بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> قضايا فكرية >>
استدخال الهزيمة ونفي العرب من التاريخ
  29/07/2009

استدخال الهزيمة ونفي العرب من التاريخ

عادل سمارة
الهزيمة سواء كانت قومية أو طبقية في المجتمع الواحد تعني أن الطرف الأقوى يبدأ بالسيطرة، ومن ثم بالهيمنة، وهذا أجدى له واسهل، وهذا يعني خضوع الطرف الآخر أولا بالسيطرة ومن ثم التعود عليها أو التطبُّع بها- بمفهومنا العربي للتطبيع اليوم-، ولا يأتي التطبع بدون عامل مادي سواء ظهر أم اختفى أو بالأحرى أُخفي بحذق وبفرش ثقافي وتنظيري، وبهذا يحصل نوع من الاستقرار، أو التوازن الاجتماعي في البلد الواحد أو الاستقرار في علاقة التابع والمتبوع. حتى الآن نحن في رحاب نظرية غرامشي بشأن الهيمنة تحديداً، والتي تعرضت لسرقات عديدة، حيث أعاد سبكها فوكو بما اسماه القوة مثلاً، وهو الأمر الذي طالما أدهش وألهب ألباب الطلبة المستجدين في علم الاجتماع، المأخوذين بالحمى الكاذبة في الجامعات البرجوازية الغربية: "اعطني فكرة خلاقة"، ولا يهم بعدها مدى قدرة هذه الفكرة على التفاعل مع المجتمع وتحديداً مع نضال الطبقات الاجتماعية الشعبية للقضاء على الرأسمالية.

لكن الأمور في الوطن العربي، وفي الأرض المحتلة تبدأ من نظرية غرامشي، التي قصد بها اصلاً وصول الطبقات الشعبية إلى قلعة السلطة واقتلاع تلك السلطة دون تركيب سلطة مثلها بالمقابل. وهو ما اسميته في أكثر من مقالة، البدء بتفكيك مفاصل الدولة القطرية، ولسنا نطالب غرامشي اليوم بأن يصل إلى ما وصلنا إليه، من أن الدولة بما هي حصريا طبقية، لا يمكن أن تحقق متطلبات أمة أو أمم. لا بد من شيء جديد أرقى من دولة النطاق القومي المُخضع بالضرورة لمصالح الطبقة الحاكمة/المالكة حتى لو كانت ذات اتجاه إنتاجي متحكم بالفائض ومتمحور على الذات، ففي كل هذا تظل محصورة قومياً وحين تمتد أو تتمدد إلى الخارج تكون استعمارية، وإمبريالية وعولمية كما هي اليوم. ربما يجوز القول إن شبكة من قوى التنمية بالحماية الشعبية على صعيد محلي قومي اقليمي وعالمي تمثل مدخلاً، وقد يتفاعل مع هذا الحراك الشعبي العالمي الجيد ضد الحرب وضد العولمة، وإن كانت هذه الحركة المليئة بطيبي القبوب والوجدان، هي ايضاً مخترقة بثعالب راس المال والصهينة والعالم الرسمي.

ما يجري في الوطن العربي، وتحديداً في الأرض المحتلة معاكس لما ذهب إليه غرامشي والذي أعادوا قراءته وخاصة إلتوسير، وديفيد هارفي، ومفيد قسوم، وتطويرات سمير امين في الاقتصاد، وما يتبدى في تلويك من الألم، وعجزي عن الدمع. ما يجري هو الوصول بالهيمنة، ليس إلى قلعة السلطة، بل إلى استدخال الهزيمة. اي لوي عنق النظرية والتاريخ معاً ونفي العرب من التاريخ. وبوضوح: هل ما يجري يثير الأعصاب ويدفعنا للخروج على المرحلة شاهرين السيوف، كافة أنواع السيوف معاً؟ لِمَ لا؟ ربما كان هذا الوجع هو الذي دفعني لكتابة ونشر كتابي الذي حين أنجبته اسميته: "مساهمة في الإرهاب".

استدخال الهيمنة هو مشروع مشترك تتعاون فيه قوى السيطرة والهيمنة الثلاثية، اي مركز الراسمالية في حقبة العولمة، والكيان الصهيوني والأنظمة القطرية. وليس شرطاً أن نسمي هذا مشروع الشرق الأوسط الجديد أو القديم أو العميل، كل هذا لا يهم. ما يهم هو أن هناك شغل حقيقي على استسلام الشارع العربي وخاصة الفلسطيني لما هوقائم!

واستدخال الهزيمة يتشكل من إهلاك إقتصادي بالمعنى المادي وإهلاك ثقافي فكري وخاصة قيمي. وعندها تتصرف الناس بافق المهزوم والمقتنع بتشرُّب عميق بأن ما هو حاصل قدر وأن ليس أمامه سوى تدبير راسه كفرد وربما كأُسرة. لا ترابط ولا بنى طبقية أو حزبية أو نقابية…الخ. وهذه إشكالية وعينا يا خليلي العزيز مع المرحلة.

حين تكون قطاعات واسعة من المجتمع عالة على الدولة وظيفياً، وحين يكون المثقف مجرد بوق يعيد إنتاج أطروحات مسحوتة كالعملات القديمة التي مات كثير من الفقراء وهم يحفرون في أتربة رخوة بحثاً عنها لبيعها لمن يُصرون على الاستناد إليها لتزوير التاريخ. يقف هذا المثقف عمره للساسة كي يعيش أو ينجو بجلده من السجن أو الموت أو الرحيل، يصبح المثقف مثقفاً عميلا للطبقة الحاكمة وليس مثقفاً عضوياً. المثقف العضوي مشارك في القرار عبر إبداع تحليلات لطبقة اصيلة قومية منتجة، حتى لو برجوازية كما كان شأن أوروبا التي غافلت الزمن ونمت ليصح القول :"لا أوروبا بعد أوروبا"، أما في حالة الدولة الريعية والفاسدة والرخوة فلا يمكن للمثقف إلا أن يكون رخواً فكرياً، اي مثابة صائغ لغوي لأطروحات النظام وليس مبدعاً أو ريادياً. وهذا معنى مثقف السلطان. هذا المثقف غير العضوي هو المروج لاستدخال الهزيمة، ولذا، نحن أمام حالة سلبية للمثقف وللاستدخال ليست موجودة في آثار غرامشي أو غيره.

هذه حالة كثير من مثقفينا الذين تمكنوا عبر سواد استدخال الهزيمة ان يخرقوا اقدس القيم مما بدا عادياً جداً نظراً لانخفاض مستوى الافتراض الوطني والقومي والطبقي في المجتمع العربي عامة والأرض المحتلة خاصة، أو ما تسميه انت الحكاية الشعبية والأخرى الرسمية.

لولا مستوى الافتراض المهزوم والمستدخل للهزيمة، هل كان لمختلف القوى السياسية الفلسطينية أن تدخل الانتخابات تحت الاحتلال؟ ويصبح التنافس على "الشرعية -تقديس هذه التسمية هي إحدى ماثورات محمود درويش" والاحتراب من أجل الشرعية؟ أصبح المشروع الوطني هو دولة في "الضفة والقطاع كاملين" ويمكن أن يكون منقوصين وحتى ناقص الضفة والقطاع. لم يعد المشروع الوطني تحرير فلسطين ولا حتى حق العودة. وبما أن الشرعية هي لمن يمارس الحكم الذاتي في الضفة والقطاع أو في إحداهما، فقد اصبح معنى ذلك أن المجيء إلى أي منهما زيارة للوطن الذي اختزل للضفة والقطاع! وليس تطبيعا حتى بأبسط تفسيرات التطبيع. قد أكون وُفقت حتى الآن في تقديم تعريف غير مباشر لمعنى استدخال الهزيمة والذي يحمل نفس معنى التطبيع وإن بكلمات أكثر وضوحا وربما بشاعة.

المهم أنه في جانب استدخال الهزيمة، وغياب المشروع الوطني الاساسي، يصبح التطبيع أمراً عادياً، ويصبح نقده بنعومة أو بقبضة اليد، أو بالشاكوش جريمة وإقصاء وتشريحا وشوياً وقنصاً…الخ.

وأعتقد انه بقدر ما لدي انا كناقد للتطبيع بشدة، فإن لدى المطبعين نفس الحق واكثر بمقاييس المرحلة، بسقف القوى السياسية، وبالافتراض السياسي عامة. أي يصبح النقد بما هو نقد أمر مستهجن، لأن ثقافة المرحلة وخطابها السياسي هو باتجاه ما اسماه ذات يوم، ودعا إليه إدوارد سعيد "تفكير جديد"، وهي عبارة مأخوذة تماما من الأكاديميا الغربية التي ظلت تضغط الرجل حتى تجاوز حق العودة، وعروبة فلسطين وابتلعه الصهيوني بارنباوم في معدته، وصار سعيد العربي بارنباومياً، وكانت نتيجة الحسابات كـ"شراكة ابي عمار مع رابين في أوسلو"، من الرابح ومن الخاسر، إسأل المرحلة.

وفيما يخص التفكير الجديد، وإذا كان التفكير القائم هو العودة وتحرير فلسطين، فما معنى التفكير الجديد؟ سقت هذه النقطة تحديداً، لأقول لمن يرون في النقد المشتبك كرهاً وشخصنةً، نحن أعلى من أن نكره الأشخاص، وحين نذكر الأسماء، يكون ذلك فقط لتأكيد أن القول ليس تأليفاً، بل توثيقاً، وما نرفضه هو المواقف والتعبير عنها بهذا النصِّ أو ذاك. لذا، حبذا لو يقرأ هؤلاء العشاق لهذا الكاتب او الشاعر أو ذاك، وأن يقولوا لأولادهم أن يقرأوا شيئاً ولا يتحولوا إلى مجرد حالات، أي فِتْيَةً من الطَرِبين والتطريبين وحسب. إنتهى "التفكير الجديد" إلى تجاوز حق العودة، وبا للطرافة، انتهى "الاقتصاد الجديد" في أميركا إلى انفجار الفقاعة المالية، أو إن الذي فجرها هو السّفُّود العراقي.

ليس النص مقدساً وحسب، بل هو ناطق، وهو حمَّال اوجه، ولنا حق قراءة كل وجه منه. فلا يمكن اعتماد شخص الكاتب او الشاعر من نصِّه الفني والتغافل والتطامن مع نصه السياسي، فما بالك بمواقفه. ولنا أن نأخذ هنا عبرة من مثقفي العدو. فهم لا ينزُّون بكلمة واحدة قط تزيغ هنا أو هناك عن حدودهم الإيديولوجية وخطاب نظامهم الصهيوني. أما لدينا، فيكاد البعض يذبح قطراً بأكمله قرباناً للعدو "الحضاري والمتقدم". لا يمكن للنقد أن يكون حاذقاً في المستوى الفني أو النظري المحض، وأن يكون مجاملاً في المستوى السياسي والوطني والقومي والطبقي بالطبع. وحين يفعل هذا يصبح خطراً على الذهن الشاب، الذي هو ما نريد أن نراه بعد رحيلنا.

أنا على ثقة، اننا سوف نمشي بينهم ولا يرونا، وحينها سنرى كم بنينا، بعذابنا وصدقنا، أما المحزن فإنهم لن يستطيعوا تكريمنا وبدورنا سوف نجبُن عن تقبيل وجناتهم، لأننا نخشى ان يعلموا اننا أحياء، فيُفشى سر الكونْ. حبذا لو نستطيع تعميمه وتجريده من بعده بل جوهره النخبوي. وإن كان هذا ما قتل الحلاج! هل تلاحظ، حتى الكون طبقي.

هي مشكلة الوعي اللامشتبك، أو الذي يحدد الاشتباك كما يرى ويريد ويستحسن ويستريح، أقصد حين يفصل بين النتاج الفكري أو الخطاب البحت وبين المواقف السياسية التي تتناقض مع وجودنا وحقنا التاريخي واليومي والمستقبلي في فلسطين، وتتناقض مع كوننا أمة مستهدفة بالمطلق من الغرب الرأسمالي والكيان والقطريات العربية. بكلمة أوضح من العيب أن ننتفض وننتضي سيوفنا دفاعاً عن ما لم نقرأه جيداً، أو هجوما عليه..

إن الحركة الوطنية الفلسطينية كانت ولا تزال فقيرة في ثقافة العمل الاجتماعي الجماهيري بمعنى إشغال الجماهير وليس النخبة في العمل الوطني، وكذلك في العمل الاجتماعي، اي ثقافة الاحتجاج وحتى المطالبة، النضال المطلبي. ولأن ثقافة النضال الاجتماعي الطبقي فقيرة ايضاً لدى هذه الحركة، وبالطبع لأن هذه الحركة غاصت في التسوية إلى درجة اصبح نقد التطبيع هو نقد لها. وإلا، لماذا عجزت القوى الوطنية في الضفة الغربية عن اتخاذ موقف ضد زيارة برينباوم لرام الله وضد دخول فرقته "المتحدة" من العرب والفلسطينيين والصهاينة الذين يحملون جوازات سفر إسبانية كي يتسللوا إلى ذاكرة الطبقات الشعبية؟ هل السبب أن خوان كارلوس الإسباني ما زال يثأر لوجودنا الحضاري في الأندلس؟ أم هو يتزلف ببلده للمركز؟ نعم، لقد كان قبول بلاده في الاتحاد الأوروبي مشروط باعترافها بالكيان.

هذا يعني أن التطبيع يحظى برعاية رسمية ومن فئات شعبية ايضاً، بل اصبح التطبيع شبكة حماية لهذه الفئات و/أو الطبقات. لذلك، لم يكن صعباً على مجلس بلدية رام الله أن يصوت بالأكثرية على استقبال برينباوم وفرقته، وأن يقولها أعضاء فيه هاتفيا وأن يكتبوها، بأن المجلس "يؤجر" القصر الثقافي، وهذا ما دفعني للقول لهم، بهذا المعنى بوسعي تأجير بيتي لمستوطن في المستوطنة المقامة بجوار قريتي ، فهذا تأجير ايضاً ومشروع لإدرار الدخل..

لكن لماذا يتفوق مؤيدو التطبيع على مناهضية عدداً وعُدَّةً، ولكن ليس في قدسية الموقف والقضية ؟ وهذا لا يعني ان المجتمع مع التطبيع ولكنه بين مُغرَّب عن هذا الأمر وعن السياسة وبين مُهلَك معيشياً، وبين خائفٍ أمنياً. إذن "نشطاء" التطبيع أكثر عدداً ومالاً من المناضلين ضد التطبيع. أكثر عدداً لأن الحركة الوطنية غيَّبت عناصرها عن هذه النضالات التي هي حماية للمجتمع، وبالتالي اصبحت عناصرها وكوادرها مُحيَّدة عن القضايا الوطنية والمجتمعية، وغدوا كالجنود في المعسكرات بلا مهام. فقد زاد غياب هذه التنظيمات عن النضال الاجتماعي/ الطبقي القومي في تعمُّق المأزق الذي غاصت فيه الحركة الوطنية، وأحد تمظهراته بل طفحه تصارع على السلطة، وهذا سابق على مشكلة قطاع غزة، بل هو بدأ على الأقل مع أوسلو. "وإن كنت أؤرخ له مع منتصف السبعينات والصراع على المجالس البلدية".

ولأن جبهة مناهضة التطبيع بهذا الضعف، وهي كما اشرت اعلاه ليست جبهة اصلاً، هي مجموعات أو أفراد مبعثرين هنا وهناك دونما ناظم ودونما تنسيق، اي ليست لا فريقاً كما لا تنسيق فيما بينها

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات