بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> قضايا فكرية >>
العكش: الهندي الأحمر قُتل باسم الكنعانيين
  16/09/2009

منيرالعكش: الهندي الأحمر قُتل باسم الكنعانيين


حاوره عدي جوني ـ المفكر العربي الفلسطيني بالاختيار السوري بالمولد منير العكش سأبدأ من حيث انتهيت أنت في كتابك الأخير "أميركا والإبادات الثقافية: لعنة كنعان الإنجليزية" عندما قلت إنه يتعين علينا تجنب التنميط وكنعنة الآخر, لأسألك كيف يمكن التمييز إذن بين أميركا التي أبادت الهنود الحمر وأميركا الديمقراطية وبلد الحريات على الرغم من أن كلا التصنيفين يقوم على نفس العقلية المؤسساتية التي قامت عليها دولة الولايات المتحدة ونظامها السياسي؟
واجهت شخصيا هذه المشكلة بشكل درامي في اليوم الذي طلب مني فيه أداء القسم من أجل الحصول على الجنسية الأميركية، وكان ذلك عام 1991 بعد الحرب الأولى على العراق، وكنت أشعر بألم شديد إذ كيف يمكن أن أكون مواطنا في دولة تعتدي على دولة عربية بتلك الوحشية. وخلال رحلتي من واشنطن إلى بالتيمور حيث ستجري مراسم أداء القسم، كنت أفكر في هذا الأمر وأتألم. لكن العقل عموما يمتلك الكثير من الحيل ليضحك أحيانا على نفسه. لذا بدأت أقول لنفسي هناك أكثر من أميركا فهناك أميركا جورج بوش الأب وأميركا الحقوق المدنية والحريات وأميركا الهنود وأميركا الزنوج، وقلت لنفسي إني ذاهب إلى هناك كيلا أكون من تلك "الأميركا" بل من التيار المناهض لتلك العقلية الإجرامية التي دمرت بلدا طالما رضعت تاريخه وشعره مع حليب أمي.
في الحقيقة أن فكرة أميركا التي جاء بها المهاجرون الأوائل الذين كانوا يطلقون على أنفسهم اسم البيوريتان (الأطهار) كانت الرواية الإنجليزية لفكرة إسرائيل التاريخية، أي أنها تريد احتلال الأرض واستبدال شعب بآخر وثقافة بثقافة وتاريخ بتاريخ.
هذه الفكرة التي تتبعتها في دراساتي وبحوثي لا تقتصر على عام 1620 وإنما تجلت في معظم فترات ومراحل التاريخ الأميركي. نعم إننا نجدها متمثلة بلغة مختلفة عما نراه الآن لكنها تحمل نفس المعنى. ومن باب التلخيص أذكر محطاتها الرئيسية وهي القدر المتجلي والصحوة الكبرى الأولى والثانية، والثورة الأميركية وصياغة الدستور وتأسيس الجمهورية، كما وجدتها فيما أقوم بدراسته حاليا ويعرف باسم الدين المدني الأميركي. أما الديمقراطية، واسمح لي بأن أضحك، فليست إلا تمثيلاً لأخلاق وأفكار السوق. إنها ليست أكثر من ديمقراطية الرأسمال، بل لعلها أحد أفتك أسلحته. وما جرى لأهلنا في العراق ليس استثناء.
وما هو الدين المدني الأميركي؟

باختصار شديد هو منظومة العقائد والإيثوس التي استوعبت كل أيديولوجية البيوريتان الأولى وأشبعت بها الأفكار السياسية والاجتماعية والأيديولوجية والوطنية الحديثة وعممت على مختلف فئات الأمة الأميركية. هذا ما تجلى مثلاً في فكر الرئيس الأميركي الراحل جون كينيدي عندما يقول "نحن هنا لتحقيق إرادة الله". طبعا لا يحدد كينيدي أي إله. فهو لا يقول إنه الإله اليهودي ولا المسيحي ولا إله المسلمين، لكنه كان يشير إلى المهمة الموكلة من الله "للشعب المختار"، وما صار في حقب مختلفة يسمى بالتفوق العرقي: أبيض ضد أسود أو ملون، مسيحي ضد وثني أو غير مسيحي، وغير ذلك من الثنائيات التي صار آخرها هو ثنائية الديمقراطية والاستبداد.
وعودة إلى السؤال الأول عن "تمييز أميركا"، قطعا لا يمكن اتهام شعب وفق تعميم أعمى. أبدًا لا ينبغي أن نجرم أفرادا أو عرقا أو شعبا بل يجب أن ينصب اهتمامنا على الأفكار وعلى الذهنية والأيديولوجية والسياسات المترتبة عليها. فالشعب الأميركي منوع من أصول ثقافية وعرقية ودينية مختلفة.
وهنا يخطر ببالي الآن هذا السؤال: ماذا لو قدر للشعب الأميركي أن يتعرض لما تعرض له الشعب العربي العراقي؟ إنك بالتأكيد ستجد أميركا تتطاير مثل "العهن المنفوش". فهناك أرضية خصبة من الخلاف العرقي والديني والاجتماعي بشكل أكبر من أي مكان آخر على الأرض.
المشكلة الأساسية في أميركا أن هناك مؤسسات محكومة بثقافة وتاريخ وأيديولوجيا لا يمكن الإفلات منها، قد يقع بعض التغيير لكنه لا يحيد أبدا عن فكرة أميركا وخصائصها الخمس: المعنى الإسرائيلي لأميركا، عقيدة الاختيار والتفوق العرقي والثقافي، الدور الخلاصي للعالم، قدرية التوسع الذي لا نهاية له، وحق التضحية بالآخر.
فعلى سبيل المثال قد يختلفون على فيتنام أو العلاقة مع الفلبين مثلا، أما بالنسبة لمنطقتنا العربية وتحديدا فلسطين فترى أميركا متفقة بأكملها. إذ ما تكاد تذكر فلسطين حتى تعوم أميركا على بحر من الخرافة (وأقصد هنا أميركا المؤسسة الحاكمة) حيث تنسى العقل والمنطق وتطن فيها الخرافات القيامية كما يطن سرب النحل.
أما فيما يتصل بالمواطن العادي فهو بريء وضحية المؤسسة التي تقولب وتتلاعب بأفكاره وبـ"لاوعيه" الجمعي لتوقظ فيه كل الشر المطلوب وذلك باستخدام الإعلام والنظام التعليمي والضخ السياسي القائم على شيطنة الآخر، وفي الواقع لا توجد أمة عملت على شيطنة العالم كما فعل الإنجليز والأميركيون.
في الواقع كلامك يقودني إلى سؤال منطقي، أليس مستغربا أن ترى دولة تقوم على مبدأ الديمقراطية السياسية والحريات المدنية والتعددية الثقافية والعرقية، تعيد وتواصل إعادة تأسيس خطاب ديني أصولي قديم يعود بالتاريخ إلى القرن السادس عشر وتستأنف آلياته وصولا إلى القرن الواحد والعشرين؟
معلوماتنا عن الولايات المتحدة في الخارج على أنها دولة علمانية فيها الكثير من الخلل. وهذا بصراحة يعود إلى تقصيرنا نحن العرب في دراسة أميركا خلافا لما تفعله بقية الأمم ولا أدل على ذلك من أنه لا توجد في الجامعات العربية أي مراكز للدراسات الأميركية،، فالطالب العربي يدرس الأدب والتاريخ الأميركي لكنه لا يدرس أميركا نفسها.
تصور أن بريطانيا التي أسست أميركا أنشأت مركزا بحثيا للدراسات الأميركية، في أوروبا هناك رابطة للدراسات الأميركية تشارك فيها على ما أعتقد 16 دولة، حتى إسرائيل لديها مراكز خاصة بالدراسات الأميركية، بينما نحن ما زلنا محصورين فيما يتعلق بمعرفتنا عن أميركا في المجال الإعلامي وما يتردد عن وجود لوبي قوي يتحكم بالسياسة والفرد الأميركي، والمسيحية الصهيونية، طبعا أنا لا أنكر صحة هذه المعلومات ولكنها ليست كل شيء أو لعلها رأس جبل الجليد.
دعني أتساءل هنا لماذا لم ينشىء اليهود لوبيا قويا في ألمانيا مثلاً؟ والجواب ببساطة لأن الأرض غير صالحة وأقصد هنا بالأرض الأرضية السياسية والثقافية والتاريخية غير المهيأة لتأسيس لوبي يهودي قوي وفاعل في ألمانيا، أما الأرضية الأميركية فهي صالحة لقيام لوبي من هذا النوع، فالولايات المتحدة أرض خصبة دينيا وفكريا واجتماعيا لكل تطرف صهيوني.
هناك حاخام أميركي يدعى لي ليفنغر وضع كتابا عن تاريخ اليهود في أميركا قال فيه إن الثقافة الأميركية أكثر يهودية من اليهود أنفسهم. فالمهاجرون الأوائل –البيوريتان- الذين خرجوا من بريطانيا وهولندا إلى العالم الجديد كانوا يسمون أنفسهم أيضا "العبريين"، وعندما وصلوا إلى أميركا أطلقوا على الأرض الجديدة اسم "بلاد كنعان، وصهيون وأرض الميعاد"، وأول كتاب وضعه توماس مورتن كان عنوانه "بلاد كنعان الإنجليزية"، ولذلك كان هذا المهاجر البيوريتاني يطلق على الهنود الحمر -وطبعا هم ليسوا هنودا بالتأكيد- اسم الكنعانيين ويشعر براحة كبيرة في إزالتهم من الوجود، ليقينه أنه يمتلك من الله تفويضا بذلك، وأن الله خلق هؤلاء الهنود الحمر لهذه الوظيفة، كما سخر الله الماشية للذبح والركوب والتنقل، أي كأن الله فوضه بإدارة مسلخ بشري. وبالتالي فإن الجرائم التي ارتكبت باسم هذا المعتقد وفي هذا الإطار كانت أفظع وأكبر من كل عبارات الوصف. ويكفي على ذلك دليلا القول إن كريستوفر كولومبس -مكتشف أميركا- عندما وصل إلى العالم الجديد كان هناك ما لا يقل عن 112 مليون إنسان حسب الوثائق التاريخية. وبالتالي فإن ما كان يقال عن وجود قبائل ومجموعات صغيرة ليس صحيحا بل مجرد أكاذيب. ففي المذكرات التي وضعها مطران إسباني رافق البعثة الأولى اسمه برتولومي دي لا سكازاس يقول "إن هذه البلاد تعج بالبشر، كما تعج خلية النحل، وكأن الله وضع فيها كل خلقه". ومن رواياته أيضا أنه عندما كان يشحن الهنود الحمر كعبيد على ظهور السفن من جزيرة إلى جزيرة لم يعطوا الطعام فكان الموت نصيب عدد كبير منهم لترمى جثثهم بالبحر حتى وصل الأمر -كما يقول المطران الإسباني- إلى أن ربابنة السفن لم يكونوا بحاجة إلى بوصلة لأنهم كانوا يستدلون على طريقهم بواسطة الجثث الطافية.
وفي نهاية القرن التاسع عشر، جرى إحصاء في الولايات المتحدة أشار إلى وجود ربع مليون شخص من الهنود الحمر، ولنأخذ الرقعة الجغرافية التي تقوم عليها الولايات المتحدة بشكلها الحالي، تقول الوثائق التاريخية إن هذه المنطقة كانت موطنا لما لا يقل عن 18 مليون نسمة موزعين على ما يقارب 500 أمة وليس قبيلة.
ومن المراجع التاريخية المهمة للهجرات الأولى إلى العالم الجديد كوتن ماذر الذي وضع كتابا باللغة اللاتينية عنوانه "ماغناليا كريستي أميركانا" يحوي مجلدات كثيرة، والبارز في هذا الكتاب أن المؤلف لا يتحدث عن سكان أميركا الأصليين بعبارة "قبيلة" بل كان يصفهم بعبارة "أمم وشعوب"، ولم ترد في كتابه كلمة "قبيلة" إلا ثلاث مرات عندما كان يتحدث عن قبائل بني إسرائيل. وفي الوثائق التاريخية التي استندت عليها في كتابي الأخير "أميركا والإبادات الثقافية: لعنة كنعان الإنجليزية"، وجدت ما يشير إلى وجود عواصم كانت عامرة بالبناء والأراضي الزراعية الخصبة دمرت كلها عن بكرة أبيها.
في عام 1975 إبان عهد الرئيس جيرالد فورد طلب أن يبنوا له مسبحا وتحديدا في الحديقة الوردية -التي تمت فيها في التسعينيات من القرن الماضي مراسم توقيع اتفاقية أوسلو. وما أن بدؤوا الحفر لبناء المسبح حتى اكتشف العمال عاديات وغلايين وآثارًا أخرى مثل حجر الصابون وهياكل عظمية بشرية تحت البيت الأبيض، فسارع القائمون على العمل بمد العشب وتمت التعمية على الموضوع، بيد أن الحركة الهندية في الولايات المتحدة -وهي حركة قوية بالمناسبة تضم العديد من الأكاديميين والمثقفين- أجرت تحقيقات تبين أن الغزاة وصلوا عام 1623 إلى المنطقة المعروفة باسم تشسبيك باي التي كان يقطنها في ذلك الوقت شعب الكونوي وملكه تشكياس. وبعد قتال مرير بين الطرفين عرض البيض عقد سلام مع سكان المنطقة الأصليين بكلمات معسولة كالعادة شبيهة بتلك التي يتحدث بها في وقتنا الحاضر رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير عن السلام بصفته مبعوث اللجنة الرباعية مع تاريخه حافل بالدماء ولا أقصد تاريخه الشخصي بل تاريخ الموروث السياسي الذي ينتمي بواسطته إلى بريطانيا التي قال رئيس وزرائها الشهير ونستون تشيرشل إن الفلسطينيين كلاب يعيشون في حظيرة، وإنها في النهاية ليست لهم.
وبالعودة إلى الملك تشكياس، التقى هذا الأخير مع الجنرال تاكر الذي أجرى المفاوضات وقدم له الكحول المسممة فسقط الملك الهندي ميتا ومعه كثيرون من زعماء شعب كونوي الذي كان يسكن في المنطقة التي تعرف حاليا باسم واشنطن. وكان هناك مدينة تدعى "نكن شتنكة" وقد قامت على أنقاضها العاصمة الأميركية وعلى جثث سكانها الأصليين.
واكتشفت الحركة الهندية أن المسافة الممتدة من البيت الأبيض حتى الكابيتول هيل -وتعرف حاليا باسم "المول" وتضم أهم المتاحف في الولايات المتحدة- كانت السوق التجارية لمدينة نكن شتنكة التي كانت تتعامل تجاريا مع الأمم والحواضر الأخرى، وإمعانا في السادية الإنجليزية -إن جاز التعبير- أقيم متحف المحرقة اليهودية (الهلوكوست) في نفس المنطقة فوق جثث السكان الأصليين.
وواشنطن ليست الاستثناء بل يمكن القول إن العديد من المدن الأميركية الحالية قامت على أنقاض المدن والبلدات والقرى التي أقامها وأسسها الهنود الحمر مع التحفظ طبعا على هذه التسمية.
كل الخصائص التي جاء بها البيوريتانيون إلى أميركا مسيطرة على العقلية السياسية الحاكمة في الولايات المتحدة وبالتالي فإن وجود اللوبي الصهيوني بات تحصيل حاصل لموروث أيديولوجي وعقائدي وبالتالي لا غرابة في القول إن في الكونغرس الأميركي 532 نتنياهو ولا داعي لوجود لوبي من بضعة أشخاص ليضغط عليهم.
إذن هل يمكن القول إن سياسات أميركا الخارجية وحروبها في العراق وأفغانستان والكوريتين مثلا هي استمرار لهذه العقلية التي جاء بها المستوطنون الأوائل وأسسها كريستوفر كولومبوس؟
هناك لفتة تاريخية يجدر ذكرها عن كولومبوس وهي أنه أوصى في مذكراته بالاستفادة من ذهب العالم الجديد لتحرير بيت المقدس، لكن العالم الجديد كان محط غزو للعديد من الشعوب والأوروبية تحديدا مثل الإسبان والبرتغاليين والألمان الذين جاؤوا ناهبين لخيرات وثروات القارة المكتشفة. لكن من جاء وفقا لتصور أيديولوجي وعقائدي للمستقبل ورؤية محددة حيال السكان الأصليين إضافة إلى سعيه لنهب الثروات هم الإنجليز، حتى إن سجلهم سابق على الهجرة إلى العالم الجديد كما تشهد على ذلك مأساة الأيرلنديين. وهناك مؤرخ أيرلندي هو نيكولاس كاني يتحدث عن تلك الفترة وكأنه يتحدث عما جرى في فلسطين، فما فعله الإنجليز بالأيرلنديين يتطابق تماما مع ما فعله ويفعله الصهاينة الآن مع الشعب الفلسطيني.
مأ أريد قوله هو أن إسرائيل أسست ليست على يد اليهود بل أسست قبل فترة طويلة من وجود هرتزل في العقلية الأنجلوسكسونية التي واظبت منذ أكثر من 500 عام على تأسيس الفكرة.. حتى كبار علمائهم ومنهم إسحاق نيوتن مكتشف الجاذبية الأرضية بقصة التفاحة الشهيرة وضع -إلى جانب كتابيه الرائعين في العلوم- ما يقارب من أربعين كتابا عن تصورات وحسابات للمعبد اليهودي وقياساته في وصفه لبناء هيكل سليمان، ويصرف وقتا وجهدا في الحديث عن قداسة القياس بالذراع تشبها بالعبريين، أي بعبارة أخرى أن الأنجلوسكسون حاولوا بناء إسرائيل مجازيا قبل أن تؤسس بشكل مادي على أرض الواقع، ولهذا السبب يمكن القول إن قارتين على الأقل أفرغتا من سكانهما الأصليين كليًّا، أميركا الشمالية التي كان يقطنها 18 مليون هندي أحمر ويكفينا تصور هؤلاء الـ18 مليونا الآن لو قيضت لهم حياة طبيعة من تعاقب الأجيال, وأستراليا التي تحتل المرتبة السادسة عالميا من حيث المساحة، إذ لم يبق من سكانها الأصليين "البوش من أو الأبورجينيالز" سوى أعداد قليلة تعتبر عينات ديكورية. أفرغوا قارتين ومئات الجزر -خاصة في المحيط الهادي- من سكانهم باسم إسرائيل.
هل يحق لنا بعد هذا التفصيل في فكرة قيام الولايات المتحدة القول إن هذه الدولة تمارس سياساتها -تجاه الشرق الأوسط تحديدا- انطلاقا من النبوءة الدينية التي تقول بتجميع اليهود في فلسطين تمهيدا لعودة المسيح؟
أريد الإشارة إلى وجود رابطة قوية بين ما يسمى الدين العلماني والوطنية الأميركية. فالعلماني الأميركي بل وحتى الملحد الذي لا يؤمن بشيء ومعه اليساري بل وحركات السلام وحقوق الإنسان، لا يغضبون إلا لوقوع قتلى أميركيين طبعا هناك استثناءات تناقض هذا الواقع.
هناك العديد من الطبقات الثقافية التي تخفي في طياتها ما هو أخطر، فيمكن أن ترى العنصرية وفكرة الكنعنة عند رجل الدين ظاهرة بوضوح ولكن الأمر ربما لا يبدو كذلك لدى الرجل العلماني، ومثال ذلك الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون.
كلينتون بعد توقيع اتفاق السلام بين الأردن وإسرائيل المعروف باسم اتفاق وادي عربة، ألقى خطابا أمام البرلمان الأردني قال لهم فيه إنهم الآن أصبحوا بشرًا، وإنهم نبذوا العنف والإرهاب.. إلخ . وفي اليوم التالي توجه إلى إسرائيل وألقى خطابا أمام الكنيست كرر فيها مقولة كينيدي الشهيرة "نحن هنا لنحقق إرادة الله" مشيرا إلى أن الكاهن أحضره إلى إسرائيل قبل ثلاثة عشرة عاما من ذلك التاريخ لزيارة الأرض التوراتية، وأن الكاهن أوصاه يومها قائلا له "إذا أغضبت إسرائيل فكأنك تغضب الله".
وبالعودة إلى نقطة النبوءة الدينية بخصوص تجميع اليهود في فلسطين، هذا يعود إلى فكر المسيحية الصهيونية لكن يجب الانتباه إلى أن جميع مفكري وزعامات هذا التيار هم أعداء لليهود، هذا أولا. ثانيا -وهي نقطة هامة نبه إليها المفكر العربي الراحل إدوارد سعيد وقد أشرت إليها في كتابي تلمود العم سام- وهي الإسرائيلية الإنجليزية وهي أخطر وأعم من الصهيونية المسيحية. والمقصود بها المفهوم العرقي الذي تبناه الأنجلوسكسون اعتقادا راسخا بأنهم إسرائيليون. وهذا موضوع بالغ التعقيد لا يمكن تناوله بكلمات سريعة.
بالعودة إلى كتاباتك عن الكنعنة واستبدال شعب بآخر باسم الله، أنت بهذه الطريقة إذن تؤكد ما ذهب إليه هتنغتون في حديثه عن صراع الحضارات أو الأديان وما يقوله فوك وياما عن نهاية العالم؟
فكرة التاريخ هي ضيف جديد على الإنسان لأن عمر التاريخ المعروف بالنسبة لنا مقترن بعمر الكتابة أي ما يعادل أربعة إلى خمسة آلاف عام وبالتالي يجب هنا أن نسأل هل عمر البشرية يعود إلى أربعة أو خمسة آلاف عام فقط.
في عالم 1979 اكتشفت عالمة جيولوجية تدعى ماري ليكي وزوجها وهو عالم إنثربولوجي، اكتشفت في رماد بركاني في تنزانيا آثار قدم بشرية يعود تاريخها إلى ثلاثة ملايين و600 ألف سنة، إذا ما أخذنا هذا الاكتشاف يمكننا القول إننا نحن على الأقل نتاج 50 ألف جيل من البشر، وبالتالي فإن الفترة التي تعرف باسم ما قبل التاريخ هي أضعاف أضعاف ما يعرف باسم الفترة التاريخية. أي أن معرفتنا بتاريخ الإنسانية هي ضيف جديد ومتعجرف ومدع ولا يعرف شيئا عن الإنسانية.
ولو عدت إلى آثار الحضارة البابلية لوجدت نظرة جد منفتحة على الإنسانية، وفي الحقيقة بدأت عملية التمييز مع سفر التكوين الذي يتناول مسألتي الطبيعة والتاريخ. لم يرض الذين كتبوه عن فكرة الطبيعة فاخترعوا طبيعة جديدة خلقت من أجل هدف عنصري تؤمن بعبادة الذات ولم يعجبهم تاريخ الإنسان فخلقوا تاريخا جديدا للإنسانية لا علاقة له بالتاريخ الحقيقي للإنسانية وذلك لتأسيس فكرة الشعب المختار.
سفر التكوين الذي تبدأ به التوارة وصولا إلى نهاية العهد الجديد ترى فيه سفر تكوين آخر ولكنه سفر تكوين للقيامة أي للنهايات وكتبه يوحنا البطمي جمعا من نصوص سابقة ليس لها علاقة بالدين المسيحي على الإطلاق وبالسيد المسيح عليه السلام ولا علاقة له البتة بكل مسيحية المشرقيين. ما ذا فعلت بابل للسيد المسيح كي يصب كرهه عليها؟! كل ما جاء في سفر الرؤيا هو تأسيس للكراهية والحقد لكل البشر.
بين هذين الموقفين سفر التكوين وسفر القيامة نرى فلسفة التاريخ الأوروبية المحكومة بهذه المقولات، فهيغل مثلاً نفى كل أفريقيا من ملكوت البشرية باسثناء مصر. يبدو أنه لم يستطع اقتلاع الأهرام.
ففكرة النقاء العرقي عند هنتنغتون هي خمرة عبرية قديمة تسمى الاختيار الإلهي الذي ظن الأنجلوسكسون أنهم أحق البشر به، وقد نافسوا الجرمان في ذلك في صراعهم حول التتوتونية. لقد أبحرت هذه الفكرة إلى العالم الجديد مع سفن الغزو الأولى ورافقت مسيرة الإمبراطورية من بليموث على الأطلسي إلى سياتل على المحيط الهادي.
ولطالما كتب السياسيون العرقيون ما يشبه الأعاجيب عن تحكم الأنجلوسكسون في مسيرة التاريخ البشري. إن هاجس التلوث العرقي الذي يملأ مخيلة هنتنغتون بالكوابيس كان أيضًا يملأ مخيلة الذين كانوا يتلذذون بحرق الهنود في قراهم ومدنهم أحياء ويصفون ذلك بأنه مثل حفلات الباربكيو. إن هنتنغتون يقدم من حيث لا يدري صورة كريهة عن المجتمع الأميركي. ومعروف أنه من معتنقي الأخلاق الهوبسية (نسبة إلى توماس هوبس). لكنه في النهاية مفكر هامشي تافه طالما رفضته الأكاديمية الوطنية للعلوم في الثمانينيات باعتباره كاتبًا مشعوذًا.
أنا أصف واقعا معينا. وأنا لا أستطيع أن أستقيل من ثقافتي العربية الإسلامية فهي التي تفرض علي أن أرى وأقرأ بعيون عربية وتقتضي مني أن أنبه إلى الخطر المحدق بنا جسدًا وثقافة وتاريخًا وحضارة. إننا أمة مهددة بالأيديولوجية التي أبادت الهنود الحمر وبأحفاد القتلة الذين أبادوهم، فالهندي الأحمر أبيد وقتل باسمي أنا، أنا الكنعاني على الحقيقة.
حول كتاب أميركا والإبادات الثقافية
عدي جوني ـ "أميركا والإبادات الثقافية.. لعنة كنعان الإنكليزية" كتاب جديد للدكتور منير العكش, يتناول تاريخ نشوء الولايات المتحدة الأميركية كدولة ونظام على مبدأ احتلال الأرض واستبدال شعبها الأصلي بشعب آخر في إطار نظرية عنصرية تشرعن إبادة الآخر جسدا وثقافة وكيانا اجتماعيا باسم الدين والحضارة في إطار الفكر المنفعي الرأسمالي الذي طبقه المهاجرون الإنجليز على كافة المستوطنات التي أقاموها في العالم.
-الكتاب: أميركا والإبادات الثقافية.. لعنة كنعان الإنكليزية
-المؤلف: منير العكش
-عدد الصفحات: 307
-الناشر: دار رياض الريس للكتب والنشر, بيروت
الطبعة: الأولى/يوليو 2009
يقدم الكتاب - وهو ليس الأول في هذا المجال للدكتور العكش، أستاذ الإنسانيات واللغات الحديثة ومدير الدراسات العربية في كلية الفنون والعلوم بجامعة سفك بولاية بوسطن الأميركية - لمحة تاريخية للإبادة الجماعية بحق الهنود الحمر ويكشف الأسس الأيديولوجية والثقافية التي اعتمدها المهاجرون الأنجليز الأوائل تنفيذا مباشرا لفكرة "شعب الله المختار" القادم إلى مجاهل العالم حاملا مشعلي الحضارة والتمدن معتبرا السكان الأصليين "مجموعة كنعانية" لا تستحق سوى الموت بوجهيه الثقافي والمادي كما فعل "اليهود" بشعب كنعان في فلسطين التاريخية لإقامة دولة إسرائيل.
الكتاب يضم العديد من الوثائق التاريخية وخارطة تبين انتشار وتوزع المستعمرات البريطانية في العالم، واللافت للنظر أن الكتاب يتناول وثائق تاريخية تبين على لسان أصحابها الطريقة الممنهجة التي اتبعها المستوطنون في القضاء على الهنود الحمر لتثبيت احتلال الأرض على مبدأ "أرض بلا شعب" بما إن الهنود الحمر وتبعا "للأيديولوجيا الاستعمارية الإنجليزية" ليسوا شعبا وإنما مجرد حيوانات تعيش بلا أخلاق وبهمجية بربرية لا يمكنها أن تقدم سوى الخراب.
الثوابت التاريخية

ويعرض د. العكش –وهو سوري بالمولد فلسطيني بالاختيار كما يقول- الثوابت التاريخية الخمس التي رافقت نشوء وتأسيس أميركا، بل إن المتابع للسياسات الأميركية يرى أنها لا تزال مستمرة وإنما بأدوات مختلقة، وهي:
1-المعنى الإسرائيلي لأميركا.
2- عقيدة الاختيار الإلهي والتفوق العرقي والثقافي.
3-الدور الخلاصي للعالم.
4-قدرية التوسع اللانهائي.
5-حق التضحية بالآخر.
هذه هي الأسس الفكرية والثقافية التي يطرحها الكتاب وبالتفصيل لولادة بلاد العم سام منذ اكتشاف كريستوفر كولومبس العالم الجديد حيث يحتفل الأميركيون بهذا المستكشف بأنه الرجل الذي قدم للبشرية تجربة إنسانية قامت على مبادئ الحرية والديمقراطية متناسين أن هذه القوة الأعظم في العالم بالمعايير الجيوبولوتيكية الحالية نشأت وترعرعت وقويت على أجساد الهنود الحمر سكان القارة الأصليين الذين حرموا حتى الحق في الاحتفاظ بهويتهم الثقافية ومجتمعاتهم، ليتحولوا بنظر المبشرين بالحضارة الإنكلوساكسونية إلى مجرد فائض تاريخي.
ويقدم الكتاب استنادا على عدة وثائق تاريخية مادة غنية بالشواهد التي تعطي القارئ فكرة عن هوية أميركا، الأمر الذي يعيد طرح الأسئلة المهمة أمام هذا الامتداد العسكري الأميركي المنتشر في العالم حاليا عبر حاملات الطائرات والصادرات التكنولوجية والغزو الثقافي في كل مفاصل الحياة للشعوب الأخرى بشأن الصورة الحقيقية لا للشعب الأميركي بصفته الراهنة بالمعنى الاجتماعي أو حتى القومي بل بطبيعة الخطاب السياسي والتعامل مع الآخر عبر ما تفتخر به الولايات المتحدة وهو "المؤسسات الديمقراطية".
وهنا تأتي أهمية الوثيقة التاريخية التي يقدمها د. العكش في الكتاب ليعيد تظهير الطبيعة الفكرية والعقلية الأخلاقية التي قامت عليها هذه المؤسسات في تعاملها مع الشعب الأصلي للقارة الأميركية، حيث يقدم فقرة وردت في إحدى محاضر جلسات الكونغرس الأميركي في القرن التاسع عشر تقول: "يجب مساعدة الحضارة على إبادة الهنود كما أمر الله يشوع أن يبيد الكنعانيين الذين لم يكونوا يختلفون عن هنود اليوم ثم إنه عوقب على تقاعسه عن الانصياع لأمر الله".
كنعنة الآخر
الكنعنة كمصطلح يعود تاريخيا إلى العبرانيين الذين عندما قدموا إلى فلسطين الكنعانية لم يجدوا أمامهم سوى "شيطنة الآخر" باسم الله والدين لتقديم المبرر على إبادة الشعب الأصلي الذين ألصقوا به كل الصفات الذميمة واستباحوه أخلاقيا وجسديا، وكما هو معروف أن فكرة الشيطنة تعود أصلا إلى فكرة الكنيسة في تعاملها مع معارضيها في أوروبا خلال القرون الوسطى وهذا ما ذكره الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو في كتابه الجنون والحضارة في شرحه لآليات إنتاج خطاب السلطة (الدينية أو السياسية) عبر تشنيع الآخر وتجريده من كل الفضائل الأخلاقية ومساواته بالوحش أو الحيوان.
ويشرح د. العكش في كتابه مفهوم الكنعنة كسلاح اعتمده المهاجرون الإنجليز –ليس فقط في أميركا بل في كل بلاد العالم الجديد ومنها أستراليا ونيوزيلندا- من أجل "إبادة شعب واستبداله بأخر":
قد يكون هناك آلاف الآسباب لدخول شعب الله الإنجليزي مسرح الاستعمار، لكن ليس بينها سبب واحد يمكن وصفه بالأخلاقي. إن كل ما قدمته لهم عقيدة الاختيار وقصص التوراة هو أنها ألهبت عبادتهم لذاتهم وصقلت موهبة التشنيع والكنعنة لديهم، وزادتهم فجارة أخلاقية، خصوصا أن معظم أنبياء هذا الاستعمار الأخلاقي -مثل جون وايت- فسروا القصص التوراتية في الانتشار في الأرض بأنها أوامر إلهية للإنجليز باستعمار الأرض واستيطانها كلما أتيحت الفرصة وتساءلوا كيف يمكن طاعة أوامر الله دون الاحتلال والاستيطان؟" (الفصل الرابع ص 65).
ويقدم الكتاب مثالا آخر يوضح الطبيعة الوحشية لهذا الفكر القائم على استباحة الأخر مستشهدا بالفلسفة الأخلاقية للأسقف لانسلوت أندروس الذي يقول "الأرض صحن من اللحم الموضوع على المائدة يقطع منه الإنسان ما يشتهي. وما إن يضع قطعة في صحنه، حتى تصبح له. كذلك إذا اقتطعنا بلدا لا يوجد فيه سكان بيض، يصبح لنا". (الفصل الرابع ص 65).
كما يبين الكتاب أن فكرة شعب الله المختار وإسرائيل التاريخية وجدت من يؤسس لها في إطار البحث العلمي بما يعرف بالدراسات الأنثروبولوجية لتقديم ما يدل على صحتها وإعطائها الشرعية العلمية الرصينة بعد أن منحتها الكنيسة الشرعية الدينية والأخلاقية.
وقدم هؤلاء العلماء باسم القانون العلمي للتطور الحضاري تصنيفات تعتمد مبدأ العنصرية والتفوق العرقي لمنح الرجل الأبيض كل المسوغات الأخلاقية لاستباحة الشعوب الأصلية كما فعل فريدريك إنغلز. يقول د. العكش في كتابه "أصل الأسرة والملكية الخاصة والدولة" متوافقا مع ماركس وأدم سميث "واضع النظرية الرأسمالية" في "تصنيف الشعوب إلى بربر وهمج ومتحضرين" وبشكل يعطي الدليل القاطع بأنه لافرق بين أنثروبولوجي ماركسي وآخر رأسمالي.
القنبلة الثقافية

"اللغة والدين هما خط الدفاع الأخير للهنود ولا بد من القضاء عليهما" بهذه العبارة التي قالها مؤسس مدارس الهنود الحمر في أميركا الكابتن ريتشارد هنري برات، يقدم الفصل السادس من الكتاب الآلية التنفيذية لكنعنة الآخر، انطلاقا من القاعدة المعروفة بأن اللغة والدين هما من المكونات الحضارية والوجودية لأي أمة، فالتوالي الجيني لأمة قد يعطيها القدرة على البقاء المادي في حين أن سلخها عن هويتها الثقافية يجعلها غير قابلة للتجديد والحياة والتطور وبالتالي تصبح أكثر قابلية للتبعية والتلاشي في ظل القوة الأكبر والأقوى ثقافيا حتى لو كانت تمتلك حضارة ما عبر التاريخ.
وتحديدا -فيما يتعلق بهذه الجزئية- يستعرض الكاتب القنبلة الثقافية التي أبيد بواسطتها الهنود الحمر روحيا وتحولوا معها إلى مجرد ظل في إطار الجغرافية والتاريخ وذلك بهدف احتلال أرضهم والاستفادة من ثرواتها العامرة، مع الإشارة إلى أن فهم هذه القنبلة الثقافية بمعناها المجازي الواسع -كما يشرحها الكتاب استنادا إلى أقوال مؤسسي صانعيها- تقدم وبطريقة مباشرة قراءة ولو على المستوي الدلالي فقط للتركيبة البنيوية للعقلية التي ألقت بالقنبلة الذرية على ناغازاكي وهيروشيما في اليابان.
ويوضح الكتاب الهدف الذي أنشئت من أجله مدارس تعليم الهنود الحمر كما يرد على لسان ويليام جونز أحد مسؤولي مكتب الشؤون الهندية -الذي كان يعتبر بمثابة المؤسسة الراعية لمصالح الهنود أو السلطة الوطنية للهنود- بقوله إن الهدف من إنشاء هذه المدارس هو إبادة الهندي بمعناه الثقافي وخلق بديلا عنه يرضى بالأمر الواقع.
لذلك يقول الكتاب إن اللغة كانت من المحرمات الأساسية على الهنود باعتبارها محركا أساسيا لتطور الهوية الثقافية والنظم الاجتماعية التي تجعل من المجتمع الهندي الأحمر يمتلك سلاح الاستمرار في التصدي للغزو الإنكلوساكسوني، كما يستعرض الكتاب شهادات لأطفال الهنود الحمر الذين انتزعوا بقوة السلاح من أسرهم إلى معازل خاصة تجردهم من كل شيء وأولها الأسم حيث تحولت الأسماء الهندية المحاكية للطبيعة إلى أسماء إنجليزية مسيحية في أول خطوات الإبادة الثقافية.
وباسم الحضارة والتمدن التي ساقها المستوطنون الحالمون بإسرائيل الله استنادا إلى مبادئ وعقائد البيورتانيين "الأطهار كما كانوا يطلقون على أنفسهم" المخلصين للكنيسة البروتستانتية، كانت الإبادة الثقافية مقدمة لفكرة استبدال شعب بشعب آخر.
أما أنصار التمدين فكانوا يعلمون أن اغتصاب هذه الأرض (أميركا) بغير الحرب لايتم إلا بزرع الثقافة الهندية ذات البنية الاجتماعية بالألغام لتدمير نظام التكاتف الاجتماعي (أو ما تسميه الأنثرولوجيا العرقية بالمشاع البدائي أو الشيوعية البدائية) واستبدال دماغ الهندي بدماغ أبيض يؤمن بالملكية الخاصة (الفصل السادس ص 95).
ويوثق المؤلف هذه المقولة بعبارة لمفوض الشؤون الهندية جورج مانبيبني يقول فيها "لا بد للطفل الهندي من أن يتعلم كلمة أنا بدلا من نحن، وهذا لي بدلا من لنا... إلخ، ليتنازل طوعا عن ما يملك".
وهنا يوضح الكتاب الفكرة المنفعية التي قامت عليها المستوطنات الأميركية الأولى عبر شيطنة الآخر ومنح المسوغات المدعومة دينيا وأخلاقيا ومؤسساتيا لإبادة هذا الآخر وجوديا وثقافيا من أجل السيطرة عليه.
ضمن هذا الإطار وبعيدا عن القراءة المتصلة بالظرف التاريخي لمأساة الهنود الحمر، يطرح الكتاب وبطريقة غير مباشرة سؤالا في غاية الأهمية ألا وهو هل تصالحت أميركا فعلا مع نفسها بانتخاب رجل أسود رئيسا لها؟
فالسود تعرضوا لنفس التشويه واللعنة الكنعانية التي تعرض لها الهنود الحمر وتتعرض لها شعوب آخرى في الوقت الراهن في العراق وأفغانستان مثلا.
الكتاب يلقي وبشكل مسهب الضوء على العديد من المسائل التاريخية المتعلقة بنشوء الولايات المتحدة كنظام اجتماعي وسياسي ويترك مساحة واسعة للتفكير بالعقلية المؤسساتية التي تحكم هذا البلد الشاسع المترامي الأطراف, بل ويتساءل عن مفهوم التعددية الثقافية في المجتمعات الإنجليزية في أستراليا ونيوزيلندا وجنوب أفريقيا وكندا، مع تأكيد الكاتب نفسه بأنه من غير المقبول تنميط هذه المجتمعات في قالب واحد لأن ذلك يعني وبطريقة غير مباشرة السقوط في نفس الفخ وهو "كنعنة الآخر".

الجزيرة

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات