بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> قضايا فكرية >>
الشيوعي في عيون يساره: الأولوية للمضمون الاجتماعي
  25/10/2009

الشيوعي اللبناني في عيون يساره: الأولوية للمضمون الاجتماعي


وجوه الأطفال بالأحمر في افتتاح فعاليات عيد الحزب الشيوعي أمس في المدينة الرياضية (بلال قبلان)
كلير شكر

في الذكرى الخامسة والثمانين لتأسيس الحزب الشيوعي، تبدو المراجعة ضرورية لسيل الأحداث الكبيرة التي تلاحقت منذ سقوط الاتحاد السوفيتي، وصولاً إلى الأزمة المالية التي ضربت النظام العالمي «الرأسمالي»، مروراً بكل التحديات التي واجهت اليسار العالمي... ومنه اليسار اللبناني.
للحزب الشيوعي اللبناني، حالة خاصة، ذلك أن أزماته الداخلية تساوي تلك الآتية من الخارج، ولذلك ترتسم أسئلة حول موقعه في الخريطة اللبنانية رغم التفسيرات والتوضيحات التي تقدمها قيادته... من هنا يصح السؤأل: كيف يبدو الحزب الشوعي اليوم في عيون عينة من المثقفين اليساريين اللبنانيين؟
الفضل شلق
في مقاربته الاقتصادية، يقول المثقف والوزير السابق الفضل شلق إن الأفكار الماركسية الأساسية ثابتة وصحيحة، ليست بحاجة إلى أي تعديل أو تغيير. أما في ما يتعلق بإجراءات الدولة، فهذه مسألة مختلفة تتعلق بالاشتراكية، ومدى امكان إدخال بعض التعديلات عليها. ولكن ثمة أفكار بديهية لا مجال لتحديثها، مثلاً: هل يستطيع البشر أن يتعاونوا في ما بينهم لتسيير شؤونهم؟ الرأسمالية تجيب أن البشر غير قادرين على التعاون، علماً بأنه سبقت الرأسمالية أنظمة اقتصادية تقوم على مبدأ التعاون، كالمشاع مثلاً، وهو مجال للتعاون بين البشر وقد قضت عليه الرأسمالية بعد مصادرة المشاع.
ويلفت شلق الانتباه إلى أن ما يقال اليوم أن نظرية السوق تعبّر عن نفسها بنفسها، لا تسطيع أن تقدم بديلاً، من دون أن يكون هناك تدخل للدولة، لأنها لا تتمتع بآلية أوتوماتيكية كي تسيّر نفسها بنفسها كما يفترض، وبالتالي لا بدّ من قرارات بشرية تفترض تعاوناً بين البشر. السؤال إذاً: هل الرأسمالية هي ملازمة للبشرية؟ الإجابة سلبية لأن البشرية استبقت الرأسمالية، التي هي عبارة عن نظام نشأ وتبلور مع الوقت.
وبتقديره فإن الرأسمالية تواجه اليوم أزمات متتالية، وهي تقترب من الانهيار، في وقت لا تملك البشرية أي نظام بديل قادر على أن يحل محل الرأسمالية. في حين أن معظم الأفكار التي انطلقت ضد هذا النظام، كانت من أصوليات دينية، وهي أفكار لا تصلح لأن تكون البديل. وإذ يعتبر أن الاشتراكية قد قضت على ذاتها، ولكن لا بدّ للحزب الشيوعي اللبناني من أن يدفع الجمهور باتجاه هذا النظام، لأن طروحات الاشتراكية لم تمت ويفترض تطورها وفق تطور الزمن.
فواز طرابلسي
يرى الأستاذ الجامعي فواز طرابلسي أن اليسار عموماً بما في ذلك الحزب الشيوعي، تخلى خلال الفترة الأخيرة عن العتاد النظري الذي يملكه وهي الماركسية التي تشكل نظرية شاملة للكون والحياة، غير أن هذا المخزون ليس مستخدماً في الجزء الأكبر من مفاهيمه وامكانياته. أضف إلى ذلك، لا تزال الماركسية السوفياتية المصدر الأكبر لفكر الأحزاب الشيوعية وهي تحوّلت إلى عقيدة دولة مفتقرة، إذ ثمة نظرة مبدئية بدائية حول الامبريالية، وهي لا تزال تنتمي إلى عالم الثنائيات.
لقد شهد اليسار، برأيه، تراجعاً بسبب عدم استخدامه لما يمكن أن يساهم في تثبيت أسلحته النظرية، كما أن الاستقلال الفكري لليسار هو عنوان استقلاله السياسي وإمكانية تجديد أفكاره.
في القراءة للوضع الاقتصادي العالمي صدر الكثير من التحليلات الغنية عن يساريين يستلهمون ماركس، غير أن الأزمة المالية العالمية الحاصلة تستغل لإعلان انتهاء الرأسمالية أكثر من الوقوف عند مدلولات هذه الأزمة، التي أثبتت أن العولمة الرأسمالية ليست نهاية التاريخ لا سيما وأن وعودها تحديداً في شقها المالي تشكل خطراً على البشرية من مختلف الجوانب، وتطال مختلف الأنظمة الرأسمالية في العالم، وبشكل خاص أنظمة العالم الثالث، كما أثبتت أن الرأسمالية ليست أقصى تطور البشرية، وثمة مجال لتجاوزها نحو نظام جديد، يفترض تسميته بالاشتراكية ولكن بعد تطعيمه بتأثيرات عوامل إضافية.
إن الحزب الشيوعي في لبنان هو التشكيل الرئيسي لليسار، كما يقول طرابلسي، والذي واجه بعد نهاية الحرب الداخلية مهمات إعادة التأسيس وهذا يشمل جلاء هويته الفكرية وإعلان تمايزه عما هو موجود وتحديداً الكتلتين القائمتين (8 و14 آذار) وإعادة تحديد هويته الاجتماعية والتفكير بوسائل عمل جديدة وربط نفسه بالفئات التي يمثلها وتفعيل وسائل الاتصال والتواصل بين العمال والمؤسسات النقابية، التفكير بالصلة مع الأرياف والطبقات الوسطى، الجيل الجديد الشاب للتعبير عن تطلعاته.
ويلفت إلى أن هذه مهمات كل اليسار وليس فقط الحزب الشيوعي ويقول إن ما لا يقوم به اليسار هو إعادة جلاء هويته وهوية اليسار عموماً، واستقلاليته، لا سيما وأن بين اللبنانيين شريحة كبيرة لا تتعرف على نفسها في الكتلتين القائمتين وهذه فرصة مناسبة لليسار كي يتوجه إلى هذه الشريحة ويسعى إلى تمثيلها.
سليمان تقي الدين
يعتبر المحامي سليمان تقي الدين أن من أسباب تفكك اليسار، فقدان قاعدته الاجتماعية لمصلحة الحالة الطوائفية بسبب الحروب المتواصلة التي منعت اليسار بأن يكون له جمهوره الاجتماعي، ولهذا الموضوع علاقة بقاعدة الدولة، التي عندما تراجعت، أخلت المساحات الكبرى للقوى الطائفية.
اليسار اللبناني، برأي تقي الدين، لم يستكشف امكان البديل عن حالة الانحسار التي بلغها وما يزال يتخبط في أزمته، التي هي أزمة غياب الموضوع والهوية والمشروع والإطار التنظيمي الملائم للمرحلة الراهنة المختلفة عما سبقها.
يشير إلى أن اليسار اللبناني ثلاثة أصناف: الحزب الشيوعي، اليسار الذي نشأ في الستينيات، واليسار القومي الذي لديه للمسألة القومية ملحق اجتماعي. تفكك المشروع الوطني اللبناني الذي انخرط فيه اليسار، أدى الى فرز القوى اليسارية، حيث انخرط جزء منها في السلطة، فيما الحزب الشيوعي كان الأكثر تأثراً، باعتباره المؤسسة الأكثر تقليدية، وساهمت بنيته التنظيمية في عدم تشريع مشروعه لكونها بنية تقليدية قائمة على فكرة المركزية وهي إطار سلبي، لا سيما وأن بعض عناوينه كانت عبارة عن اسئلة، وليست إجابات، منها ماذا يعني الحزب الشيوعي، الأممية، الاشتراكية الخ...
يقول تقي الدين: واحدة من مشاكل اليسار الجديد، هو أنه أقل تموضعاً من القوى الأخرى، وأقل تاريخاً من الحزب الشيوعي، فكان أكثر هشاشة وبتكوينه أكثر هامشية، لأن الغلبة الأساسية من مكوناته هي من المثقفين والطلاب الذين نزحوا باتجاه الانكفاء عن العمل اليساري. أما محاولات طرح تجديد اليسار فلم تكن واضحة المعالم وكانت محاولات تجريبية انطلاقاً من الحوار الذي جرى بين الحزب الشيوعي وبعض الشخصيات اليسارية حيث تبين أن الشيوعي يرفض التزحزح عن بعض الأطر.
ورغم ذلك يؤكد تقي الدين، أن فكرة تأسيس يسار جديد، لا تزال واردة، ودونها عقبتان: بلورة مشروع فكري، إيجاد إطار تنظيمي جامع، وطبعاً تأمين موارد مالية. وفي كل الحالات لا يمكن للحزب الشيوعي، برأيه، أن يكون إطار استيعاب لليسار دون أن يقدم على إجراء بعض التغييرات، وقد ثبت بالتجربة أن هذا التغيير متعذر عليه، بسبب تمسك كوادره بمفاهيم لم تعد تشكل إطاراً لعمل يساري جديد، فالحزب الشيوعي يحتاج إلى تطوير جدلية العلاقة وأن ينشأ إلى جانبه يسار يدفع إلى التطور، لا سيما وأن الحزب الشيوعي شهد تطوراً في الكثير من مفاهيمه في الستينيات بسبب المناخ الوطني المحيط به.
كميل داغر
الكاتب كميل داغر يعدد بعضاً من الجوانب المضيئة في مسار الحزب الشيوعي: لم يتحول إلى اليمين ولا يسلك مسالك الخيانة الطبقية والوطنية، كما حصل مع العديد من الأحزاب الشيوعية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. يسجل أيضاً للحزب أنه حافظ على التسمية الشيوعية، وبوجه أخص، على إعلان الانتماء إلى الماركسية «على الأقل، لفظاً». ولكن الأهم من ذلك هو أن الحزب سعى في السنوات الأخيرة، ولو بصورة نسبية، إلى اعتماد سياسة استقلال طبقي وسياسي عن البرجوازية المحلية، والبرجوازية الصغيرة. و أعطى أهمية فعلية للانفتاح على قوى اليسار الأخرى، بما فيها قوى اليسار الثوري، في السنتين الأخيرتين. وهو ما يعبر عن نفسه الآن في المحاولة المستمرة، وإن المتقطعة، لتوحيد اليسار، المتجسدة في اللقاء اليساري التشاوري. ولاتزال أعداد هامة من الشبيبة المتجذرة تتطلع إلى الالتحاق بالحزب، وهذه ظاهرة مؤثرة تشكل ما يشبه شعوراً لدى هذه الشبيبة بان هذا هو الموقع الأساسي لليسار الذي يجدر بها ان تيمِّم وجهها شطره، وتسعى للنضال في صفوفه، وإن كان كثيرون من ضمنها سرعان ما يصابون بالإحباط، ويغادرون هذه الصفوف لأسباب شتى تتعلق بالواقع المتأزم لهذا الحزب.
ولكن هذا لا يلغي برأي داغر، الواقع المأزوم الذي يعيشه الحزب، ويعتقد أن إشاعة الديموقراطية هي خشبة الخلاص بالنسبة لحزب لا يزال يتعرض لإمكانات التشظي، وبات الآلاف من أعضائه السابقين خارجه: بعضهم تخلى نهائياً عن شعوره بالانتماء إلى اليسار والماركسية، والبعض الآخر، وعلى رغم أنه لا يزال يحدد هويته على هذا الأساس، إلا أنه فقد ثقته بالوضع الراهن للحزب، ويمكن أن يعود إليه فقط إذا حصلت تغيُّرات هامة فيه، سواء على صعيد خطه السياسي وبرنامجه، أو على صعيد ممارسته، أو على صعيد حياته التنظيمية ومدى انتصار توجُّه إشاعة ديموقراطية حقيقية في العلاقات التنظيمية الداخلية، وأيضاً في العلاقة بين الحزب وحركة الجماهير.
يدعو داغر الحزب الشيوعي الى الاستفادة من تجربة حزب «الديموقراطية الاشتراكية» الذي كان يقود الدولة في ألمانيا الديموقراطية (الشرقية) ،سابقاً، قبل إعادة توحيد المانيا، في 1989، عبر إطلاق حرية التيارات، وبوجه خاص حرية الاتجاهات، وهو أمر قد يشكل إغراءً حقيقياً لعودة الكثيرين ممن تركوه إلى صفوفه، وبالطبع، فإن ذلك يصبح أكثر تأكداً إذا تمكن الحزب، في الأشهر والسنوات القادمة، من الابتعاد أكثر فأكثر عن كل أوهام الاندماج في مؤسسات الدولة البرجوازية المنحطَّة القائمة، ليصبح حقاً حزب العمال والفلاحين الفقراء والمنتجين الصغار».
ويقول: بقدر ما يجذر الشيوعيون برنامجهم الماركسي، عليهم استعادة مطــالب أساسية يومـــية، قضايا الوحدة العربية، تصفية الهيمنة الإمبريالية على منطقتـــنا، تحـــرير فلسطين، في إطار رؤية ديموقراطية لحل مشكلة اليهود المقيمين فيها، وضمن منظور اشتراكي، وعلى المســـتوى الأممي، مسألة وحدة الحركة العالمية المناهضة للرأسمالية.




 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات