بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> قضايا فكرية >>
اليونان حضارة ديمقراطية أم عبودية؟
  30/08/2009

اليونان حضارة ديمقراطية أم عبودية؟

أخذت أسطورة الحضارة اليونانية الرفيعة الديمقراطية العقلانية، كما نسجتها المركزية الغربية المنتصرة ، بألباب الناس في كل أنحاء المعمورة و من مختلف المشارب السياسية و الثقافية ، و أيضاً من مستويات ثقافية مختلفة تبدأ من رجل الشارع و تنتهي بالمفكر مروراً بالناشط السياسي . و هذا أمر مفهوم نظراً لكثافة الضخ الإعلامي و الثقافي و في المناهج المدرسية حول أثينا و اليونان دون أن ننسى دور هوليوود حتى أننا بتنا نعرف عن الحياة في أثينا القديمة أكثر مما نعرف عنها في القاهرة الحديثة!
تقول هذه النظرية ، التي قرأتها من جديد في ثنايا مقال لكاتب عربي كبير ، إن اليونان هي ذروة ازدهار البشرية ، فاليونانيون القدماء ،أسلاف الغربيين المعاصرين، هم أطفال البشرية الرائعين كما عبر مفكر غربي ، و ذلك لأنهم تبنوا مبكراً نظاماً ديمقراطياً رائعاً و أنتجوا فلسفة متقدمة و عقلانية فريدة ، ثم ما لبثت هذه الإنجازات أن انتقلت إلى الغرب المعاصر الذي تقول المركزية الغربية أن له سلسلة نسب مستقلة بذاتها عن بقية العالم . و تبعاً لهذا النسب أنجبت اليونان القديمة روما، وتولد عن روما أوربا المسيحية ، و أنجبت أوربا المسيحية عصر النهضة ، و أنجب عصر النهضة عصر التنوير، و أنجب عصر التنوير الديمقراطية السياسية و الثورة الصناعية . إن مزج الصناعة بالديمقراطية أثمر بدوره الولايات المتحدة التي جسدت حق الحياة و الحرية و البحث عن السعادة . فالديمقراطية و العقلانية و بالتالي الازدهار الاقتصادي و ذلك بسلسلة نسب لا انقطاع فيها ممتدة من اليونان القديمة إلى واشنطن المعاصرة !
كما أن المركزية الغربية تقول إن الغرب النقي المستقل بشكل تام عن الشرق هو على قمة العالم منذ عام 1492م بفضل عقلانيته العلمية المبدعة المتفردة و قلقه المنطقي ، و خصائصه التقدمية / الديمقراطية ، و أن حضارة الغرب المعاصرة وجدت بطريقة التوالد العذري ، أي بعوامل داخلية و بدون أي مؤثرات شرقية.
و بالتالي فإن الحضارات البشرية تنقسم إلى فريقين : فريق يوناني – أوربي يتميز بالعقلانية و الديمقراطية و إعلاء شأن العقل و يتمحور حول الإنسان على عكس بقية حضارات العالم الاستبدادية التي تلغي العقل و لا تقبل القيم الديمقراطية كما تمجد العنف و القوة العسكرية و تتمحور حول السلطة، و هذا التقسيم يشطر التاريخ البشري . و لا يوجد مكان لفريق ثالث في هذه القراءة . لذلك على أبناء الحضارات غير الغربية أن يسلموا بدونية حضارتهم ، و عليهم أن يستنسخوا حضارة اليونان المتخيلة التي انتهت إلى الغرب المعاصر إذا أرادوا أن يدخلوا جنة التقدم و العقل و الديمقراطية و إلا ! فالمركزية الغربية تصور التاريخ البشري العام على أنه بحر من الظلمات في داخله جزيرتين من الأنوار هما اليونان القديمة و الغرب المعاصر و على جميع سكان الظلمات أن يسبحوا إلى النور ليجدوا مكاناً لهم .
لكن ما مدى صحة هذه القراءة ؟ و ما علاقة اليونان الحقيقية بتلك التي تخيلتها المركزية الغربية ؟
لقد أدت قراءة المركزية الغربية للتاريخ بهذا الشكل إلى مشاكل معرفية لا عد لها و لا حصر ، فالحضارة اليونانية الحقيقية هي جزء من حضارة شرقية أكبر ، أو بتعبير بيير روسي "شرفة في حضارة ما بين النهرين"، أو ذات جذور مصرية- فينيقية كما يقرر مؤلف كتاب أثينا السوداء مارتن برنال الذي يؤكد وجود مستوطنات مصرية و فينيقية في الجزر اليونانية في مراحل تاريخية مبكرة يوم كانت أوربا المعاصرة غير موجودة بعد بالمفهوم الحضاري إذ كانت مسكونة بأقوام بدائية في حين أن الفعل الحضاري كان موجوداً على شواطيء البحر الأبيض المتوسط و مركزه المسافة الجغرافية الكائنة بين وادي الرافدين ووادي النيل ، و هذا ما لخصه وول ديورانت في كتابه قصة الحضارة ، إذ يقول :
(( إن قصتنا الحضارية تبدأ من الشرق لا لأن آسيا كانت مسرحاً لأقدم مدنية معروفة لنا و حسب ، بل لأن تلك المدنيات كونت كذلك البطانة و الأساس للثقافة اليونانية و الرومانية )).
لكن الغربيين حلوا هذه المشكلة المعرفية ببتر اليونان عن جذرها في مثلث الحضارات الخالد - في وادي النيل و ما بين النهرين – فاعتبروا اليونان حضارة قائمة بذاتها مكتفية بذاتها و هي جزء من الحضارة الغربية ، فهي مثل الغرب الحديث لم تخضع لتأثيرات شرقية ، فادعوا أن أوربا بجغرافيتها السياسية المعاصرة موجودة منذ أقدم العصور و هذا أمر لا صحة له على الإطلاق .
و في سعيهم لاختلاق يونان مثالية متعالية عن الواقع منزهة عن الخطأ غضوا النظر عن صورة اليونان الحقيقية ، فاليونان الحقيقية التي حملوها كل قيم العقلانية ، و المساواة ، و الديمقراطية . كان لها وجه آخر هو الوجه العبودي ،
كان عدد السكان الأحرار في أثينا حوالي ثلاثين ألفاً مقابل ثلاثمائة ألف من العبيد . و في روما التي ورثت اليونان حسب ما تقول المركزية الغربية بلغ عدد السكان الأحرار مئات الآلاف مقابل ملايين العبيد ، و إذا تابعنا في نفس سلسلة النسب نصل إلى الغرب المعاصر الذي يسيطر على الكون عندها نجد أن عدد الأحرار اقتصادياً ، و هم سكان هذا الغرب و بعض عملاء الغرب أفراداً و طبقات في العالم الثالث يبلغ حوالي مليار إنسان يشكلون ملياراً ذهبياً يستعبدون خمس مليارات من البشر ، و أنا اعتقد أن هذا هو الأمر الوحيد الذي يجمع الغرب المعاصر و اليونان القديمة ، كلاهما نظام عبودي يتقنع بالديمقراطية .
كانت اليونان الحقيقية العبودية-حسب تعابير نظرية المركز و الأطراف – طرفاً لحضارة حوض الحضارات الخالد بين وادي النيل و الرافدين ، و قد علمنا التاريخ أن الحضارات تبدأ بالتآكل من أطرافها ، فمن الأطراف يبدأ الانهيار الحضاري ، و منها أيضاً يبدأ النهوض لأن المركز يكون ثقيل الحركة ، و من اليونان الطرفية بدأ انهيار الحضارة السائدة في ذلك الوقت فنشأ النظام العبودي،ثم امتد من اليونان الطرفية إلى مركز الحضارة فأدى إلى ركود حضاري كبير لم ينته إلا مع ثورة الإسلام في القرن السابع الميلادي التي أنهت هذا النظام و أعادت الاعتبار للعمل الحر فدخلت البشرية بازدهار اقتصادي و حضاري استمر قروناً قبل أن ينحل هذا النظام لأسباب معقدة و يصعد الغرب بدءاً من القرن الخامس عشر بنظام عبودي جديد و بانتظار ثورة جديدة تزيله.
د. ثائر دوري : ( كلنا شركاء )

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات