بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> قضايا فكرية >>
كريم مروة: الماركسيون العرب فشلوا في انتاج ماركسية راهنة
  31/10/2009

كريم مروة: الماركسيون العرب فشلوا في انتاج ماركسية راهنة

يحمل آخر كتبه عنوان «في البحث عن المستقبل»، غير أن الحديث مع المفكر اللبناني كريم مروة لا يستقيم إلا في العودة إلى البحث عن الماضي أيضا.
فكريم مروة الذي يجمع بين الفكر والممارسة غاص طيلة خمسة عقود في الآيديولوجيا، وتوسع في الفكر السياسي، وكتب الكثير في الماركسية وعنها وحولها، وتوقف عند حركة التحرير الوطني العربية، وتطرق إلى هموم واهتمامات العرب الفكرية والثقافية والاجتماعية وتحمل، في الوقت نفسه مسؤوليات قيادية كبيرة في صفوف الحزب الشيوعي اللبناني، ولعب دورا طليعيا في اليسار الماركسي اللبناني والعربي عموما.
* منذ نحو خمسة عقود وأنت تتعاطى مع الآيديولوجيا ممارسة وفكرا وكتابة ونهجا. ألم تتعب من الآيديولوجيا؟ ألا ترى أن الآيديولوجيا كثيرا ما ارتبطت بعقائد وأنظمة شمولية تواجه أزمة حادة؟
- في ممارستي للانتماء الذي وجدت نفسي فيه بشكل شبه عفوي، أواخر أربعينات القرن الماضي، دخلت في ما كان سائدا من فهم للآيديولوجيا. وكانت الآيديولوجيا أشبه بالعقيدة، وأكاد أقول أشبه بالعقيدة الدينية. والارتباط بالآيدبولوجيا بهذا المعنى، من موقع فكر علمي ماركسي، حولنا جميعا نحن الماركسيين إلى ارتباط بما اعتبرناه، بمعنى من المعاني وليس بمعنى التهمة التي توجه إلينا، أننا أمام حتمية تاريخية. أقول هذا لأن ماركس لم يتحدث عن حتمية تاريخية. الحتمية التاريخية تجسدت في رؤيتنا بمقولة ربما كان طرحها لينين بعد ثورة أكتوبر، مفادها أن انتصار ثورة أكتوبر والبدء بالتجربة الاشتراكية يُدخل التاريخ في حقبة جديدة غير مسبوقة، وهي الحقبة التي ينتقل فيها العالم بالتدريج من الرأسمالية إلى الاشتراكية. واستمر اقتناعنا بهذه المقولة بعد الحرب العالمية الثانية التي تشكلت في أعقابها منظومة اشتراكية عالمية. لكن، مع مرور الوقت، بدأ خلل بنيوي ينخر جسم وروح التجربة الاشتراكية، أو ما اعتُبر أنه اشتراكية انتماء إلى فكر ماركس. أخذ هذا الخلل يقود التجربة تدريجيا إلى نهايتها. وفي الثمانينات، في عهد غورباتشوف، جرى تسريع هذه العملية التي انتهت إلى ما انتهت إليه. وهو ما نعرفه جميعا.
* قبل ذلك كانت «الحتمية التاريخية» عندكم حتمية فعلا؟
- الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية كان، بالنسبة إلينا، حتمية تاريخية. وكانت هذه حتمية الماركسيين وليست حتمية ماركس، حتى لا نظلمه. أنا شخصيا لم أكن أرى، حتى آخر لحظة، أن هذا الخلل البنيوي سيقود إلى نهاية التجربة الاشتراكية، على الرغم من قناعتي المطلقة بأنه كان عميقا جدا، علما بأنني كنت أحد الذين أخذوا يفكرون بضرورة إعادة صياغة انتمائنا إلى الماركسية، وذلك منذ ستينات القرن الماضي عندما بدأت ثورة الجيل الجديد في الحزب الشيوعي اللبناني. فقد اعتبرنا أن النموذج السوفياتي غير صالح للاتباع وللتعميم، ورأينا أن نمط هذا النموذج يشكل ارتدادا، إذا صح التعبير، على فكر ماركس. وأطلقنا مجموعة أفكار منها فكرة أن لكل حقبة من التاريخ أفكارها وتجاربها. فكرنا الماركسي ذاته هو فكر تاريخي. لذلك ينبغي ألا يجري تعميم أن الفكر، أي فكر، هو مسألة ثابتة. وبدأنا ورشة فكرية جديدة شملت كل القضايا، الخاصة ببلداننا، وذات الصلة بالاشتراكية ذاتها، واختلفنا مع السوفيات في شأن الديمقراطية والتعددية معتبرين أنهما من سمات الاشتراكية. وفي فترة زمنية قصيرة وصلنا إلى استنتاج واضح مفاده أن الفكر بعامة هو فكر تاريخي. الفكر الديني نفسه هو فكر تاريخي، فكيف يمكن ألا يكون الفكر العلمي مثل فكر ماركس فكرا تاريخيا؟ بمجرد ما اعتبرنا أن الفكر هو فكر تاريخي، صار لزاما علينا أن نتحرر من هذا الطابع الآيديولوجي العقائدي في انتمائنا إلى الماركسية.
* تقول عن نفسك إنك كاتب سياسي يساري مستقل، تجتهد في الفكر، وفي الفكر الاشتراكي أو اليساري في شكل خاص. في كتاباتك أكثر من مجرد اجتهاد في الفكر. فيها تنظير. نظرت إلى الماركسية، ونظرت إلى المعركة ضد الإمبريالية... انطلاقا من آيديولوجيا انهارت ووصلت إلى طريق مسدود. هل أنت نادم على ما فعلت؟
- إذا ما تحدثت عن تجربتي فهي تقسم إلى ثلاث مراحل: المرحلة التي كنت فيها أسوة بآخرين غيري في بلادنا وفي العالم، تابعا بالكامل إلى ما كان يأتينا من المركز السوفياتي، فكرا وأنموذج حكم وحزب وسوى ذلك. وهي مرحلة امتدت من الأربعينات واستمرت لغاية أواسط ستينات القرن الماضي. المرحلة الثانية هي مرحلة بداية التحرر من هذا النموذج السوفياتي ومن التلقي. ولكن هذه المرحلة كانت لا تزال مرحلة أولية. المرحلة الثالثة هي التي بدأت عشية سقوط التجربة السوفياتية، أي بدءا من منتصف ثمانينات القرن الماضي حتى عام 1990، عندما أصدرت كتابي «حوارات» الذي وضعت فيه الأسس للمرحلة التي أنا فيها الآن. وهذه الأسس الفكرية، التي تسميها أنت تنظيرا، هي محاولة متواضعة من شخص مثلي في حدود إمكاناته لقراءة ماركس نقديا، وأخذ ما يمكن اعتباره صالحا بالكامل أو صالحا نسبيا، والتخلي عما أصبح خارج التاريخ، خارج العصر. بهذا المعنى تحررت من بقايا ارتباطي العضوي بالماركسية كفكر، من دون أن أتنكر للدور التاريخي العظيم لماركس. وبهذا المعنى أيضا صرت أكثر حرية في رؤية الأشياء والأمور. وقد قلت في أحد كتاباتي إنني لا أعتبر أن الماركسية وحدها تشكل مرجعيتي الفكرية، رغم أنها هي الأساس.
مرجعيتي في التفكير هي تجارب شعوبنا وتجارب العالم، وما أنتجه الفكر الإنساني بأكمله وبصوره المختلفة. النجاح في بعض الأفكار والفشل فيها ينبغي هو أيضا أن يكون مرجعا. وبالتالي، بهذا المعنى، صرت أبحث عن كل الأمكنة التي يمكن أن أستند إليها لكي أصوغ فكري الراهن. وأعني بفكري الراهن الفكر الذي أستند إليه لقراءة الواقع من جهة، وللبحث عن إمكانية تغييره في الاتجاه الأفضل والأدق من جهة ثانية. ولذلك أقول لك، ردا على سؤالك حول ما إذا كنت نادما، إنني أعتقد أن السؤال ليس في محله، لأنه ليس صحيحا أن على المرء أن يتخلى عن تجاربه أو أن يتنكر لها. التجارب تكون شخصية المرء بصرف النظر ما إذا كانت ناجحة أو فاشلة.
* إلى أين وصلت في قراءتك النقدية للماركسية؟
- أكرر ما قلته قبل قليل، ما يؤكد تقديري لدور ماركس التاريخي، بصفته عبقري الألفية الثانية. وهذا رأي يحظى بإجماع عالمي. في كل الاستفتاءات التي تحدثت عن عباقرة التاريخ في الألفية الأولى والثانية كان ماركس يحتل المرتبة الأولى، بمعزل عن الاتفاق معه أو الاختلاف. أنا أرى في ماركس إنسانا فذا لأنه اختصر في أفكاره مجموعة أمور: العلم كعلم، علم الاقتصاد، علم الاجتماع، علم التاريخ، ووضع على قاعدة هذه العلوم جميعها كتبه، ولا سيما كتابه الأساسي «الرأسمال» الذي وضع كل جهده فيه لكي يقرأ الواقع القائم في تاريخ البشرية، ويحدد بدقة أساس الاستغلال، والظلم والقهر في النظام الرأسمالي، وأساس التفاوت الهائل بين البشر. ويستخلص من ذلك نظريته للمستقبل، نظريته لتغيير العالم، وإلغاء استغلال الإنسان للإنسان.
* هل أفاد الماركسيون العرب من هذه التجربة، وإلى أي حد هناك ماركسية عربية بالفعل؟
- أشك بذلك من دون أن أقلل من أهمية الدور الذي مارسه بعض الماركسيين الكبار مثل سمير أمين ومهدي عامل وياسين الحافظ إلى حد ما وإلياس مرقص وإسماعيل صبري عبد الله وفؤاد مرسي وغيرهم من الذين حاولوا تجديد فكرهم الماركسي، ولكني أعتقد أنهم جميعا لم يتمكنوا من إنتاج ماركسية راهنة، ولا أقول عربية. عندما أقول راهنة أقصد أمرين: راهنة في بلداننا وراهنة في العصر.
بلداننا ليست خارج العصر، وبالتالي ينبغي لأي فكر أن يأخذ في الاعتبار الواقع الراهن في بلد معين والواقع الراهن في العصر. وبهذا المعنى، في رأيي، نحن نعاني من فقر.
أنت تدعو في ما تدعو إليه إلى بناء حضارة جديدة وتقول إنه لا بد من التغيير الديمقراطي، أي أنك ضد الثورة. وتقول إنك تكتب لجيل الشباب، الخ... وتطرح في عناوين كتبك ومقالاتك أسئلة من نوع: كيف نواجه الأزمة؟ كيف نساهم في تحقيق التغيير؟ كيف نواجه الاستبداد والاحتلال؟... ألا ترى شيئا من الطوباوية واليفينية في مثل هذه الطروحات؟
- لا، أنا أطرح أسئلة حقيقية. كتابي «كيف نواجه الأزمة» صدر عام 1974، وقد طرحت فيه سؤالا حقيقيا حول حركة التحرر الوطني العربية. فقد وصلنا في تلك الفترة، وخصوصا بعد وفاة الرئيس عبد الناصر، إلى ارتداد وتراجع في حركة التحرر الوطني العربية في تلك المرحلة. هناك أسئلة تعود إلى تلك المرحلة، وعلينا أن نبحث عن إجابات عليها. وهذه ليست سهلة. ولكن علينا ألا نعتبر أن عدم الإجابة على الأسئلة يفرض علينا التراجع. بالعكس، علينا المضي في البحث، إذ إن عملية التغيير ليست عملية سهلة، وبالتالي عندما أطرح هذه الأسئلة إنما أطرحها كي تكون موضع بحث على الصعيد العام. ولكن المؤسف أنه حتى الآن لم نستطع أن نجيب على تلك الأسئلة، بدليل أننا نزداد تخلفا، وتزداد دولنا ومجتمعاتنا تفككا، ويعم الاستبداد، ونجد أنفسنا على الدوام عرضة للتدخل الأجنبي..
وليد شميط/ بيروت

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات