بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> قضايا فكرية >>
حزب البعث....وذاكرة قدامى البعثيين ومامون الطباع ؟
  03/08/2009

حزب البعث....وذاكرة قدامى البعثيين ومامون الطباع ؟
مروان حبش - كلنا شركاء
كنت مساء يوم الأحد 19/7 في المنتدى الاجتماعي بدمشق للتعزية بوفاة رئيسه المحامي مأمون الطباع، وجلست جانب رفيق من قدامى البعثيين، أحمد الشهابي، وقال لي: كلما التقيت بالسيدة هاجر صادق، وهي من قدامى البعثيات، أعود إلى عام 1949 أيام حكم حسني الزعيم وأتذكر ساعة حملناها، في الجامعة السورية، على أكتافنا، ونردد بعدها وهي تهتف بأعلى صوتها بسقوط حسني الزعيم، والتقت نظراتنا مع المناضلة البعثية هاجر واتجهنا نحوها لإلقاء التحية عليها، وأبلغتها ما قاله أحمد الشهابي، ونحن مع هذه الذكريات نقلت إليهما ما كتبه الأستاذ محمد السيد، أطال الله عمره وأمده بدوام الصحة وبصفاء الذاكرة، في نشرة "كلنا شركاء " الغراء بتاريخ 18/7 ، وما كتبه الأستاذ السيد كان مصدر سرور بالغ وفائدة كبيرة لي ولكثير من مناضلي البعث الذين قرؤوه بكل متعة .
وكما قال الأستاذ السيد عني، فأنا لم أعش مراحل البعث الأولى لأنني من مواليد 1938 جباتا الزيت وهي من قرى المثلث الحدودي السوري اللبناني الفلسطيني، و قصدت دمشق عام 1953، طالباً في دار المعلمين، وانتسبت إلى حزب البعث العربي الاشتراكي في أواخر تشرين الأول من ذلك العام، في فترة بداية الإضرابات الطلابية ضد حكم الشيشكلي، وانتخبت قبل وبعد الثامن من آذار 1963 إلى مواقع قيادية في البعث، و إلى عضوية القيادة القطرية منذ عام 1965.
من المحزن أنه حتى الآن لا يوجد لحزب البعث العربي الاشتراكي تاريخٌ مكتوب يُْمْكن للباحث ولغيره الرجوع إليه، واستثناءً من ذلك نذكر سلسلة نضال البعث التي تضم بعض بيانات الحزب وافتتاحيات صحفه ومقررات مؤتمراته القومية حتى 1963وهي غير شاملة ومقتصرة على قطري سورية والعراق، وهناك أيضاً مذكرات بعض البعثيين ككتاب البعث العربي لجلال السيد وكتاب البعث لسامي الجندي، وهناك بعض رسائل الدكتوراة التي قُدمت عن حزب البعث، وكتاب تاريخ حزب البعث لجون دفلين، ولكن لا يمكن اعتبار هذه المساهمات تاريخاً لحزب البعث العربي الاشتراكي.
إن كتابة البدايات لحزب البعث وحياته الداخلية وتاريخه اللاحق، هو من الشمول والغنى بالأحداث والوقائع والأفكار والنضال، يحتاج إلى مجهود جماعي تقوم به مؤسسات مختصة، ليس في سورية وحدها بل في كل الأقطار العربية وغيرها من البلاد التي انتشر فيها البعث، نستعيد فيه ذاكرة الرواد الأول ونستحثها لإنجاز هذا الواجب الذي نتحمل مسؤوليته جميعاً كقدامى مناضلي حزب البعث هذا التاريخ الذي لا تلم به أجيالٌ عدّة في الوطن العربي، وما تعرفه يشوبه الخطأ إن لم أقل التشويه في كثير من وقائعه وأحداثه، وأرجو أن لا تكون مقولة " التاريخ يكتبه المنتصرون " موجهةً لمن يريدون التأريخ لحزب البعث.
هناك أيضاً ما يجب أن يتطرق إليه الذين يتصدون لكتابة تاريخ البعث، وهو الحياة الداخلية للحزب، أي المناقشات والخلافات والصراعات والعثرات بين قادته وكيف تمكنوا من التغلب عليها لأن أمراً كهذا ضروريٌ للأحزاب الجماهيرية، فهو تجربةٌ ودروسٌ مستفادة، ويرسخ الاحترام في نفوس البعثيين لقادتهم المناضلين حتى إن اختلفوا معهم فكرياً أو تنظيمياً أو سياسياً. كما أن فكر البعث لا يعطي العصمة لأيٍ من أعضاء الحزب حتى لو كانوا قادته أو مؤسسيه، ولعل هذا ما يميزه عن أحزاب تسقط صفة القدسية على قادتها.
وأنا أكتب عن البعث في بداياته، لا أستطيع الادعاء بأنني سأوفق وأكتب الوقائع كما حصلت، ولكنني أكتبها كما أتذكرها، وهي وقائع عشت بعضها أو سمعتها ممن عاشوها أوبحثت عنها في الوثائق المدونة عن البعث.
ألقى الأستاذ محمد السيد أضواءً موجزة عن بعض الأحداث، كتحديده للشهر الذي تم فيه دمج الحزبين، وقضية إعطاء الفضل في تأسيس البعث لأشخاص لا علاقة لهم بذلك، وقضية رسالة الأستاذ عفلق إلى حسني الزعيم، وقضية اتصال الأستاذ عفلق ببعض الضباط وتهريبه إلى لبنان أبّان عهد الوحدة، وسأحاول بدوري المساهمة في توضيح أوسع لهذه الأحداث لما فيها من منفعة للقارئ.
موضوع تاريخ دمج الحزبين
لا يسعنا إلاّ الأخذ بالتاريخ الذي حدده الأستاذ السيد كتاريخٍ للدمج وهو النصف الأول من شهر تشرين الثاني 1952، لأنه شارك بهذا الحدث ولا بد أنّه مرتبط عنده ببعض القرائن التي ارتكز عليها لتحديد ذلك التاريخ الذي كنت قد افترضته في مقالتي المنشورة في " كلنا شركاء " بتاريخ 23/6/2009عن دمج الحزبين في شهر شباط 1953، ومن المؤسف نتيجة فقدان الوثائق ألاّ يعثر الباحث على أية وثيقة في "نضال البعث"من 26/1/1952 حتى شباط 1953.
موضوع الأستاذ زكي الأرسوزي

هناك قناعة عند بعض قدامى البعثيين، ولا أدري الوقائع التي بنوا عليها مثل هذه القناعة، بأن تشويهاً أو تجاهلاً لبعض الحقائق عن البعث بدأ منذ عام 1966، وجميع هؤلاء، إن لم أكن مخطئاً، يشيرون إلى ما يتردد عن دور الأستاذ الأرسوزي في تأسيس حزب البعث، وبدوري، كقيادي في الحزب، أجزم، وحتى انقلاب تشرين الثاني 1970 لم تصدر أية وثيقة أو معلومة تشير إلى أن للأستاذ الأرسوزي علاقة فكرية أو تنظيمية ببدايات الإحياء أو البعث الذي أسسه الأستاذان عفلق والبيطار، وثالثهما جلال السيد الذي كتب عن دوره معهما في التأسيس عام 1943، ويروي الأستاذ جلال السيد في كتابه " حزب البعث العربي 0 " قد كنّا في بحوثنا عن مبادئ الحزب وعناصره نعرض بعض الأسماء من المواطنين السوريين وسائر العرب. وكان يرد اسم السيد الأرسوزي ولكنه كان يستبعد عن البحث باعتبار أنه تكون تكويناً قطعياً، وأنه لا يدخل المعاني الاشتراكية في فلسفته السياسية، وأنه أقرب إلى التفكير النازي بل أنه أقرب إلى التفكير الروماني في تقسيم الناس إلى عبيد وسادة، فهو يقسم الناس إلى طبقتين: النبلاء والأنذال. وهو فوق ذلك صعب الانضباط، عسير التنظيم.... .). وهناك بعض المدونات " تاريخ حزب البعث لجون ديفلين- البعث لسامي الجندي.... " التي تشير إلى اجتماع وحيد عام 1939 عقد بين الأساتذة " ميشيل عفلق، صلاح البيطار، زكي الأرسوزي، شاكر العاص، ميشيل قوزما، أليس قندلفت " وجمعيهم من خريجي الجامعات في فرنسا، تم التداول فيه حول ضرورة إنشاء منظمة سياسية.
وتؤكد المذكرات التي كتبها بعض البعثيين الأوائل أن بعث الأرسوزي، أواخر 1940 الذي لم يعمر إلاّ فترة قصيرة جداً جداً، ولم يتجاوز عدد أعضائه العشرين عضواً. وهو بعثٌ لا يمت بصلةٍ إلى البعث الذي انتسبنا إليه، وما هذه الأقوال التي دونها الدكتور سامي الجندي في كتابه والتي تشير إلى وجود خطة قديمة تهدف إلى اعتبار الأرسوزي أباً روحياً للبعث، - وكما قيل لي من قبل بعض الرفاق الذين التقى بهم بعد خروجهم من المعتقل: أنه اعتذر لهم عن الكثير من الاتهامات التي وردت في هذا الكتاب - وردد أنصار الأستاذ عفلق بعد حركة 23 شباط 1966 مثل هذه الأقوال انطلاقاً من برنامج ثقافي للتنظيم الحزبي في القوات المسلحة ساهم فيه الأستاذ الأرسوزي وغيره من المفكرين القوميين " بعثيين وغير بعثيين "، وإذا تفوه بعض البعثيين بدور للأستاذ الأرسوزي فهو تعبير عن رأي لهم ولا يلزم أحداً، وما قيل عن الرعاية التي أولتها قيادة الحزب للأستاذ الأرسوزي أثناء مرضه، فهو واجب تجاه مناضل قومي ووطني كبير كالأرسوزي.
لقد كان الأرسوزي ذو العاطفة القومية الملتهبة، أستاذي في دار المعلمين، كما كنت بعد تخرجي، وحينما أزور دمشق، أنضم في بعض الأحيان إلى الحلقة المتجمعة حوله في مقهى الهافانا وما كان يردده علينا كطلاب في الدار استمر في ترديده على حلقة الهافانا وبأسلوبه الطلي : من تأثره بأستاذه الفيلسوف برغسون وإعجابه بنيتشه وفيخته وهو الرواقي الساخر كما يقول عنه الدكتور سامي الجندي ، وهو عاشق الأفلام الهندية، و كانت قدرته على التشبيه والتمثيل كبيرة و تطال تلامذته من اللواء وخاصة الدكتور الغانم ، وتطال كل السياسيين بتعدد انتماءاتهم ممن هم في السلطة أو خارجها، ونمت لديه فكرة المؤامرة، حتى إذا وجد في طريقه قشرة موز فهي من فعل الاستعمار أو ممن يناصبهم العداء وموجهة ضده ، وتشرب بعض أعضاء حزبه بهذه الفكرة، ويحكي الدكتور سامي الجندي : كانت لنا مكتبة ملأت رف النافذة المطلة على الشارع " في غرفة الأستاذ الأرسوزي " . سرق منها كتابٌ فأقمنا الدنيا وأقعدناها، واتهمنا الاستعمار بالتآمر على المستقبل العربي ).
قضية البعث وحسني الزعيم
لقد صدر عن عميد البعث العربي الأستاذ ميشيل عفلق في 4نيسان 1949بياناً مؤيداً لانقلاب حسني الزعيم وموضحاً الأسس التي يجب أن تبنى عليها سياسة حكومة الانقلاب، وأعقبها بمذكرة موجهة إلى الزعيم بتاريخ 6/4 توضح كل ما من شأنه تهديد المصلحة الوطنية أو إلحاق الضرر بها وتبين ما في اتفاقية " التابلاين " - التي هي قيد الدراسة من قبل الزعيم - من إجحاف بحقوق الوطن، وما تتضمنه من أخطار جديرة بالعناية والحذر. وفي مذكرة ثانية موجهة إلى حسني الزعيم ومؤرخة بتاريخ 24 أيار وضح عميد الحزب الأسباب التي بنى عليها الحزب موقفه الإيجابي من الانقلاب ومنها إعادة المشروعية إلى الحكم والسيادة والحقوق إلى الشعب بعد أن فقد الحزب آخر أمل بصلاح العهد الماضي، وتشرح المذكرة مفاجأة البعث بأعمال وتدابير مخالفة للتصريحات التي بدأ بها الانقلاب وذلك يظهر في أمور كالتعيينات والتسريحات وفي تشكيل حكومة مبنية على أساس تجاهل كل النزعات السياسية التي تحملها وتمثلها الأحزاب، وفي إلغاء امتياز الصحف، ثم تستعرض المذكرة ما قام به قادة البعث من لفت نظر الزعيم خلال مقابلتين معه إلى جملة أحداث من أبرزها المخاطر والإجحاف في مشروع اتفاقية التابلاين بعد أن فوجئ الشعب بتصديق اتفاقية النقد. وفي بيان للحزب بتاريخ 30/6 أعلن فيه أن كل المذكرات واللقاءات مع حسني الزعيم لم تجد نفعاً، وأقدم العهد الانقلابي على حل الأحزاب السياسية، واعتقال بعض الشخصيات من الشباب المناضل من أجل حرية الشعب، وحدد هذا البيان موقف الحزب ب:
- عدم شرعية أي عقد ابرم في هذه الفترة ولم يكن صادراً عن السلطة التشريعية المنتخبة.
- معارضته لأي دستور لا يصدر عن مجلس تأسيسي منتخب انتخاباً حراً.
- مطالبته بتشكيل حكومة ترضى عنها الأحزاب التي مثلت المعارضة في العهد السابق.
مقابل هذه المواقف لحزب البعث أقدم حسني الزعيم على اعتقال قيادته " اللجنة التنفيذية " الأساتذة " ميشيل عفلق - صلاح البيطار - جلال السيد - وهيب الغانم..." مع عدد من أعضائه . وفي بيان للحزب بتاريخ 9/6 يحمل عنوان ( الشعب لا يعترف على الاستفتاء الصوري والانتخابات الاسمية ) ويدين الأساليب التي اتبعت في فرض هيبة الحكم وتجاوزت كل حد معقول ويشير إلى التعذيب والإهانة التي يلقاها قادته المعتقلون لجرأتهم في قول الحق .
فوجئ الحزب وهو في أوج نضاله ضد حكم حسني الزعيم بأن عميده الأستاذ عفلق وجه من المعتقل بالرسالة التالية إلى حسني الزعيم:
سيدي دولة الزعيم
إن هذه التجربة الأخيرة القاسية قد علمتني أشياء ونبهتني إلى أخطاء كثيرة، لقد انتبهت إلى أننا بحكم العادة بقينا نستعمل أسلوباً لم يعد يصلح في عهد الإنشاء والعمل الإيجابي والحق أننا في قلوبنا وعقولنا أردنا هذا الانقلاب منذ الساعة الأولى ولا نزال نريده ونعتبر أن واجبنا هو في خدمته وتأييده ولكن الأسلوب الذي اعتدناه طيلة سنين عديدة من المعارضة للانتداب والعهد السابق هو الذي بقيت آثاره في كتاباتنا وبعض تصرفاتنا وهو الذي أخفى عنكم يا دولة الزعيم حقيقتنا وأظهرنا بمظهر المعارض لعهد وضعنا فيه كل آمالنا وصممنا على خدمته بتفانٍ وإخلاص.
سيدي دولة الزعيم
إنني قانعٌ كل القناعة بأن هذا العهد الذي ترعونه وتنشئونه يمثل أعظم الآمال وإمكانيات التقدم والمجد لبلادنا فإذا شئتم فنكون في عداد الجنود البنائين وإذا رغبتم أن نلزم الحياد والصمت فنحن مستعدون لذلك.
سيدي دولة الزعيم
إن هذه المجموعة من الشباب الذي يضمها البعث العربي قد عملت كثيراً في الماضي لتكون قدوةً في النزاهة والوطنية الصادقة وإن ماضيها ليشفع لها عندكم يا سيدي لكي تعذروا ما ظهر منها من تسرع بريء وإن وراء مظهرها النزق نفوساً صافية ومؤهلات كبيرة للخدمة العامة ما أجدر عهدكم أن يفسح لها مجال التفتح والإنتاج، أما أنا يا سيدي الزعيم فقد اخترت أن أنسحب نهائياً من كل عمل سياسي بعد أن انتبهت منه بمناسبة سجني إلى أخطاء فيَّ أورثتني إياها سنين طويلة من النضال القومي ضد الاستعمار والعهد السابق وأعتقد أن مهمتي قد انتهت وأن أسلوبي لم يعد يصلح لعهد جديد وأن بلادي لن تجد من عملي السياسي أي نفع بعد اليوم.
سيدي دولة الزعيم
أنتم اليوم بمكان الأب لأبناء البلاد ولا يمكن أن تحملوا حقداً لأبنائكم ولقد كان لنا في هذه التجربة تنبيه كاف ومفيد، واتركوا لنا المجال كي نصحح خطانا ونقدم لكم البرهان على وفائنا وولائنا.
دمشق 11حزيران 1949 ميشيل عفلق
ورغم كل ما قيل عن المؤثرات والتبريرات لرسالة الأستاذ عفلق وأهمها أنها كتبت لحماية أعضاء الحزب من الاعتقال، فقد كان لها انعكاس سلبي كبير على نشاط البعثيين وعلى انتشار الحزب حينذاك، وهي وإنْ تجاوزها الحزب، لكنها شكلت عند الأستاذ عقدة بقي يعاني منها وتتحكم بتصرفاته على الدوام حتى انه بات يخشى النقد ويميل نحو التشبث برأيه ونحو اتخاذ موقف تجاه كل من ينتقده.
بعد هذه الرسالة تم الإفراج عن الأستاذ عفلق وبعد ثلاثة أسابيع من الاعتقال أُفرج عن بقية المعتقلين، وسادت في أوساط الحزبيين حالة من البلبلة والانكسار النفسي، .
يقول الأستاذ جلال السيد:
نشأت في صفوف الحزبيين تيارات مختلفة، ويعددها ب:
1 - تيار متطرف لا يرضى إلا بفصل الأستاذ عفلق فصلاً تاماً من الحزب والتنصل من الرسالة واستنكارها شكلاً وموضوعاً.
2 - تيار أقل تصلباً وهو يرى أن المسألة لم تصل إلى درجة تبعث اليأس وتدمر الحزب وتهدد القضية القومية في الصميم.
3 - تيار مستقل لم تأخذ المسألة عنده من الاهتمام ما يجعلها موضوع بحث جدي.
وكان رأي الأستاذ ميشيل أن المسألة لا تقبل الحل الوسط. فإما فصل من الحزب وإما سدل الستار على الرسالة واعتبارها كأن لم تكن.
وبعد مداولات بين عدد كبير من القياديين وكبار الحزبيين، كانت النتيجة: لم يكن في الرسالة خيانة. وليس فيها تآمر وليس فيها أمور لا أخلاقية أخرى. إن في الرسالة ضعفاً في المناعة وقلة في المقاومة. وإن فيها ضجراً ووساوس وأوهاماً ضخمت القضايا الصغيرة فجعلتها قضايا كبرى. وبناء على ذلك تقرر سدل الستار عليها، وتقبلت التيارات هذه الفتوى.
ويقول الدكتور سامي الجندي:عندما خرج الأستاذ من السجن جوبه بثورة من الحزبيين وحملة شعواء، رفضوا جميعاً كل تعليل أعطي لهم. كانوا مجمعين على أن الموت أفضل، وأن المهم أن يبقى شرف الحزب ورسالته، وأن شهيداً ينقلها للأجيال خير من أحياء تراجعوا أمام التهديد بالتعذيب.
تنادى أعضاء الصف الثاني في الحزب إلى عقد اجتماع في حمص مباشرة بعد سقوط حسني الزعيم وأجمعنا على ضرورة محاكمة الأستاذ عفلق. وقرّ رأينا أن يكون عميداً مكانه الدكتور وهيب الغانم الذي لمع نجمه بعد انتخابات 1947 وبات قدوة لشباب الحزب يتحدثون عنه، يحبونه ويؤمنون بقيادته. بعد ذلك عقدنا اجتماعاً ثانياً دعي إليه الدكتور الغانم، فرفض اقتراحنا متعللاً انه لا يستطيع ترك اللاذقية. فاقترحنا أن يكون مركز الحزب فيها أو أن يكون دمشق حيث تتسلم القيادة لجنة تنفيذية " اسم القيادة " جديدة فرفض لأنه كان يرى أن القائد يجب أن يكون على راس قيادته واقترح ألاّ يثار الموضوع.
كانت البادرة خطيرة، وهي إنما تدل على أن القائد ميشيل عفلق قد انتهى وحلّ محله الأستاذ الذي ظل الحزب على ولائه له واحترام فكره، دون الإيمان بقدرته على الزعامة.
أما ما تختزنه ذاكرتي من أحاديث بعض مَنْ عاشوا تلك الفترة وكانوا مقربين من الأساتذة: كان يدور صراع خفيٌ بين الأستاذين عفلق والبيطار، إذ أن الأستاذ البيطار كان يرى أنه يجب أن تكون منزلته في الحزب كمنزلة الأستاذ عفلق، وتبلور ذلك بعد الرسالة، وطلب مع الأستاذ جلال السيد فصل الأستاذ عفلق من الحزب، ولكن قياديي الصف الثاني في الحزب وأنصار الأستاذ عفلق كانت لهم الكثير من الملاحظات على سلوك وأطروحات جلال السيد، وقاموا بحملةٍ تشكك بقدرة الأستاذ البيطار الفكرية والتنظيرية وأنها لا تساوي قدرة الأستاذ عفلق، كما تناولت حملتهم قدرته القيادية والتنظيمية ونجحت حملتهم هذه لا في رد الاعتبار للأستاذ عفلق فقط واختياره عميداً للحزب بل أعطته كامل السلطة التنفيذية، وأكد مجلس الحزب الذي انعقد برئاسة جلال السيد في الفترة ما بين 11- 14نيسان 1950وحضره عبد الله الريماوي وسليمان الحديدي وأمين شقير ( الأردن ) وعلي جابر وجميل بزي (لبنان) - بعد مناقشات حادة بين الأستاذين تطرقت إلى مآخذ كل منهما على الآخر - على تلك الإجراءات التي دعمت صلاحية العميد وحصرت القيادة فيه شخصياً.
بعد فترة وجيزة من انفضاض مجلس الحزب وجه عدد من أعضاء الحزب " من بينهم اثنان لي معرفة شخصية بهما مختار الخياط والمرحوم ناظم القضماني " عريضة إلى القيادة يطالبون فيها التراجع عن قرار حصر السلطة التنفيذية بشخص العميد، وتشكلت محكمة حزبية برئاسة الدكتور مدحة البيطار للتحقيق مع مقدميها، ولم ينف الأستاذ صلاح اتصال كاتبيها به مع نفيه المطلق بأن يكون محرضاً عليها، وبعد انتهاء التحقيق رفعت هيئة القيادة توصية إلى العميد للبت فيها تنص على فصل الأستاذين البيطار والسيد، ولكن العميد لم يحدد موقفه منها وغادر دمشق إلى البرازيل حيث أقام هناك بضعة شهور.
قضية الضابط داود عويس
تطرق الأستاذ محمد السيد إلى اتصال الأستاذ عفلق بالضباط المصريين أبان عهد الوحدة وخشية من اعتقاله تم تهريبه إلى لبنان.
بدأت أحداث هذه القصة في ربيع 1959 حيث تعرف الأستاذ عفلق على ضباط من الجيش المصري منهم الضابط داود عويس وأثارها الرئيس ناصر في محادثات الوحدة الثلاثية آذار - نيسان 1963 حيث وجه حديثه إلى الأستاذ ميشيل ( إنكم طلبتم من الدكتور بشير العظمة وأحمد عبد الكريم أن يستقيلا، وقد طلبتم عن طريق داود عويس أن يستقيل عباس رضوان وتوفيق عبد الفتاح " وزيران محسوبان على المشير عامر " وإنني أعتبر هذه العمليات انسحاب من الوحدة. وإن داود عويس قد نقل للمشير عن لسانك أن التفاهم مع المشير ممكن، ولكن مع عبد الناصر غير ممكن. وكان الغرض من ذلك خلق شعور معاد في الجيش ضد جمال عبد الناصر وخلق تنظيم في الجيش يرتبط بحزب البعث ).
إن داود عويس هو مدير مكتب وزير الحربية المشير عامر، وبعد صدور قرار بتاريخ 22/10/1959 بتعيين المشير حاكماً على سورية قدم عويس معه وزار الأستاذ عفلق في منزله أكثر من مرة، ونقل إليه رغبة المشير الاتفاق مع حزب البعث للقيام بانقلاب ضد الرئيس جمال عبد الناصر، كما نقل إليه رغبة المشير بضرورة اتصال وزراء البعث مع الوزيرين عباس رضوان وتوفيق عبد الفتاح لتقديم الاستقالة مع بعضهم من وزارة الرئيس عبد الناصر.
أرسل الأستاذ عفلق عبد الفتاح زلط إلى القاهرة كي يبلغ الأستاذ أكرم عن هذا للقاء، ويقول الأستاذ الحوراني في مذكراته:
قلت لعبد الفتاح بلغ ميشيل بما يلي: إن فعلته هذه ستمنح عبد الناصر مبرراً ليقضي علينا وعلى سمعتنا وسمعة الحزب في العالم العربي وسيظهرنا بمظهر المتآمرين على الوحدة.
وبلغ الأستاذ ميشيل بأنني سأفاتح عبد الناصر بهذا الموضوع وأتهمه بوجهه بالتآمر علينا...... وفي اليوم الثاني اجتمعت بعبد الناصر في منزله وقلت له وأنا في غاية الانفعال: هل بلغ كرهك لنا وحقدك علينا - نحن الذين بذلنا كل ما نستطيع لرفع لواء قيادتك وزعامتك على العالم العربي - حداً تتفق فيه مع المشير على تكليف الضابط عويس لحبك مؤامرة ضدنا ؟
ويتابع الأستاذ أكرم ما مفاده: أنه بعد يومين من المكاشفة سافر إلى دمشق، وقصد منزل الأستاذ ميشيل في شارع أبي رمانة ليستفسر منه عما حدث فأبلغه أن الضابط عويس عنده في الغرفة الثانية وسيأتي إليه بعد مغادرة عويس. وبعد مغادرة المذكور قال الحوراني لعفلق لقد نقل إليك عبد الفتاح رسالتي،...... ورغم ذلك لم يتراجع عفلق عن تأكيد صدق عويس وإخلاصه.
وبعد أيام قليلة، وفي اجتماع مجلس الوزراء التنفيذي اتهم كل من السراج وعامر الأستاذ ميشيل بحياكة مؤامرة لفصل الوحدة.
بعد هذا الاتهام كان لابد من اختفاء الأستاذ ميشيل وتدبير أمر خروجه من سورية إلى لبنان عن طريق حمص - طرابلس، وأقام هناك يمارس نشاطه كأمين عام للحزب سراً ومختبئاً خشية اغتياله من مخابرات السراج.
ما زالت حقيقة هذه القضية التي ذهبت أسرارها الحقيقية مع المشير عامر موضع تساؤل: هل هي حيكت بمهارة مخابراتية للإيقاع بالبعثتين ؟، أم كان المشير عامر جاداً بالقيام بانقلاب على الرئيس عبد الناصر من سورية، وما دوره في الترتيبات التي قادت إلى الانفصال ؟ .
قضية انسحاب جلال السيد من الحزب
إن جلال السيد هو أحد الأساتذة الثلاثة الذين أعلنوا عن تأسيس حزب البعث العربي عام 1943، وترأس المؤتمر التأسيسي للحزب نيسان 1946، ونائب الحزب في المجلس النيابي السوري 1949. بدأ بعض قياديي الصف الثاني يوجهون التهم إليه بأنه يجر الحزب سياسياً للسير في ركاب سياسة حزب الشعب المعروفة بارتباطها بالعرش الهاشمي في العراق، كما كانوا يتهمونه بأنه شوفيني، وأن مقالاته في مجلة الثقافة التي كان يصدرها في دير الزور لم يتورع فيها عن احتقار القوميات الأخرى، و من الاتهامات ضده، أيضاً، أنه كان يشوه مفهوم الحزب للاشتراكية في أكثر من مقالة نشر بعضها في جريدة البعث.
أقر مجلس الحزب الذي انعقد في 6/4/1955 تشكيل لجنة تنفيذية من خمسة أعضاء لتنظيم الحزب، انتخب ثلاثة أعضاء هم الدكتور مدحة البيطار ومنصور الأطرش وخليل الكلاس وترك للقيادة اختيار الاثنين الآخرين ولم تعمر هذه اللجنة إلاّ ثلاثة شهور وانتهت إثر انعقاد الدورة الثانية للمجلس في آذار 1955
وقع اصطدام بين البعثيين والقوميين السوريين في دير الزور أدى إلى مصرع أحد القوميين السوريين، أقنع جلال السيد أعضاء اللجنة التنفيذية والقيادة القومية بتفويضه معالجة الوضع، وبهذا التفويض حانت له الفرصة للتخلص من منتقديه في الفرع، فأقدم على اتخاذ إجراءات منها حل فرع الحزب وترك المشكلة للقضاء للبت في موضوع سقوط قتيل. قوبل قراره هذا بثورة من أعضاء الحزب في الفرع وعلى مستوى الحزب في القطر، واعتبروا أن ما أقدم عليه جلال السيد يعتبر إدانة مسبقة للحزب كله، كما اعتبر حزبيو الفرع أن الهدف مما قام به الأستاذ جلال هو التخلص من قادة الجيل الثاني في الفرع الذين كانوا ينتقدون سلوكه وعلاقاته على مستوى المنطقة، وسياسته بشكل عام. وهرع قسم منهم إلى دمشق لمقابلة القيادة ووضعها بحقيقة ما ينوي الإقدام عليه جلال السيد
سافر اثنان من أعضاء اللجنة التنفيذية " منصور الأطرش، خليل كلاس " إلى دير الزور للإطلاع على ما حدث ومعرفة الدوافع التي كانت خلف البيان الذي أصدره جلال السيد ويشتم منه تحميل البعثيين مسؤولية الصدام مع القوميين السوريين، وبعد عودتهما رفعا توصية إلى القيادة القومية بالتراجع عن قرار تفويض جلال السيد بمعالجة القضية وإلغاء الإجراءات التي اتخذها وتجاوز فيها صلاحياته. كما قررت القيادة القومية تأليف مجلس مشترك من القيادة القومية واللجنة التنفيذية لمحاكمته. مما اضطره بتاريخ 21/8/1955 إلى تقديم كتاب " إلى حزب البعث العربي الاشتراكي بواسطة : حضرة الأمين العام لحزب البعث العربي الاشتراكي الموقر " وهذا نصه : ظهرت بوادر خلاف بيني وبينكم في وجهات النظر، في ما يتعلق بالقضايا القومية والاجتماعية والخلقية، ولمّا لم أستطع تصحيح الخطأ وفقاً لآرائي ومعتقداتي فإني لم أجد بداً من الانسحاب من الحزب. وآمل أن تبقى علاقات الود قائمة بيننا رغم الانسحاب.
تعلمون يا حضرة الأمين العام أني ضحيت بكل شيء في سبيل صنع الحزب ورعايته فلمّا شبّ الحزب وترعرع تبين لي أنه أتى على غير الصورة التي رسمتها وعلى غير المثال الذي مثلته في خاطري.
إن إنساناً متجاوباً مع حاجات أمته مرهف الحس يستطيع أن يتصور ما يعتلج في نفسي من حرق الآلام لهذا الانسحاب. ولكن القدر لا يغالب.
وختاماً أرجو أن يسدد الله خطاكم ويلهمكم من أمره رشداً والسلام عليكم.
جلال السيد
هناك واقعتان وردتا في مقالة الأستاذ محمد السيد إحداها أن المكتب الذي استأجره الحزب بعد سقوط نظام الشيشكلي في منطقة عرنوس هو منزل الدكتور عبد الرحمن الشهبندر، ومن المعروف أن منزل الشهبندر يقع في منطقة دمشق القديمة ب " طالع الفضة" خلف بناء البطركية باتجاه ساحة الدوامنة وتحول الآن إلى مطعم، بينما عيادته التي اغتيل فيها كانت في " الشهدا " بحي الصالحية.
ثانيتهما تتعلق بموعد عودة الأستاذ عفلق من البرازيل، ولا خلاف أن سفره كان في النصف الأول من عام 1950، أي بعد انتهاء جلسات مجلس الحزب في نيسان 1950وتوضح المعلومات أن إقامته دامت عدة شهور بينما هذه الإقامة تمتد لأكثر من عام ونصف العام وفق ما ورد عند الأستاذ محمد السيد وعودته كانت بعد طرح قضية دمج الحزبين للمناقشة في وقت ما من عام 1952.
دمشق 30/7/2009 مروان حبش
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات