميل إلى ما يسميه طراز النمو والتكاثر الذاتي.
قاد تناقضُ القادةِ الحزبَ إلى أزمة داخلية، وأصبح محور نقاش الأعضاء الموالين شخصياً للقادة وأحاديثهم يتركز على الخلاف بين أعضاء القيادة وعلى أخلاقهم وحياتهم الشخصية والطعن والغمز والاتهام.
أما موقف أكثرية أعضاء الحزب من الجيل الثاني ، أي قيادات الصف الثاني إذا أجيزت تلك التسمية ، كان يؤكد على :
- ضرورة رأب الخلاف في وجهات النظر بين الأساتذة، أو تضييقه قدر الإمكان وعدم تسريبه إلى قواعد الحزب.
- إن مصلحة ساحة النضال السياسي في سورية وبقية الأقطار العربية تستدعي استمرار حزب البعث العربي الاشتراكي حزباً موحداً.
- ضرورة استمرار القادة الثلاثة كقيادة للحزب وتعاونهم معاً، لما في ذلك من قوة لتنظيم الحزب الموحد وانسجام أعضائه، وذلك، أيضاً، يعطي للحزب هيبةً وقوةً في الشارع السياسي العربي.
- ضرورة خروج أعضاء القيادة من حالة الشخصنة وتجميع الموالين حول أشخاصهم، إلى تأسيس قيادة جماعية تقود التنظيم الحزبي والعمل النضالي، بصفتها تلك.
فرضت الانتخابات الحزبية المزمع إجرائها لمجلس الحزب، وضغط القاعدة الحزبية، والأحداث السياسية الداخلية والخارجية والمؤامرات التي يتعرض لها القطر، ضرورة التعايش والتعاون بين القادة الثلاثة " كان الأستاذ جلال السيد قد انسحب من الحزب في شهر آب 1955 " وغاب عن المسرح شعار فك الدمج - وإن كان حديث القادة لا يخلو، أحياناً، عن الخلاف بين عقليتين - وظهرت بوادر الاتفاق في وجهات النظر حتى نهاية عهد الوحدة.
ومن بوادر الرضا والتوافق بين القادة كانت تلك اللقاءات السرية في أواخر عهد الوحدة، بين ثلة من البعثيين، استجابة للرسائل التي وجهها الأمين العام للحزب الأستاذ عفلق من لبنان إلى الأستاذين البيطار والحوراني، ويحثاهما فيها على البحث في إعادة تنظيم الحزب من جديد في سورية.
استمرت حوارات إعادة تنظيم حزب البعث العربي الاشتراكي، حتى انعقاد المؤتمر القومي الخامس في أيار 1962 وقرار القيادة القومية المنتخبة منه بفصل الأستاذ الحوراني ومجموعته من الحزب، ولم تجد المحاولات التي بذلت من بعض ناشطي الحزب رغم قرار القيادة القومية باستبعاد الأساتذة الثلاثة عن التنظيم حرصاً على وحدة الحزب.
* وزير سوري سابق
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات