بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> قضايا فكرية >>
عن وضع الشيوعيّة في ســوريا: لكن أيّة شيوعيّة؟
  28/09/2009

عن وضع الشيوعيّة في ســوريا: لكن أيّة شيوعيّة؟

العقود الثلاثة الأخيرة شهدت، ليس انشقاق الحزب الشيوعي وحسب، بل شيئاً يشبه التفكك، حيث أصبح الحزب أحزاباً، ونمت أحزاب أخرى تنطلق من الماركسية والشيوعية، وأصبحنا في وضع مأساوي. وخصوصاً أن كثيراً من كادرات الحركة الشيوعية أصبحوا خارجها، وبات عددهم أكبر من حجم الأحزاب ذاتها. إن التأكيد على ضرورة توحيد الشيوعيين يجب أن تسبقه إجابة عن السؤال: لماذا حدثت الانشقاقات؟ ولماذا حدث هذا التسرب الهائل في كادرات الحزب؟ لأن الإجابة عن هذين السؤالين هي التي يمكن أن تفتح الطريق لإعادة بناء الحركة الشيوعية، ولتوحّدها. فمن دون معرفة سبب التفكك، لن يكون ممكناً الإجابة عن سؤال الوحدة بدقة، وبالتالي لن تكون هناك أية وحدة. ليس لأن المطلوب «نكش» الماضي، بل لأن فهم سبب التفكك يسمح بإرساء وحدة جدية، وإعادة بناء الحركة على أسس جدية. فالمطلوب هو حتماً ليس تجميع الشيوعيين لأنهم يتسمّون كذلك، بل المطلوب هو بناء حركة شيوعية فاعلة في وضع بات يفرض أن تلعب هذا الدور الفاعل.
لماذا حدثت الانشقاقات؟ هل نتيجة خلاف فكري سياسي، أم نتيجة «تناقضات» وخلافات لها طابع «ذاتي»؟ معظم الانشقاقات أشارت إلى «خلافات تنظيمية» ولم تشر إلى أي خلاف فكري أو سياسي جدي. وظلت تمارس السياسة ذاتها في الغالب، ربما مع تمايزات محدودة في التكتيك، أو في التعبير عن تلك المواقف. فقد ظلت في «الجبهة الوطنية التقدمية» وفي الحكومة ومختلف إدارات الدولة، أو بقيت على هامشها، ولكن ليس في المعارضة. وهو الأمر الذي يفرض التساؤل عن سبب هذه الانشقاقات. لقد كانت المسألة التنظيمية إشكالية لأن الحزب لم يكن ديموقراطياً، بل كان ينحكم لسلطة «الأمين العام»، الذي لم يكن يحتمل وجود تيارات في الحزب، أو حتى آراء غير رأيه. وبهذا كان الحزب «منضبطاً» و«حديدياً»، لكنه كان ينزف كتلة هامة من كادره ومثقفيه. وبالتالي حينما يشار إلى الخلافات التنظيمية يُتطرّق إلى هذه المسألة، رغم أن الحزب الجديد المنشق يمارس فيه الممارسات ذاتها، ليكون حزباً محلقاً بـ«الأمين العام». لهذا، ليست الخلافات التنظيمية هي السبب الجوهري.
في توضيح السبب يمكن لمس ثلاث مسائل:
1) إن سياسة الحزب منذ نهاية الثلاثينيات من القرن العشرين كانت مناقضة لمسار التناقضات في المجتمع. هذه التناقضات التي تبلورت، أولاً ضد الاستعمار، ونعرف الموقف المربك للحزب في هذا الصعيد (بعد حكم الجبهة الشعبية سنة 1936 في فرنسا المستعمِرة)، ثم ضد الإقطاعيين المتداخلين مع البورجوازية الناشئة. وكان التناقض الأساسي متمركزاً في الريف نتيجة كونه يمثّل التكوين الأساسي في المجتمع. وبالتالي كانت الطبقة العاملة والفلاحون ضد الإقطاع والبورجوازية. لكن الحزب رسم سياسة تقوم على دعم البورجوازية لكي تنتصر وتحقق المرحلة الرأسمالية، وهو ما جعله يهادن الإقطاع (نتيجة تواشج البورجوازية معه)، وبالتالي يقفز عن طرح القضية الأهم في الصراع الطبقي، وهي قضية الإصلاح الزراعي. هذه السياسة إذاً، كانت تجعل الحزب في الموقع الخطأ، مما منعه من أن يقود نضال العمال والفلاحين، رغم تأثيره الكبير في الطبقة العاملة وإلى حدود في الفلاحين. وهو ما فعله البعث، رغم أنه كان يعبر عن فئات وسطى.
2) أدى وصول البعث إلى السلطة والخطوات التي قام بها (الإصلاح الزراعي، حقوق العمال والضمان الاجتماعي، والتطوير الصناعي) إلى انكماش قاعدة الحزب، وتحول الفئات التي كان يستند إليها إلى دعم سلطة البعث، أو التخلي عن دورها السياسي. وهو الأمر الذي أفقد الحزب شيئاً فشيئاً قاعدته الطبقية، وعزله في إطارات هي في الغالب من الفئات الوسطى. حيث إن التحولات الاقتصادية التي تحققت فرضت تجاوز التناقضات الطبقية القديمة، والبدء في نشوء تكوّن طبقي جديد. لكن هذه المرحلة الانتقالية كانت تحدّ (أو حتى تلغي أحياناً) من التناقضات الطبقية، وتوسع من وضع الفئات الوسطى عموماً. وهو الوضع الذي كان يفرض دمج الحزب الشيوعي في بنية السلطة، لكن دون قاعدة يعتدّ بها.
3) ولقد أدى التحالف مع السلطة إلى إشكالين، الأول: هو تبقرط قطاع من الحزب أصبح جزءاً من تكوين السلطة، وبالتالي التماهي معها، والثاني: فقدان الطابع الفكري الواضح بعدما أصبحت الاشتراكية التي يطرحها هي ذاتها اشتراكية البعث (وبالتالي ليست اشتراكية)، وبعدما أصبح جزءاً من السلطة، ومسؤولاً فيها.
هذه العناصر أفضت إلى ضياع الطابع الفكري للحزب، وإلى تلاشي الطابع النضالي، وكذلك إلى انحسار قاعدة الحزب الطبقية بعدما كان قد أقام سياسة خاطئة قبل ذلك وخلاله. وفي هذا الوضع أصبحت الصراعات «التنظيمية» هي البارزة، والتي كانت تعبّر عن تناقضات بنيةٍ باتت ملحقة بالسلطة دون أهداف تخص الطبقة
الحزب بات خارج الصراع الطبقي من الموقع الذي كان يعتقد أنه فيه، وغدا في موقع السلطة
العاملة، وبالتالي التناحر للحصول على امتيازات في الحزب ذاته، أو في السلطة. وهو ما أفضى إلى التفكك الذي أشرنا إليه.
يمكن أن نميز في كل ذلك الانشقاق الأول الذي حسم سنة 1972، والذي انبنى على خلاف سياسي عميق، سواء لجهة العودة إلى رؤية الحزب في مرحلته الأولى حيث كان يسعى إلى تحقيق أهداف النهضة العربية، لهذا عاد هدف الوحدة وتحرير فلسطين والتقدم إلى برنامجه. أو لجهة التمسك ببرنامج الحزب في مرحلته الثانية البادئة سنة 1937، حيث ظل هدف الديموقراطية هو الهدف «المركزي»، رفضاً لـ«اشتراكية» قائمة على نزع الديموقراطية، ولمصلحة تحالف مع البورجوازية. وهما اتجاهان كانا في صلب الحزب حين حدوث الانشقاق، لكن تغلّب الاتجاه الثاني وأصبح هو الحزب الجديد.
هذه العناصر كانت في أساس تفكك الحزب، حيث بدا على هامش الطبقات، وفي حضن السلطة، ودون تصور طبقي واضح يخص العمال والفلاحين. ودون مقدرة على نقد التحولات السلبية التي باتت تظهر في بنية السلطة. وأيضاً في وضع بَقْرَط جزءاً مهماً من كادراته. وبالتالي فقد طغت المصالح الضيقة، وتضخمت الخلافات المحدودة، وتعممت الشللية وعادت لتطغى الروابط ما قبل الحديثة. لقد أصبح حزباً لا هدف له سوى ترتيب وجود كادره في بنى السلطة السياسية والنقابية، وفي المحليات. وهذا ما يسمح بظهور كل هذه «الأمراض». وكذلك «المرض» الأساسي الذي هو أن الحزب بات خارج الصراع الطبقي من الموقع الذي كان يعتقد أنه فيه (موقع الطبقة العاملة)، وغدا في موقع السلطة التي كانت تتكوّن في أحضانها طبقة جديدة مناقضة لمصلحة العمال والفلاحين الفقراء ولبقية الطبقات الشعبية، وكانت تتحول سياساتها الاقتصادية أكثر فأكثر نحو اللبرلة، إلى أن باتت تمثّل فئات «الرأسمالية الجديدة».
هذا الوضع جعل الحزب/ الأحزاب يتهمش/ تتهمش، وينزع/ تنزع إلى التفكك، دون أفق بأن يتجدد، أو يعود قوة فاعلة. وبالتالي فإذا كانت سياسته قبل استلام البعث السلطة خاطئة فقد أدت التحولات إلى تهميشه، وتحوّله إلى جزء من بيروقراطية السلطة، رغم كل الشعارات التي يطرحها هذا الشق أو ذاك، ورغم التأكيد على التمسك بالماركسية، أو بالماركسية اللينينية. حيث يبدو أن لا معنى لكل ذلك ما دام جزءاً من سلطة ليبرالية.

سلامة كيلة
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات