بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> قضايا فكرية >>
الفلسفة وتطورها التاريخي
  15/11/2009

 الفلسفة وتطورها التاريخي

النص الكامل لمحاضرة مسئول الدائرة الثقافية المركزية في الجبهة الشعبية الرفيق غازي الصوراني حول" الفلسفة وتطورها التاريخي"، والتي ألقيت في اللقاء الفكري مع الرفاق في الروابط المهنية بمنطقة غزة الغربية، يوم الأربعاء الموافق 22-9-2009..

بداية اشير إلى أن انتماؤكم ايها الرفاق لجبهتكم الشعبية هو موقف فلسفي اتجاه كافة القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية المطروحة من قبل القوى السياسية بمختلف أنواعها ومنطلقاتها ... انه الموقف الفلسفي النقيض لكل الرؤى والسياسات والبرامج الصادرة عن تلك القوى ... كما أن موقفكم أو رايكم ووجهة نظركم حول قضايا الصراع ضد العدو الصهيوني الامبريالي هو موقف فلسفي إلى جانب كونه ممارسة كفاحية ونضالية أيضاً، وكذلك الامر بالنسبة لموقفكم اتجاه النظام العربي والصراع الداخلي الانقسامي بين فتح وحماس هو موقف فلسفي بالدرجة الأولى ... وبنفس الدرجة فإن موقف أي منكم اتجاه أي قضية في مجتمعنا او خارجه هو أيضاً موقف فلسفي ... والسؤال الآن هو ما هي الفلسفة إذن ..؟ سأحاول تقديم عدد من الاجابات الوافية لهذا السؤال... وأبدا بالحديث عن التعريف التقليدي للفلسفة الذي ينص على أن الفلسفة ليست حبا للحكمة .. إنها حب المعرفة.. وهي موقف الإنسان مما حوله ، الإنسان اللامبالي هو سلبي أو مستسلم للظلم الوطني والاجتماعي أو لاي شكل من أشكال الاضطهاد .
أما التعريف العام، فهو ينطلق من كون الفلسفة أحد أشكال معرفة الإنسان للعالم ، هي شكل من أشكال الوعي الاجتماعي إلى جانب العلم والفن والسياسة والدين و الأخلاق.. أو هي : مجموعة من النظرات الشاملة إلى العالم والطبيعة والمجتمع والإنسان عبر التلازم الجدلي بين العام والخاص .
ووفق هذه الرؤية، فإن الفلسفة هي الوسيط المنطقي بين العلم والثورة، وبالتالي فإن وظيفتها المساهمة في تزويدنا بالنظرات الجديدة والشاملة التي يفترض بناء الإنسان الطليعي بها، ووضوح البناء الأيديولوجي الذي يحدد مسار الإطار الطليعي من جهة وسمات أو طبيعة وشكل النظام السياسي – الاجتماعي الذي يفترض بالنسبة لنا في الجبهة، أن ننتهي إلى إقامته من جهة أخرى.
وهي ايضاً –وهذا هو المهم- نشاط فكري واعي وطليعي يقوم به المثقفين عموماً والمثقف العضوي المنظم في حزبنا/جبهتنا خصوصاً من أجل تغيير وتجاوز هذا الواقع المأزوم والمهزوم الذي نعيشه اليوم.
إلى جانب ما تقدم، فإن جرامشي يرى أن الفلسفة نشاط فكري تلقائي يقوم به الناس العاديون تعبيراً عن تصوراتهم العفوية للعالم .. نجد هذه الفلسفة أو المواقف العفوية في أشكال مختلفة في اللغة والدين الشعبي والمعتقدات والرؤية الخاصة والسلوك والفولوكلور، والسؤال هنا: كيف نستطيع التفاعل والتواصل مع هذا الوعي العفوي للارتقاء به وصولاً إلى التشابك السياسي والمعرفي مع أهداف وبرامج حزبنا/وجبهتنا ؟
إننا نبتغي المساهمة في نشر ثقافة الحوار كواحدة من وسائل شعوبنا لمعالجة قضايانا الرئيسية في التحرر والديمقراطية و التنمية، وامتلاك سبل التقدم والحرية.
وأولى ميزات الحوار الجريء أن يجري فيه طرح المشكلات الحقيقية، والأسئلة الموضوعية، والوقفة النقدية الصارمة للأخطاء، والبحث عن الحلول الواقعية والفاعلة، وعن الإجابات الصحيحة والعقلانية، لأن أفضل ما يمكن أن يحققه رأي أو فكرة ما، هو تحريك العقل وإثارة الحوار بين الناس، وحفز التفكير للمساهمة في حل المشكلات.وإضافة خبرة إنسانية جديدة.
فالحوار لا يوفر فرصة معرفة الآخر فحسب، بل يؤمن معرفة الذات أيضاً، ، فالفكر الجاد يعدُّ أفكاره حواراً مع المجتمع وبحثاً عن الإجابات والاستنتاجات المحكمة.
وتفترض ثقافة الحوار اختيار الحوار العقلاني، وتجنب سلوك الكراهية والخصومة والإثارة وتضخيم عيوب الآخرين، والرغبة في الانتصار والهيمنة. ونبذ أسلوب التآمر.
وحزبنا كسائر الأحزاب الشيوعية والعمالية ، يجب أن تجري بين أعضائه حوارات مفتوحة حول تجديد الفكر الماركسي على ضوء الممارسة التطبيقية في الحياة وظروفها المتغيرة والمتحركة، ولكن ليس بمعنى الخضوع لوقائعها، بل بهدف تغييرها، وإعادة تشكيلها بصورة أفضل لصالح الإنسان وحريته. فلا أفكار نهائية بل نسبية وآنية مع الحركة.
متى تصبح الأيديولوجيا مفسدة للحوار؟: (عندما تتحول إلى اعتقاد ديني، إذ يصبح لدينا مرجع يمتلك الحقيقة المطلقة).
الحزب، أي حزب في العالم، يقوم على وجود عقل جمعي، وهو شرط أساسي، لكن الآخر، كأنا، كذات، غير موجود في وعينا على المستوى الفردي، بصورة مؤثرة وموضوعية ومترابطة مع الوعي الجمعي عبر الديمقراطية والحوار الداخلي في حزبنا، فالموجود هو العقل الجمعي او القيادي الفوقي بهذه الدرجة أو تلك، وبالتالي فإن تأسيس ثقافة الحوار (داخل المجتمع او داخل الحزب) دون الاعتراف بالاستقلال النسبي للأنا أو الذات، مستحيل.
فالوعي المستقر يعني الموت، وما دام العالم متطوراً فإن الوعي الذي يمتلك العالم نظرياً، معرفياً، ينبغي أن يتطور، أن يخضع لتجديد دائم.
إن القيمة الأساسية (الفكرية والسياسية والتربوية والعملية )، من دراسة تاريخ الفلسفة ، تكمن في قدرتنا كحزب على ربط النظرية بالممارسة العملية سواء في إطار التوسع التنظيمي والنضال الجماهيري والوطني والكفاحي أو على الصعيد الاجتماعي والمطلبي المرتبط بالقضايا الحياتية للمواطنين.
إن الالتحاق الطوعي في العمل الحزبي هو شكل متطور للموقف الفلسفي وانتقاله من البسيط إلى الوعي الطليعي .
المهم، الارتقاء بهذا المستوى العفوي –السائد بهذه الدرجة أو تلك حتى اللحظة في حزبنا - لنتخذ موقفاً نقدياً من فلسفتنا اليومية العفوية، بهذا يمكن الانتقال من الامتثال والسلبية إلى الإدراك والوعي والفعل على طريق بلورة الدور الطليعي لحزبنا بصورة ملموسة ومتفاعلة مع الجماهير الشعبية على أرضية الواقع الحياتي (الاجتماعي والسياسي والاقتصادي) الملموس، انطلاقاً من رؤيتنا المستندة إلى المنهج العلمي ، المادي الجدلي، وهو المنهج المستند بدوره إلى وجه الفلسفة المادي.
ذلك إن للفلسفة وجهان: الوجه المادي والوجه المثالي: وكل منهما يحاول الإجابة عن المسألة الأساسية في الفلسفة : علاقة الفكر بالوجود أو علاقة الروح بالطبيعة .. إنه السؤال الخالد أيهما أسبق إلى الوجود؟ الإجابة على هذا السؤال تحدد موقفنا مع المثالية أم مع المادية ومنهجها .
المفكر المثالي : يقول بأن الوعي (أو الفكر أو الروح أو الإله لا فرق)، هو الأسبق على الوجود إنه ينكر أن يكون وعي الناس انعكاساً للواقع الموضوعي (مثالية ذاتية أو موضوعية).
إن المثالية عموماً هي وجهات النظر التي ترى أسبقية الوعي على الوجود، وهذه الأسبقية قد تكون من خلال أسبقية الألوهية أو الأفكار أو الماهيات والجواهر في صنع العالم، أو أسبقية الوعي الفردي.
"إن تبعية الإنسان للطبيعة هنا، وعدم وجود قدرات إنتاجية تحويلية لديه، كانت تقود إلى سيطرة القوى الما ورائية المختلفة، وهكذا فإنه أوجد الرؤى والشخوص المتخصصة في التحكم في هذا الإنتاج الروحي، كشكل أولي سحري من المثالية، أي عبر هذا الوعي الذي يعطي الخارج الميتافيزيقي القدرة على السيطرة على الداخل الإنساني.
لقد أخذت المثالية صيغتها الأولى من السحر والطقوس والأديان البدائية، حيث القوى الغيبية المختلفة تسيطر على بناء الطبيعة، فتهندس الكون وتشكله من خلال المواد الطبيعية والاجتماعية المتاحة لها1".
"هكذا غدت الغيبية الدينية الأم الأولى للمثالية، المدرسة الفلسفية الكبرى فيما بعد، التي ترى أسبقية الفكرة في صنع الوجود، وهذه الأفكار الغيبية نقول إنها نظرات وأفكار مثالية، من حيث إعطائها القوى الفكرية والتصورات العقلية السحرية والأسطورية، الدور الأول في صياغة العالم، لهذا تغدو الأديان مهيمنة على الوعي على مدى آلاف السنين، مع نمط الإنتاج العبودي العام، وبنائه التقني وهو الزراعة2".
إن الشكلين من الدين والفلسفة، هما الشكلان المتميزان الرئيسيان من الوعي المثالي، في المشرق، ويعتبر الدين حجر الزاوية في البناء الفكري، نظراً لارتباطه بالعمليات السحرية في بالوعي والبناء الاجتماعي، وبأشكال جماعية طقوسية، مؤدلجة لحماية الأنظمة العبودية المعممة، والإقطاعية فيما بعد، وحيث تجد القوى الشعبية المعارضة أصواتها الجماهيرية كذلك، في حين إن الفلسفة هي نتاج ثقافي فردي وجماعي لم يظهر في عمليات الطقوس والشعائر السحرية والغيبية، بل عبر الوعي "العقلي" للأفراد والنخب الثقافية والفكرية، ولهذا فهو كنوع نتاج الاستقلال عن البنية الأسطورية والدينية.
ورغم ان الدين هو من تبليغ أو تشكيل أو بناء شخوص محددة هي الأنبياء أو القادة، فإن المصدر الفردي لا يعتبر جوهرياً، فالفرد ذاته هو صوت للغيب، أو للأرواح، فهو رسول القوى ألما ورائية ، مما يعبر عن قوى غير فردية، فيتداخل النسيج الغيبي والأسطوري بالدين، متجسداً عبر مادة تصويرية غالباً، وليس في هذه المادة التصويرية برهان أو تسلسل منطقي، باعتبارها مادة منزلة من السماء، أو باعتبارها نتاج القوى الخفية، فليس هنا أية سببية برهانية متسقة لها.
ولهذا يحدث التمايز هنا بينها وبين الفلسفة، التي تعتبر نتاجاً فردياً عقلياً محضاً، فتتشكل على أساس المنطق والحجج والبرهان، وهذا بحد ذاته يؤدي إلى الصدام بين هذين الشكلين من الوعي.
ان العلاقة بين الدين والفلسفة لا تعتمد على تضادهما الفكري، بل أيضاَ على الصراع الاجتماعي، وبالتالي فإن
الصراعات في البنية الاجتماعية تقود إلى تفكك المنظومة الدينية الشاملة الوحيدة إلى مذاهب متعددة، تعبر عن النزاعات الاجتماعية والقومية غير المعبر عنها سياسياً، وتتخلق بشكل مذاهب وربما أديان الأقليات المختلفة.
المفكر المادي : هو الذي ينظر إلى العالم المحيط بالإنسان (شمس ونجوم وارض وكواكب و بحار وكائنات حية ...الخ) على أنها أشياء موجودة موضوعياً، أي أنها غير مرهونة في وجودها بالوعي البشري، من ناحية أخرى ترى المادية إلى العالم الموضوعي هو عالم سرمدي ، غير مخلوق وانه هو علة وجود الوعي لا العكس (أي انه سبب الوعي ).
وبما أننا في الجبهة ننتمي لهذه الرؤية ، عبر المنهج المادي الجدلي ، فإن الفكر بالنسبة لنا يبدأ حين نشك في كل شيء. الفكر يجب ان يقودنا إلى سؤال: لماذا تخلفنا وتقدم غيرنا؟ ولماذا تتكرر هزائمنا في مقابل انتصار أعداؤنا ؟ لماذا لم تتطور مجتمعاتنا العربية ولم تمتلك حتى اللحظة مقومات العلم والتكنولوجيا ؟ ولماذا لم تحقق أي شكل من أشكال النهوض التحرري أو التنويري العقلاني ؟ لماذا تنتشر كل هذه المظاهر من أشكال التخلف والاصولية المتزمتة غير المستنيرة ؟ لماذا توقف انتاج المعرفة و الفلسفة في الوطن العربي ؟ ما هي الاسباب الجوهرية للدعوات المشبوهة من النظام العربي والسلطة الفلسطينية للتطبيع مع دولة العدو الاسرائيلي والاقرار بشروط الرباعية وغيرها ؟ ولماذا تعثر وفشل حل الدولتين رغم التنازلات السياسية والسنوات الطويلة من المفاوضات العبثية ؟ هنا تكمن أهمية فضح وتعرية الموقف المثالي ، لانه يعبر صراحة عن المصالح الطبقية للقيادة اليمينية المتنفذة ، وكذلك الأمر بالنسبة لتحليلنا المادي لأسباب الانقسام والصراع التناحري المحتدم حتى اللحظة بين فتح وحماس رغم عدم اختلافهما في الجوهر ؟ إنه ببساطة صراع على المصالح الفئوية والحزبية وكلاهما ينطلق في تفسيره ودفاعه عن رؤيته وبرامجه من منطلق الفلسفة المثالية .
لماذا تطغى النزعات الحزبية لحماس او لفتح على حساب المشروع الوطني ومستقبل النضال الوطني كله ؟ وهل تتناقض حركة حماس فعلاً وكذلك حركة الاخوان المسلمين مع النظام الرأسمالي أو الجوهر الامبريالي ؟ ما هي طبيعة المصالح الطبقية للقوى المتنفذة في سلطة الحكم الذاتي في رام الله في علاقتها الرخوة مع العدو الاسرائيلي ؟ أسئلة أو تساؤلات كثيرة لابد لنا من ادراجها للبحث الدائم وصولاً إلى التحليل المنطقي الموضوعي السليم في اجاباتنا عنها ... ولعلنا أيها الرفاق نجد في وثائق حزبنا وادبياته وضوحاً ساطعاً في الاجابة على كل هذه الاسئلة بصورة تفصيلية أو عامة دون أن نلغي دوركم أو دور عقولكم واجتهاداتكم في تحليل وتفكيك الظواهر المحيطة بنا وفق منطلقات حزبنا الفكرية.
- هنا ايها الرفاق تتجلى أهمية وعينا في ممارسة عملية التفكير بصورة عقلانية وموضوعية وفق المنهج المادي الجدلي بعيداً عن التفكير التقليدي أو المثالي. معنى ذلك بالنسبة لنا في الجبهة أن ننتقد ونبتعد ونقطع معرفياً مع كل الأفكار المثالية الرجعية والتقليدية، وذلك عبر ممارستنا لعملية التفكير بصورة عقلانية وموضوعية إلى أبعد الحدود بعيداً عن التفكير التقليدي من ناحية وبعيداً عن طرق التفكير لدى السلطة أو النظام العربي ولدى التيار الديني بمختلف حركاته أيضاً ، لكي نتوصل إلى الحقائق الموضوعية التي تؤكد عليها وثائق حزبنا.
معنى ذلك بالنسبة لنا في الجبهة أن ننتقد ونبتعد ونقطع معرفياً مع كل الأفكار المثالية الرجعية والتقليدية وكذلك القطع المعرفي والسياسي مع أفكار الطبقات الحاكمة بمختلف توجهاتها ، آن الأوان أن نقول أنه يجب على الفكر العربي والوعي العربي الانتقال من الرمزية والشيئية إلى المفهومية والواقعية.
وفي هذا السياق ، فإن الرمز ليس المفهوم وليس الحقيقة . الوطن ليس علَماً، العلم رمز للوطن لا أكثر، الحزب ليس لافتة (يافطة). الكلمات رموز، أنها بدائل عن الفكر أو المفاهيم . يجب الذهاب من الكلمات إلي المفاهيم... من اللغة إلي الفكر.. هل الفكر العربي فكر؟ أم مرتبة أقل؟. هو فكر غربي بمعنى محدود ومحدد أن قسم كبير من وعينا العربي دون مستوى روسو وبيكون وديكارت (الفكر يبدأ حين نشك). ان الفكر العربي في حالة نوم عميق .
الفكر يقودنا إلى سؤال: لماذا تخلفنا وتقدم غيرنا؟ لقد توقف نمو الفلسفة العربية في وقت مبكر قبل النهضة.
أننا اليوم لا يمكن أن نقول عن فكرنا النموذجي انه عربي كما نقول عن فكر ديكارت انه فرنسي. إذن يجب إن نؤمن بذاتنا (العربية ) كفكر من أجل تكون وعي عربي وذات عربية تجسد طموحات الجماهير الشعبية في إقامة المجتمع العربي الاشتراكي الموحد.
أما بالنسبة لمفهوم العقل فهو أداة المعرفة ، والمعرفة هي أسلوب وجود الوعي...الذي يحمل بدوره خمسة جوانب:
· الوعي معرفة- الوعي وعي للذات – الوعي انفعال – الوعي تخيل – الوعي إرادة وهو أهم جانب من جوانب الوعي
فإذا كان العقل هو الأداة الفكرية المحاكمة ...فما هو الفكر ؟ وجوابنا أن الفكر إدراك ... إدراك ماذا ؟إدراك هويات جميع إلاشياء.
أما الإدراك فهو نوعان: الاول: الادراك الحسي
الثاني :الإدراك في التجريد الفكري العالي: مثلاً الحق غير الباطل :ضده .. كلاهما الفكر.. فإذا توصلنا إلى المعرفة أو الفكر .. وميزنا بين الحق والباطل ..فأن الواجب يدفعنا إلى رفض الباطل من أساسه .. باطل الفكرة... وكل فكر لا يفضح الواقع السيء ويسعى لتغييره ليس فكراً.
أخيراً نطرح السؤال التالي : ما هو الاطار الفكري التي يضم كل هذه المفاهيم .. انه المنهج، وما هو المنهج ؟ هو الطريق الذي يؤدي بنا إلى الهدف ... المنهج العلمي الجدلي العقلاني هو طريقنا إلى المعرفة الواعية، بمعنى المعرفة التي تأتي انعكاساً لحركة الواقع الموضوعي بعيداً عن الغيبيات أو الميتافيزيقا.
_ و الجدلية هنا هي ذلك المنهج وهي المنهج، الوحيد الذي يوافق النظرة العلمية إلى العالم، وبالتالي ليس من الصدفة أننا في الجبهة نؤكد على التزامنا الواعي بالمنهج المادي الجدلي.
أما المنهج الميتافيزيقي : كلمة "ميتا فيزيقية " مشتقة من "ميتا" اليونانية و هي تعني "ما وراء" و"فيزيقيا" و هي تعني علم الطبيعة. أما المنهج الميتافيزيقي : فهو الطريق الذي يذهب بعيداً إلى ما وراء الطبيعة أو الوجود بعيداً عن الواقع الملموس.
أخيراً، في إطار الحديث عن الفلسفة ومفاهيمها، من المفيد ان نستعرض سريعاً المباحث أو العناوين الكبرى الرئيسية التي تناولتها الفلسفة عبر عصورها المختلفة وهي كما يلي:
أ. الميتافيزيقا (ما بعد الطبيعة) : افترضت الميتافيزيقا وجود عالم يقوم فيما وراء عالمنا المحسوس وهو عصي على الإدراك الحسي.
ب. المنطق : هو علم يدرس الاستدلال من حيث الصحة والفساد، بل يعمد إلى دراسة الشروط التي إن توفرت في أي استدلال كان صحيحاً وإن انعدمت منه كان فاسداً بغض النظر عن الميادين العملية التي يستخدم فيها.
ج. نظرية المعرفة ( الابستيمولوجيا): تتناول نظرية المعرفة مسائل أساسية أربع هي :
(1)أصل المعرفة البشرية ومصدرها. (2) طبيعة المعرفة البشرية. (3) صدق المعرفة أي كيف تتميز المعرفة الصادقة عن المعرفة الكاذبة. (4) حدود المعرفة البشرية.
د‌. فلسفة الأخلاق : وهي دراسة وتحليل الألفاظ والعبارات التي نستخدمها في حياتنا الأخلاقية ، "حق"، "باطل"، "خير" ، "شر" ، "فضيلة" ، "رذيلة" (وقد سبق أن تناولناها في دراسة "الأخلاق والحزب").
هـ. فلسفة الجمال : تتناول فلسفة الجمال دراسة وتحليل العبارات التي تستخدم فيها الكلمات "جميل" ، "قبيح" .
و. فلسفة العلم : وهي دراسة وتحليل العلوم من حيث طبيعتها ومنهجها ومفاهيمها، وذلك من أجل تعميق فهمنا لها.
ز‌. فلسفة الدين: تعني فلسفة الدين بدراسة ما تنطوي عليه المعتقدات الدينية من مسائل عقلية تنشأ من تطبيق نظرية المعرفة على الدين .
وللفلسفة مباحث أخرى كفلسفة التاريخ وفلسفة القانون وفلسفة السياسة وفلسفة التربية وغيرها.
في ضوء ما تقدم ، نشير إلى أن العرب حتى اللحظة لم يحلوا إشكالية الثنائية في خطابنا المعاصر (لا زلنا أسرى للانقطاع الفكري)ـ بين التراث والتحديث، ومازال الحاضر عندنا صورة أخرى من الماضي . (سبق أن عشنا خلال العقود الثلاثة الأولى من القرن العشرين حالة من النهوض على يد الأفغاني والكواكبي ومحمد عبده وعلي عبد الرازق وطه حسين واحمد أمين وسلامة موسى وأنطوان مارون ، سرعان ما بدأت بالانحسار بفعل انتشار المد الأصولي المتزمت والأفكار الرجعية اليمينية التي توافقت مع مصالح النظام الحاكم والقوى الاستعمارية حتى قيام ثورة يوليو 1952 التي أسهمت بدور نهضوي تنويري علماني ملموس حتى عام 1970 وبداية مرحلة الانفتاح في عهد السادات حيث ترعرعت من جديد ، وبصورة أكثر انتشارا من أي مرحلة سابقة في مصر كما في بقية بلدان العالم العربي والإسلامي وفق المشهد السائد في هذه المرحلة) .
أولاً : الفلسفة القديمة وفلسفة العصور الوسطى ( الإقطاعية )
والفلسفة الإسلامية حتى القرن الرابع عشر

لا نعتقد إننا نجافي الحقائق الموضوعية في السياق التاريخي القديم اذا اكدنا منذ البدء على ان الاغريق ليسوا وحدهم من اوائل محرري الفكر والتساؤل عن طبيعة الواقع .
لأن الحضارات السابقة على الاغريق لم يكن التفكير عندها "مجرد تفكير من النوع العملي المباشر " فقط. حيث ان هذا الجانب العملي في الفلسفة الشرقية القديمة لم يكن سوى نتاجاً لأسلوب الحياة القائم على المركزية بما يتوافق مع نظام الرق أو الاسلوب الأسيوي الذي ساد في بلادنا إبان تلك المرحلة في الالفين الرابع والثالث قبل الميلاد ، فعند البابليين " كانت النجوم أصل العالم ، والقمر أبو الالهة ،والشمس تطفىء النجوم بما يحقق حركة النور والظلام "، وفي بابل كانت تعاليم حمورابي ، واختراع النظام الستيني الذي ما يزال يستعمل الى يومنا هذا ،كما وضعت في الشرق اسس الجبر والهندسة ، وحسب المؤرخ اليوناني هيرودوت فان " المصريين القدماء اول من توصل الى تحديد طول السنة ب 365 يوم " وعلوم الرياضيات التي تفوقت في حساب حجم الهرم والنظام الالهي القائم على التوحيد .
كذلك الأمر بالنسبة للفلسفة الهندية ، " ففي كتاب الفيدا، أفكار فلسفيه عن العالم و الإنسان ، والأخلاق والتي تسمى بالفلسفة البراهمانيه ( برهمان هو الله ) التي ظلت مسيطرة حتى ظهور البوذيه في القرن السادس قبل الميلاد " التي أسسها غاوماتا بوذا " أو المستنير و التي كانت وما زالت فلسفه أو ديانة قائمه علي الخضوع و الاستسلام ، إن حجر الزاوية في هذه الفلسفة ان الحياة مليئة بالشقاء ، واحتقار الحياة الدنيا و أن الخلاص من الشقاء " لا يكون إلا عبر " النرفانا " التي تعني الفناء في الاله.
ثم برزت الكونفوشيه التي أسسها كونفوشيوس - 551-479ق.م-في الصين . و إشتهرت " بتعاليمها الاخلاقيه السياسيه التي تقوم على ان السماء هي الاله الاعلى .
إن أفضليه الفلسفة الإغريقية إنها كانت الرائدة في تحرير الفكر عبر تساؤلاتها عن طبيعة الوقع وحقيقة العقل و العديد من القضايا ذات الطابع المعرفي الشمولي.
في تعرضنا للفلسفة اليونانية يبرز كل من سقراط أفلاطون و أرسطو كمحور أساسي لهذه الفلسفة سواء في تلك المرحلة أو في عصرنا الراهن.
" سقراط " رائد الفلسفة الارستقراطية النخبوية الذي وقف بعناد ضد الديمقراطية في أثينا باعتبار أنها تؤدي -كما يقول- إلى الفوضى عبر تحكيم الجماهير الدهماء في هذه العملية.
وجاء أفلاطون ( 427-347ق.م ) من بعده كتلميذ نجيب لأستاذه ليستكمل الرسالة في العداء للديمقراطية وفق أسس مغايره ، انه فيلسوف الفردية الارستقراطية.
" ان التغير عند افلاطون معناه الاضمحلال ، بينما الكمال معناه انعدام التطور " لقد اراد مجتمعاً ثابتا يتولى ادارته نخبه مختارة من الارستقراط الذين يمتلكون القدره على التفكير و التأمل للاشراف على ضبط "المجتمع الثابت ". وهذا ما نلاحظه لدى العديد من أنظمة التخلف أو أنظمة الصحراء في بلادنا (السعودية والخليج خصوصاً) التي تكرس مفهوم الثبات لمجتمعاتها حتى اللحظة عبر سياسات القهر والاستبداد بذريعة دينية أو عشائرية ... إلخ ، انهم يمثلون اليوم معادلة "الميت الذي يحكم الحي" وقد آن للحي ... لكم أيها الرفاق ان تمارسوا التمرد والثورة على هذا الواقع.
ارسطو طاليس (384-322ق.م) .
ارسطو لايختلف جوهرياً عن استاذه افلاطون ،فإذا كان افلاطون فيلسوف الفردية الارستقراطية فإن ارسطو هو الفيلسوف الرسمي لامبراطورية اوتوقراطية ، انه القائل " منذ المولد هناك اناس مُعَدُّون للعبودية واناس معدون للإماره " .
أفضل أشكال الحكم عنده النظام الأرستقراطي الذي يعتمد حكم القلة من النخبة المختارة ، يرفض الديمقراطية لأنها كما يقول تقوم على افتراض كاذب بالمساواة.
فلسفة العصر الهيلنستي ( ما بعد الاسكندر - توفى 323ق.م )
في هذا العصر الذي امتد حتى القرن الثالث الميلادي ، بدأت ملامح انحلال مجتمع الرق ، في هذا العصر عبر ثلاث تيارات رئيسية :-
1- الريبيه - مذهب الشك 2- الابيقورية 3- الرواقية .
لقد تكرست هذه الفلسفة تدريجياً مع " انتشار المراكز التجارية اليونانية في جميع انحاء آسيا الصغرى والمناطق الشرقية ، وأدت الى انفتاح الحضارتين الشرقية واليونانية وتداخلهما من جهة أخرى ، لدرجة أن " روح الشرق " تغلبت على الاسكندر.
لقد ساهمت كل هذه المقدمات -كما يقول ديورانت - الى تسرب الطقوس الدينية الشرقية الى جسم الامبراطورية وتداعت كافة السدود امام سيل هذه الطقوس ، وزاد انتشار الديانات الخرافية الغامضة التي تأصلت في نفوس الهيلينيين الأكثر فقراً.
المذهب الرواقي والابيقوري الذي كان في جوهره استسلاماً وقبولاً للهزيمة او محاولة لنيسان الهزيمة في أحضان اللذة والسعادة الابيقوريه .
* فلسفة العصور الاقطاعية:
• ظهرت هذه الفلسفة بعد استقرار وتفعيل دور الكنيسة في الغرب خلال القرنين الثاني والثالث الميلاديين.
• هيمنة الأيديولوجية الدينية على الحياة الفكرية في هذا العصر حيث تحولت الفلسفة الى خادمة للاهوت عبر طابعها الرجعي التصوفي وكان مبررها ان الحكمة والمعرفة تتم فقط عبر الوجد الصوفي ورفض التجربة او طريق العقل، وهذا ما يحاول التيار الديني الأصولي المتزمت بإعادة تطبيقه في بلادنا رغم أنه غير قابل للتحقق أو الحياة إلا في ظروف مهزومة ومتخلفة كالتي تعيشها شعوبنا العربية اليوم.
ابرز فلاسفة هذا العصر : افلوطين (205-270م) الذي قال ان التطور يبدأ بالالهي الذي لا يمكن الاحاطة به ويجب الايمان به .
اوغسطين(354-430م) الذي تأثر بالافلاطونية الجديدة ، من اقواله "الانسان يملك الحرية ولكن كل ما يفعله بارادة مسبقة من الله" الحياة الدنيوية سقوط وانفصال عن الازلي واتصال بالناقص الجزئي" " اننا نعرف الله لا بالتفكير بل بالاعراض عن التفكير" .
بعد ذلك ظهرت الفلسفة السكولائية (المدرسية scholasticism ) خلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر المتأثرة بالافلاطونية المحدثة ومثلت التيار الرئيسي في فلسفة المجتمع الاقطاعي ، كان السكولائيون أعضاء مؤثرين في الرهبنة المسيحية وكانوا اعضاء في محاكم التفتيش ، من اهم مفكري هذا التيار توما الاكويني (1225-1274م) الذي خاض صراعا حادا ضد الرشدية حينما كان أستاذا في جامعة باريس.
مجابهة السكولائية:
بدأت المجابهة عبر عدد من المفكرين كان من أبرزهم العالم الفيلسوف روجر بيكون طرح فكراً نقدياً " للمدرسية عبر إعلانه أن الوصول إلى الحقيقة يتطلب إزالة العوائق التي تعترض المعرفة " وأهم هذه العوائق عند بيكون: رواسب الجهل وقوة العادة والتبجيل المفرط لمفكري الماضي، وأن أفكارنا الصحيحة يجب أن تثبت بالتجربة " .
المقومات الفلسفية والفكرية والاجتماعية التي عرفتها أوروبا في العصر الإقطاعي:
1. انطلقت من فرضيات مذهبية جامدة لا يمكن إثباتها بالتجربة أو بالملاحظة .
2. لم تهتم بالعلوم أو الوقائع الحياتية . 3. لم تتطلع إلى البحث عن الحقيقة.
أ : المذاهب الإسلامية :
مارس المفكرون الإسلاميون نوعاً شجاعاً من الاجتهاد على نطاق واسع خلال القرون الأولى للحضارة العربية الإسلامية، وكان من نتيجة هذا الاجتهاد بروز المذاهب التي يتوزع المسلمون بينها إلى يومنا هذا.
ومن المعروف أن الاجتهاد قد توقف منذ القرن الثالث عشر الميلادي تقريباً، أو ما يمكن أن نطلق عليه حالة الانقطاع الفكري، حيث تجمد الفكر وضاق هامش التفسير الحر للشريعة، فلم يعد من الممكن الخروج عن حدود المذاهب المعترف بها.
إن " الثقافة العربية الاسلامية تنقسم إلى ثلاث مجموعات : (1) علوم البيان من فقه ونحو وبلاغة. (2) علوم العرفان من تصوف وفكر شيعي وفلسفة وطبابه وفلك وسحر وتنجيم. (3) علوم البرهان من منطق ورياضيات وميتافيزيقيا .
أن الحضارة الاسلامية هي حضارة فقه ، في مقابل الحضارة اليونانية التي كانت حضارة فلسفة ، لقد تجمدت الحضارة العربية عند الفلسفة اليونانية ، وغاب عنها العنصر المحرك : التجربة ، بعد أن غلب عليها اللاهوت أو علوم العرفان أو اللامعقول "، بالطبع نحن نحترم الثقافة العربية الإسلامية كتراث، كما نحترم وبوضوح شديد الوعي الديني العفوي في أوساط جماهيرنا، لكن في نفس الوقت نؤمن بضرورة تطبيق مبدأ فصل الدين عن الدولة، إذا اردنا ان نتقدم إلى الامام صوب المستقبل .
لقد نشأت المذاهب الفكرية الإسلامية الأولى في عصر الخلفاء الراشدين، وكانت بداية الاختلاف في عهد عثمان بن عفان.
أولاً: كانت البداية في بروز "جماعة الخوارج" التي نشأت عام 37 هجري ( 657 م. ) وعرف عنها العداء الشديد لعثمان بن عفان في أواخر سنوات حكمه؛ وقرروا أن المسلم الذي تتوفر فيه شروط الإمامة له الحق أن يتولاها بصرف النظر عن نسبه وجنسه ولونه .
أجمعوا على أن الثورة تكون واجبة على أئمة الفسق والجور إذا بلغ عدد المنكرين على أئمة الجور أربعين رجلاً فأكثر.
انقسم الخوارج إلى عدة جماعات هي : الأزارقة _ النجدات _ الصفرية _ الأباضية وهذه الأخيرة لا تزال إلى يومنا هذا في عُمان ومسقط وشرق أفريقيا وأجزاء من المغرب وتونس.
ثانياً: جماعة المرجئة: وهي من الأرجاء، بمعنى التأجيل، وهذا المصطلح قد عنى في الفكر الإسلامي، الفصل بين الإيمان باعتباره تصديقاً قلبياً ويقينياً داخلياً غير منظور؛ وبين العمل باعتباره نشاطاً وممارسة ظاهرية قد تترجم أو لا تترجم عما بالقلب من إيمان.
ولا يضر هذا الإيمان ما يعلن صاحبه حتى لو أعلن الكفر وعبد الأوثان؛ فما دام العمل لا يترجم بالضرورة عن مكنون العقيدة فلا سبيل إذاً للحكم على المعتقدات، وما علينا إلا أن نرجئ الحكم على الإيمان إلى يوم الحساب.
وفي هذا السياق نشير إلى أن الدولة الأموية ( 661 م. _ 750 م. ) أشاعت في الحياة الفكرية آنذاك عقيدتي " الجبر والأرجاء " تبرر بالأولى مظالمها وما أحدثته من تحول بالسلطة السياسية ، خاصة استبدال الخلافة الشورية بالملك الوراثي، وتحاول أن تفلت بالثانية _ الإرجاء _ من إدانة المعارضة وحكمها على إيمان هذه الدولة وعقيدة حكامها بعد أن ارتكبت تلك المظالم.
ثالثاً: المعتزلة:
لقد كانت المعتزلة من أصدق الفرق في الإسلام الذين جمعوا بين النص والممارسة في موضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. انهم فرسان العقل في الاسلام.
اختلف المعتزلة عن السنة في عرضهم للأدلة، فهي عند أهل السنة ثلاثة: الكتاب _ السنة _ الإجماع ؛ بينما هي أربعة عند المعتزلة يضيفون العقل إلى هذه الأدلة الثلاثة ويقدمونه عليها جميعاً ، بل يرون أن العقل هو الأصل فيها جميعاً.
كان العصر الذهبي للمعتزلة هو عصر المأمون من ( 813 م. _ 833 م. ) والمعتصم (833م._ 842 م. ) والواثق ( 842 م. _ 847 م. ) وبموت هذا الأخير انتهى عصر المعتزلة وحصل الانقلاب ضدهم وضد نزعتهم العقلانية على يد المتوكل ( 847 م.
وحول خلق القرآن يرى د. مروه " أن المعتزلة أكدوا أن كلام الله ليس ( بقديم ) أي ليس من الصفات المعادلة للذات وإنما هو حادث أو مخلوق ككل شيء مخلوق في الكون.
- القرامطة : مذهب قام على الايمان بضرورة تطبيق المساواة الكاملة بين المسلمين والمساواة في الثروة.
رابعاً: الشيعة: وهي تعني لغوياً الأنصار أو الأعوان ، أما في إطار الفكر الإسلامي فقد غلب هذا المصطلح " الشيعة " على الذين شايعواً وناصروا علي بن أبي طالب ( 600 م. _ 661 م.) والأئمة من بنيه.
وأهم ما يميز الشيعة ، نظرية " النص والوصية " أي النص على أن الإمام بعد الرسول هو علي بن أبي طالب، الوصية من الرسول _ بأمر الله _ لعلي بالإمامة ، وكذلك تسلسل النص والوصية بالإمامة للأئمة من بني علي ، و صاحب هذه النظرية " النص والوصية " هو هشام بن الحكم _ توفي سنة ( 805 م. )؛ والشيعة تنقسم إلى عدة تيارات .
ب : الفلسفة الإسلامية : تميزت الفلسفة الإسلامية عبر رموزها من الفلاسفة المسلمين بغض النظر عن أصولهم عرباً أو فرساً بآليات ذهنية أو عقلية مشتركة في الجوهر بالرغم من اختلافها في الاجتهاد فيما يلي:

1. التوحيد بين " الفكر " و " الدين " .
2. تفسير الظواهر كلها برَدِّها جميعاً إلى مبدأ أول أو علة أولى ، تستوي في ذلك الظواهر الاجتماعية أو الطبيعية .
3. الاعتماد على سلطة " السلف أو التراث " .
4. اليقين الذهني والحسم الفكري " القطعي " ورفض أي خلاف فكري.
- الكنـدي ( 800 م. _ 879 م. ) : ويرى أن: " هذا العالم حادث وأن الله خلقه من العدم . إلى جانب ذلك يرى الكندي أن مصادر المعرفة هي العقل والحواس والخيال.
- الفارابــي ( 870 م. _ 950 م. ): درس أرسطو ووافق على أن الله هو العلة الأولى للوجود لكنه قال بوجود العالم الخارجي بشكل مستقل عن القوى الخارقة.
- ابن سينا ( 980 م. _ 1037 م. ) : يعترف بالوجود الموضوعي للطبيعة ، ان ابن سينا رغم مثاليته إلا أن فكرته عن خلود العالم المادي تتناقض مع التصورات الدينية عند المسلمين وغيرهم عن نهاية العالم ومحدود يته
- ابن رشد ( 1126 م. _ 1198 م. ) :
الشارح الأكبر لارسطو ، كان " يرى أن العالم المادي لانهائي فى الزمان ولكنه محدود مكاني ، وهو يرفض التصورات اللاهوتية عن خلق العالم من لا شيء " لم يرفض أبداَ وجود الله ولكنه يقول بأن الله والطبيعة معاً موجودان منذ الأزل ، فلم يكن هناك زمن وجد فيه الإله قبل أن توجد الطبيعة ، ويقول أيضاً أن الله هو المصدر الازلي للواقع ، في حين تشكل المادة الأساس الوحيد للوجود والمصدر الأزلي للمكان.
إخوان الصفا : ركزوا على البعد الانساني بين جميع الاديان ، والفلسفة عندهم هي أشرف الصنائع البشرية بعد النبوة .
وها نحن اليوم – بعد اكثر من ثمانمائة عام على رحيل ابن رشد - نعيش حالة من القطيعة المعرفية والتخلف الفكري والمجتمعي، تعود إلى سبب رئيسي يكمن في استمرار حالة الانغلاق شبه الكامل داخل يقينيات القرون الوسطى التي تتخذ صفة الحقيقة الالهية المقدسة التي لا تُنَاقّش أو تخضع للعقل، ولذلك فإن المسلم العربي سجين يقينياته المطلقة وسجين التبعية والتخلف والانحطاط أو الحطام العربي في المرحلة الراهنة .
لذلك فإن انفجار الحركات الاصولية يضعنا امام حقيقة وجودية لا مفر منها قوامها خيار من اثنين : إما الحداثة والتنوير وإما لاهوت القرون الوسطى ... إما ابن رشد وروسو وفولتير وكانت وهيجل وماركس وإما ابن تيمية وابن القيم الجوزي والبنا والمودودي وقطب وابن لادن ... إلخ .
أخيراً : نحن بحاجة- كما يقول هاشم صالح3 - إلى تحرير فكري لم يسبق له مثيل في التاريخ. نحن على مفترق طرق. نحن في مهب الريح.. وربما نكون قد دخلنا في متاهة، فنهاية النفق المظلم لا تزال بعيدة والفجر ليس غدا..والعالم العربي والإسلامي ككل لن يخرج من المغطس الذي يتخبط فيه حاليا إلا بعد دفع الثمن الباهظ.
فكل الأديان وكل أنواع المقدسات استخدمت في لحظة ما من لحظات التاريخ لتبرير العنف أو لخلع المشروعية الإلهية عليه.
من هنا جرأة الجهاديين على القتل والذبح وارتكاب التفجيرات والمجازر الجماعية. فمن يعتقد بانه يمتلك الحقيقة المقدسة المطلقة المتعالية يحق له أن يقتلك بل ومن واجبه أن يقتلك لأنك تقف خارج هذه الحقيقة – كما يضيف هاشم صالح - فبمجرد انتمائك إلى دين آخر أو حتى عدم انتمائك إلى أي دين أو مذهب. انك كافر في نظره وبالتالي فحياتك كلها لا تساوي حشرة ، انظروا الى ما فعلته المسيحية عندما كانت لا تزال أصولية متعصبة أيام الحروب الصليبية أو محاكم التفتيش أو الحروب الأهلية الطائفية الكاثوليكية البروتستانتية. ولا أقول ذلك لتبرير ما يحصل حاليا وإنما من اجل المقارنة والفهم والنظر، ومن أجل –كما يقول محمد اركون- الخروج من الجدران الضيقة لتراثاتنا الخاصة التي ولدنا فيها أو تربينا عليها لكي نتعرف على تراثات أخرى ونفهم الظاهرة الدينية من أوسع أبوابها.. إنه يدعونا لتوسيع عقولنا ولو قليلا لكي نخرج من طوائفنا ومذاهبنا ونتنفس الهواء الطلق في الخارج.
المشكلة الأساسية في هذا العصر بالنسبة للعرب والمسلمين ككل- كما يرى هاشم صالح - هي العقل الديني أو كيفية التحرر من لاهوت القرون الوسطى ولا شيء آخر؟ المشكلة الأساسية هي في كيفية الانتقال من مرحلة العقل الديني إلى مرحلة العقل العلمي أو العلماني الفلسفي. فالعرب لم يتجاوزوا بعد المرحلة اللاهوتية القروسطية من مراحل التطور .
المشكلة الأساسية هي: كيف يمكن تعزيل التراث من أوله إلى آخره لكيلا يظل عالة علينا، عبئا على كاهلنا، لكيلا يعرقل إلى الأبد تقدمنا، انطلاقتنا، نهضتنا. فنحن سجناء أنفسنا شئنا أم أبينا..المشكلة الأساسية تكمن في كيفية تفكيك كل الرواسب التراثية والطائفية: أي كل اليقينيات المطلقة .
فكل مشكلة في الحاضر لها جذور في الماضي ولا يمكن حلها إلا بالنبش عن جذورها تماما .
هناك مشاكل لا تفهم إطلاقا إذا موضعناها ضمن منظور المدة القصيرة فقط . لنطرح مشكلة الطائفية أو المذهبية التي تنخر الآن في أحشاء العراق وغير العراق ، كم هو هزيل كلام معظم المثقفين العرب عن هذا الموضوع الخطير وكأنه ولد البارحة في زمن صدام حسين أو سواه، هذه نظرة سطحية جدا للأمور. ولا يمكن أن تحل مشكلة الطائفية بهذا الشكل. الطائفية أقدم من ذلك بكثير، من هنا صعوبة مواجهتها.
إنهم يموضعونها ضمن منظور المدة القصيرة للتاريخ ، أما أركون فيموضعها ضمن منظور ألف سنة أو حتى أكثر عندما يكشف عن كيفية تشكل المذهب السني لأول مرة وكيفية تشكل المذهب الشيعي في مواجهته وكذلك بقية المذاهب الإسلامية الأخرى التي تصارعت بحد السيف على مفهوم الإسلام الصحيح باعتبار أن كل مذهب يدعي احتكاره لنفسه من بين الجميع.
ثانياً : الفلسفة الأوروبية الحديثة : عصر النهضة وتطور الفلسفة الأوروبية
والتنوير حتى نهاية القرن الثامن عشر

ولادة هذا العصر لم تكن عملية سهلة في المكان أو الزمان ولم تتم أو تظهر معالمها دفعة واحدة ، أو اتخذت شكل القطع منذ اللحظة الأولى. إذ أن هذا الانقطاع لم يأخذ أبعاده في الانفصام التاريخي إلاَ بعد أربع قرون من المعاناة وتحولات ثورية في الاقتصاد والتجارة والزراعة والمدن كانت بمثابة التجسيد لفكر النهضة والإصلاح الديني والتنوير من جهة والتلاحم مع هذه المنظومة الفكرية الجديدة من جهة أخرى ، تمهيداً للثورات السياسية البرجوازية التي أنجزت كثيراً في هولندا في مطلع القرن السابع عشر ، وفي بريطانيا من 1641 _1688 ، ثم الثورة الفرنسية الكبرى 1789 _ 1815 ، والثورة الألمانية في منتصف القرن التاسع عشر .
لقد كان نجاح هذه الثورات بمثابة الإعلان الحقيقي لميلاد عصر النهضة والتنوير أو عصر الحداثة ففي هذا العصر انتقلت أوروبا الغربية من مجتمع الطبيعة المحكوم بنظرية الحق الإلهي إلى المجتمع المدني ، مجتمع الديمقراطية والثورة العلمية الكبرى التي أحدثت زلزالاً في الفكر الأوروبي.
أن الفكر الذي ساد في المرحلة السابقة ( الإقطاعية ) لم يهتم ببحث المسائل المطروحة بما يدفع نحو الانتقال من حالة الجمود أو الثبات إلى حالة النهوض والحركة الصاعدة ، ذلك أن "المفكرين" لم يتطلعوا إلى البحث عن الحقيقة بل عن وسائل البرهان على صحة العقائد الدينية خدمة لمصالح الملوك والنبلاء الإقطاعيين ورجال الدين.
كان لابد لهذه الفلسفة القائمة على مثل هذه الأسس أن تسير في درب الانحطاط في ظروف بدأ فيها يتعزز العلم مع بدايات تشكل أسلوب أو نمط الإنتاج الجديد في أحشاء المجتمع الإقطاعي ما بين القرنين الرابع والخامس عشر، وقد كانت بداية ذلك التشكل عبر إطارين : إطار التعاونيات ، وإطار المانيفاكتوره .
ففي هذه المرحلة الانتقالية ، نلاحظ تطوراً ونمواً للمدن وظهور التجار والصناعيين وأصحاب البنوك ، والاكتشافات التكنيكية المغازل الآلية – دواليب المياه – الأفران العالية والبارود والطباعة في أواسط القرن الخامس عشر .
فيما بعد تم إحراز نجاحات أخرى عززت تطور أسلوب الإنتاج الرأسمالي ضمن محورين أساسيين :
1. الكشوفات الجغرافية مع نهاية القرن الخامس عشر وبداية السادس عشر.
2. ترافق كل ذلك مع تغيرات ثقافية وفكرية رحبة كسرت الجمود الفكري اللاهوتي السائد ، وأدت إلى " تهاوي استبداد الكنيسة في عقول الناس " .
وظهور مجموعات من المثقفين البرجوازيين قطعوا كل صلة لهم بالكنيسة واللاهوت الديني المذهبي ، وارتبطوا مباشرة بالعلم والفن ، وقد سمي هؤلاء بأصحاب النزعة الإنسانية " HUMANISM ".
المراحل التاريخية لعصر النهضة:
البدايات الأولى مع ميكافيلي (1469-1527) وهو من أوائل المنظرين السياسيين البرجوازيين ، حاول في مؤلفاته البرهنة على أن البواعث المحركة لنشاط البشر هي الأنانية و المصلحة المادية، وهو صاحب مقولة: "أن الناس ينسون موت آبائهم أسرع من نسيانهم فقد ممتلكاتهم" ، إن السمة الفردية والمصلحة عنده هما أساس الطبيعة الإنسانية؛ ومن جانب آخر فقد رأى أن القوة هي أساس الحق.
نيقولا كوبرنيكس ( 1473 م. _ 1532 م. ): ساهم هذا المفكر في تحطيم الإيديولوجية اللاهوتية القائمة على القول بمركزية الأرض في الكون وذلك عبر اكتشافه لنظرية مركزية الشمس Helio Contricism التي قام على أساسها علم الفلك الحديث؛ وهذه النظرية من أهم منجزات "كوبرنيكس" على الإطلاق وهي تستند إلى مبدأين:_
أولاً: ليست الأرض ثابتة في مركز الكون بل تدور حول محورها الخاص؛ وقد استطاع من خلال ذلك تفسير تعاقب الليل والنهار. ثانياً: الأرض تدور حول الشمس مركز الكون.
- جوردانو برونو ( 1548 م. _ 1600 م. ): فيلسوفاً وعالماً فلكياُ، قام بتطوير وتصحيح نظرية كوبرنيكس، بدأ حياته راهباُ وبسبب أفكاره المادية انفصل عن الكنيسة وتفرغ لنظرياته العلمية، آمن بـ "لا نهائية" المكان أو لانهائية الطبيعة، ورفض مركزية الشمس في الكون مؤكداُ على أن لا وجود لهذا المركز إلا كمركز نسبي فقط "فشمسنا ليست النجم الوحيد الذي له أقمار تدور حوله". لقد حطم برونو التصورات القديمة عن العالم المخلوق ليجعل الكون ممتداً إلى ما لا نهاية وهو القائل بأن: "الكلمة الأخيرة في كل مجال من مجالات المعرفة تكمن في العقل وحده" ؛ ألقي القبض عليه من قبل محاكم التفتيش التي سجنته ثمانية سنوات أحرقوه بعدها على أحد أعمدة التعذيب بعدما رفض إنكار فلسفته وتوجهاته العلمية.
ليوناردو دافنشي (1452-1519)، وضع العديد من التصاميم للأجسام الطائرة .
جاليليو (1564-1642) ، صمم تلسكوب بنفسه كان لاكتشافاته في علوم الفلك دوراً كبيراً. يعتبر جاليلو من أبرز مفكري ذلك العصر الذين صاغوا النظرة الديئية (8) deism إلى الطبيعة التي إعتنقها عدد من فلاسفة ومفكري القرنين السابع عشر والثامن عشر؛ أسهمت هذه النظرة إلى جانب أصحاب النزعة الإنسانية والفلسفة البانتيئية ( وحدة الوجود ) في تعزيز وتطور الفلسفة العقلانية والمنهج المادي العلمي كمنطلقات أساسية لعصر النهضة.
ثالثاً : المرحلة التاريخية الثانية أو تطور الفلسفة الأوروبية في عصر الثورات البرجوازية أواخر القرن السادس عشر ونهاية القرن الثامن عشر
أدى تفسخ العلاقات الاجتماعية والاقتصادية في النظام الإقطاعي الأوروبي إلى تغيير كبير في الدور الذي يلعبه الدين في المجتمع.
وفي ضوء هذا التطور الذي أصاب كل مناحي الحياة في عصر النهضة، رفع فلاسفة هذا العصر رغم الاختلافات بين مذاهبهم شعار "العلم" من أجل تدعيم سيطرة الإنسان على الطبيعة ورفض شعار العلم من أجل العلم.. لقد أصبحت التجربة هي الصيغة الأساسية للاختراعات والأبحاث العلمية التطبيقية في هذا العصر وأبرزها:
• صياغة القوانين الأساسية للميكانيك الكلاسيكي بما فيها قانون الجاذبية الذي وضعه نيوتن (1643 – 1727) .
• تطوير علوم الرياضيات والهندسة والفيزياء والأحياء_ ديكارت ولايبنتز
• اكتشاف الدورة الدموية- هارفي - " تأكيد اكتشاف ابن النفيس"
• قوانين الميكانيك وتعريف مفهوم العنصر الكيميائي_ بويل.
• ميزان الحرارة الزئبقي والضغط الجوي_ تورشيللي ( أحد تلامذة جاليليو)
لم يكن سهلاً لهذه الاكتشافات العلمية وغيرها أن تكون بدون تطور الفلسفة عموماً والمذهب التجريبي على وجه الخصوص ، في سياق الحراك والتناقض والصراع الاجتماعي الدائم والمستمر بوتائر متفاوتة في تسارعها بين القديم والجديد ، إذ أنه بدون هذه الحركة والتناقض لم يكن ممكناً بروز الدعوة من أجل التغيير والتقدم التي عبر عنها فلاسفة عصر النهضة في أوروبا أمثال فرنسيس بيكون، ديكارت، هوبس، لايبنتز، سبينوزا.
- فرنسيس بيكون ( 1561 م. _ 1626 م. ) : فيلسوف انجليزي "أول من حاول إقامة منهج علمي جديد يرتكز إلى الفهم المادي للطبيعة وظواهرها"(11) ؛ وهو مؤسس المادية الجديدة والعلم التجريبي وواضع أسس الاستقراء العلمي؛ فالغرض من التعلم عنده زيادة سيطرة الإنسان على الطبيعة وهذا لا يمكن تحقيقه إلاَ عن طريق التعليم الذي يكشف العلل الخفية للأشياء.
لقد شك بيكون في كل ما كان يظن "أنه يقين حق" غير أن الشك عنده لم يكن هدفاً بذاته بل وسيلة لمعرفة الحقيقة؛ وأول خطوة على هذا الطريق تنظيف العقل من الأوهام الأربعة "أوهام بيكون"
- رينيه ديكارت ( 1596 م. _ 1650 م. ): وهو فيلسوف فرنسي وعالم رياضيات وفيزيائي وعالم فسيولوجيا، كان "ديكارت" في مبحث المعرفة مؤسس المذهب العقلاني ، هذا المذهب الذي يرتكز عنده على مبدأ الشك المنهجي أو الشك العقلي "الشك الذي يرمي إلى تحرير العقل من المسبقات وسائر السلطات المرجعية" ومن سلطة السلف ، الشك الذي يؤدي إلى الحقيقة عن طريق البداهة العقلية كالحدس_ التحليل_ التركيب.
لقد أقام "ديكارت" وفق أسس الشك المنهجي والبداهة العقلية؛ يقينه الأول من مبدأه البسيط الذي عرفناه من خلاله "أنا أفكر.. أنا موجود" ، هذا المبدأ الأول هو بداية كل فكر عقلاني وهو ما سنجده مضمراً وصريحاً في الفلسفة العقلانية من ديكارت إلى ماركس .
- توماس هوبز ( 1588 م. _ 1679 م. ): أحد فلاسفة القرن السابع عشر ، تأثرت فلسفته المادية بالثورة البرجوازية الإنجليزية ضد الأرستقراطية الإقطاعية في تلك المرحلة؛ رفض هوبز في مذهبه في القانون والدولة نظريات الأصل الإلهي للمجتمع .
- جوتفريد فيلهلم لايبنتز ( 1646م. – 1716م. ) : وصل من خلال اللاهوت " Theology " إلى مبدأ الترابط المحكم (الشامل والمطلق) بين المادة والحركة"بعكس "ديكارت" الذي يقول: بجوهرين مستقلين مادي وغير مادي؛ إلتزم بمبدأ التجريبية في المعرفة التي تعتبر الأحاسيس شيئاً لا غنى عنه للمعرفة.
في مؤلفه "العدالة الإلهية".. حاول أن يبرهن فيه على أن عالمنا الذي خلقه الله هو بالرغم مما فيه من شرور، أحسن العوالم الممكنة _عندنا في الشرق مثلاً يقال: لو اطلعتم في الغيب لاخترتم الواقع_ فما نراه من شرور هو شرط ضروري في رأيه للتناسق في العالم ككل ، في رأينا إن جوهر هذه الفلسفة هو الاستسلام للأمر الواقع ، وهو يقترب من فلسفة " ليس في الإمكان أبدع مما كان " .
- باروخ سبينوزا (1632م. – 1677م. ) : وهو يهودي هولندي.. تشكل فلسفته أحد الاتجاهات الرئيسية في مادية القرن السابع عشر؛ وقد أكد على أن الفلسفة يجب أن تعزز سيطرة الإنسان على الطبيعة.. دحض سبينوزا افتراءات رجال الدين اليهود عن "قدم التوراة" وأصلها الإلهي.. فهي ، أي "التوراة" كما يقول ليست وحياً إلهياً بل مجموعة من الكتب وضعها أناس مثلنا وهي تتلاءم مع المستوى الأخلاقي للعصر الذي وضعت فيه.. وأنها "سمة لكل الأديان" حول الحكم يعتبر "سبينوزا" أن الحكم الديمقراطي هو أرفع أشكال الحكم بشرط أن يكون تنظيم الدولة موجهاً لخدمة مصالح كل الناس.
- جون لــوك ( 1632م. – 1704م. ) : ن كبار فلاسفة المادية الإنجليزية، وقد برهن على صحة المذهب الحسي المادي الذي يرجع جميع ظروف المعرفة إلى الإدراك الحسي للعالم الخارجي.
رفض وجود أية أفكار نظرية في الذهن.. فالتجربة بالنسبة له هي المصدر الوحيد لكافة الأفكار..! وحول فلسفته يقــول ماركس :"لقد أقام لوك فلسفة العقل الإنساني السليم.. أي أنه أشار بطريقة غير مباشرة إلى أنه لا وجود لفلسفة إلاَ فلسفة البصيرة المستندة إلى الحواس السليمة".
- جون ستيوارت مل (1632-1704)، قال بأن جميع أشكال المعرفة تعود إلى الإدراك الحسي المادي للعالم الخارجي .
التنويـــر الفرنسي والفلسفة الألمانية في القرن الثامن عشر :
أولاً : التنوير الفرنسي : شهدت فرنسا قبيل الثورة البورجوازية الفرنسية (1789) بأربعة عقود حركة فكرية واسعة وقوية عرفت "بحـركة التنوير" ، وضع رجالها نصب أعينهم مهمة نقد ركائز الإيديولوجية الإقطاعية، ونقد الأوهام والمعتقدات الدينية والنضال من أجل إشاعة روح التسامح الديني وحرية الفكر والبحث العلمي والفلسفي وإعلاء شأن العقل والعلم في مواجهة الغيبية.
- شارل مونتسكيو (1689-1755) : صاحب كتاب "روح القوانين".. يرى أن الضمانة الأساسية للحرية في المؤسسات الدستورية التي تحد من العسف وتكبحه ، يرى في التفاني وإخلاص كل فرد وتضحيته من أجل المصلحة العامة ، القوة المحركة في النظام الديمقراطي وأساس ازدهاره .
ومن أهم آرائه ، رأيه في الحكم المطلق الذي يعتبره شكلاً مناقضاً للطبيعة الإنسانية ومناقضاً للحقوق الشخصية وحصانتها وأمنها.
- فرانسوا فولتير ( 1694م. – 1778م. ) : عاش كل حياته مناضلاً ضد الكنيسة والتعصب الديني وضد الأنظمة الملكية وطغيانها؛ رفض فولتير جميع تعاليم الديانات _الإيجابية_ في صفات الله لكونها تفتقر إلى البرهان.
- جان جاك روسو ( 1712 – 1778 ) : من الذين نادوا بالمصالح البرجوازية ضد الإقطاع ، فقد ناضل روسو ليس فقط ضد السلطة الإقطاعية بل كان مستوعباً لتناقضات المجتمع الفرنسي أكثر من غيره؛ فقد وقف مع وجهة نظر البرجوازية الصغيرة "الراديكالية" والفلاحين والحرفيين.. وكان موقفه أكثر ديمقراطية من معاصريه.
ففي كتابه "العقد الاجتماعي" يحاول روسو البرهنة على أن الوسيلة الوحيدة لتصحيح التفاوت الاجتماعي هي في ضمان الحرية والمساواة المطلقة أمام القانون .
- ديني ديدرو ( 1713 - 1784 ): من أبرز وجوه الماديين الفرنسيين على الإطلاق.. ينطلق في أفكاره من القول بأزلية الطبيعة وخلودها فليست الطبيعة مخلوقة لأحد ولا يوجد سواها أو خارجها شيء مطلق؛ وقف ضد التفسير المثالي اللاهوتي للتاريخ الإنساني ليؤكد مع زملائه الماديين الفرنسيين أن العقل الإنساني وتقدم العلم والثقافة هي القوة المحركة لتاريخ البشرية.
يرى أن الطريق إلى الخلاص من عيوب أشكال الحكم القائم لا يمر عبر الثورة بل من خلال إشاعة التنوير في المجتمع.
- ثانياً : الفلسفة الألمانية :
عمانويل كانت ( 1724 - 1804 ): في مؤلفاته انطلق من نظريته عن "الأشياء في ذاتها" والظواهر؛ إلى القول: أن هناك عالم مستقل عن الوعي (الحواس ، الفكر) ، وهو عالم الأشياء التي يسميها "الأشياء في ذاتها" والعالم المستقل عن الوعي هو العالم الموضوعي.
عارض مزاعم الإقطاع الألماني في "أن الشعب لم ينضج بعد للحرية؛ مبيناً أن التسليم بصحة هذا المبدأ يعني أن الحرية لن تأتي في يوم من الأيام.
إن "كانط" يفهم الحرية المدنية على أنها حق الفرد في عدم الامتثال إلاَ للقوانين التي وافق عليها مسبقاً واعترف بمساواة جميع المواطنين أمام القانون.
جورج ويلهلم فريدريك هيجل (1770 - 1831 ) : تكمن مأثرته التاريخية العظيمة في أنه كان أول من نظر إلى العالم الطبيعي والتاريخي والروحي بوصفه عملية؛ أي في حركة دائمة وفي تغير وتطور. لقد صاغت فلسفة "هيجل" بشكل منظم النظرة "الديالكيتكية" إلى العالم .
نقطة الانطلاق في فلسفة "هيجــل" : إن الوحدة الأولية التي تشكل الأساس الجوهري للعالم هي: "وحدة الوجود والفكر" ، يرى "هيجــل" أن الفكر "يغيــــر" وجوده إلى شكل مادة، طبيعة.. وهي وجود آخر لهذا الفكر القائم موضوعياً والذي يسميه هيجــل "بالفكرة المطلقة"؛ وهكذا إن العقل ليس ملكة خاصة بالإنسان بل هو الأساس الأوَّلي للعالم، ولذا فان العالم يتطور وينمو وفقاً لقوانين الفكر أو العقل.. وبهذا يكون الفكر أو العقل عند هيجــل هو الجوهر المطلق _المستقل عن الإنسان والإنسانية_ للطبيعة والإنسان والتاريخ العالمي؛ وأن هذا الفكر كماهية جوهرية موجودة لا خارج العالم بل في العالم ذاته بوصفه المستوى الداخلي لهذا العالم.
إن المساهمات الرئيسية للديالكتيك الهيغلي يمكن تلخيصها في:
1. رابط الأشياء فلا يمكن قبول أي حدث بمعزل عن الأحداث الأخرى.
2. رفض النهج الميتافيزيقي الذي ينظر إلى الأشياء بعزلها عن بعضها البعض، فعلى سبيل المثال ليس هناك شيء اسمه "الطبيعة الإنسانية" في حد ذاتها _أي موجودة في خارج الإنسان_ بل هناك طبيعة إنسانية في هذا الموقف أو ذاك.
3. يدعونا إلى النظر إلى الأشياء كافة لا كأشياء جامدة لا تتحرك ولكن أن ننظر إليها كأشياء سبق أن كانت أشياء أخرى وستكون في المستقبل شيئاً جديداً مختلفاً فليس هناك من شيء دائم؛ كل شيء في مرحلة انتقال وفي تطور دائم .. هذه هي عظمة المنهج الجدلي عند هيجل.
بعد هيجــل اختلف الكثيرون حول فلسفته وبرز تيارين رئيسيين انعكاساً لها أو دفاعاً عنها؛ تيار يميني دعي ممثلوه بالهيغليين الشيوخ الذين تمسكوا بالأيدلوجية الإقطاعية/ المسيحية ضد التيار اليساري أو الهيغليون الشباب.
حركة الهيغليين الشباب التي لعبت دوراً تقدمياً في الثلاثينات من القرن التاسع عشر وكان ماركس أحدهم .
لودفيج فيورباخ (1804 – 1872 ): كان هدف فيورباخ تحرير الإنسان من الوعي الديني؛ وفي مؤلفه "نقــد فلسفــة هيجـل" أعطى حلاً مادياً للمسألة السياسية في الفلسفة وهذا الحل يرتكز على اعتبار الطبيعة، أو الوجود، أو المادة واقعاً ينشأ عنه بالضرورة العقل المفكر. اقترب في أواخر حياته من الاشتراكية العلمية خصوصاً بعد أن قرأ رأس المال.
وفي رأيه إذا كان الدين يعد الإنسان بالنجاة بعد الموت فإن الفلسفة مدعوه لتحقق على الأرض ما يعد به الدين في عالم الغيب.. أي أن على الفلسفة أن تلغي الأوهام الدينية لتوفر وتعطي الإنسان القدرة على معرفة إمكانياته الحقيقية في بلوغ السعادة.
كارل ماركس : ( 1818 – 1883 ) :
مؤسس فلسفة المادية الجدلية والمادية التاريخية والاقتصاد السياسي ، " ولد في ترييف – بألمانيا، نال درجة الدكتوراه في الفلسفة عن رسالته بعنوان " الاختلاف بين فلسفة ديموقرطيس الطبيعية وفلسفة إبيقور " عام 1841 .
اكتشف لأول مره الدور التاريخي للبروليتاريا وتوصل إلى النتيجة القائلة بحتمية الثورة الاجتماعية وضرورة توحيد حركة الطبقة العاملة ، كما وضع نظرية فائض القيمة التي تمثل حجر الزاوية في الاقتصاد السياسي الاشتراكي وتكشف بوضوح عملية الاستغلال الرأسمالي.
إصدر في عام 1867 المجلد الأول لكتابه الرئيسي البالغ الأهمية " رأس المال " والذي تم استكماله فيما بعد على يد رفيقه " فريدريك انجلز "(3) 1885و1894 .
إن مأثرة فلسفة ماركس تكمن في كونها البرهان الفلسفي والعملي في آن واحد على حتمية التحويل الجذري للمجتمع نحو الانعتاق والتحرر والعدالة الاجتماعية بآفاقها الاشتراكية رغم كل ما يتبدى اليوم من عوامل القهر والتخلف .
المقدمات الأيديولوجية لظهور الماركسة : مصادر الفلسفة الماركسية : أولاً : الفلسفة الألمانية : هيجل : (1770 – 1831)وقوانين الديالكتيك. ثانياً : الاقتصاد السياسي الانجليزي. ثالثا : الاشتراكية الطوباوية : وأهم الرموز : سان سيمون (1760 – 1825 ) وفورييه ( 1772 – 1837 ) وروبرت اوين (1771 –1858 ).
- قوانين الديالكتيك الأساسية : (1 ) قانون الانتقال من التراكمات الكمية إلى التبدلات النوعية
(2) قانون وحدة وصراع الأضداد أو المتناقضات . (3) قانون نفي النفي .
لقد أقامت الماركسية البرهان العلمي على أن الحل المادي لكافة مشكلات الحياة الاجتماعية إنما ينبع من الحل المادي لمسألة علاقة الوجود الاجتماعي ، بالوعي الاجتماعي الذي بدوره يمارس تأثيراً عكسياً على الوجود الاجتماعي .
أما في القرن العشرين فينبغي أن نذكر "الفلسفة العمليّاته أو البراغماتية" لوليام جيمس (1842-1910). وقد صدر كتابه عام 1907 وساهم في شهرة هذه الفلسفة وانتشارها، بل وهيمنتها على العقلية الأمريكية. وملخص نظرية جيمس هو أن قيمة فكرة ما تقاس بمدى فائدتها العملية لا بمدى صحتها او عدم صحتها.
وأما الفيلسوف الكبير الثاني الذي أثر على العقلية الأمريكية فهو بالطبع جون ديوي (1859-1952). وقد عاش عمراً طويلاً يقارب القرن كما نلاحظ. ومن أهم كتبه "الطبيعة البشرية والسلوك"، الصادر عام 1922. وقد اشتهر ديوي داخل مناخ الفلسفة البراغماتية بتشكيل تيار يدعى بالفلسفة الأدواتية. وهي فلسفة تعتبر المعرفة بمثابة أداة الممارسة العملية وإلا فلا نفع لها. فالفلسفة إذا لم تساعدنا على حلّ مشاكلنا اليومية او الحياتية لا تستحق نصف ساعة عناء.
في عام 1947 يصدر كتاب مهم لمؤسّسي مدرسة فرانكفورت: هوركهايمر (1895-1973)، وتيودور أدرنو (1903-1969) بعنوان: جدلية العقل. وقد هاجما فيه العقل الغربي الذي تحول إلى أداة للهيمنة والسيطرة ليس فقط على الطبيعة وإنما على الناس أيضاً. ثم أصدر هوركهايمر كتاباً بعنوان "كسوف العقل". وقال فيه بأن تحويل العقل إلى مجرد أداة حسابية باردة هدفها الربح والهيمنة هو أساس الشر في العالم المعاصر. فالعالم البورجوازي أو الرأسمالي يستخدم العقل ليس كأداة تحرير وإنما كأداة لاستغلال الآخرين أو استعمارهم والهيمنة عليهم بأكبر فعالية ممكنة. بل إنه يستخدمه داخل المجتمعات الغربية نفسها من أجل استغلال الطبقات العمالية الكادحة وذلك لمصلحة تراكم رؤوس الأموال لدى الطبقات البورجوازية العليا.
ويعتبر نقد مدرسة فرانكفورت للحداثة الغربية من أقوى أنواع النقد وأكثرها جذرية.
ولكن لابد لنا – في هذا السياق – من أن نطرح سؤالاً حوارياً .. أليس من واجب المثقف العربي التقدمي الملتزم ، أن يعيد النظر – أقصد بالعقل الجمعي – بهدوء وعمق ، في كثير من جوانب ومعطيات الماركسية التي تلقيناها ودرسناها بشكل ميكانيكي تابع إلى حد بعيد لكل ماصدر عن المركز في موسكو ، دون أي نقاش أو تحليل نقدي ، بحيث أصبح واقعنا الاجتماعي الاقتصادي العربي في واد ، والنظرية – عبر تلك العلاقة – في واد آخر ، ودون إدراك منا لاهمية إعادة دراسة عملية التطور التاريخي لبلدان وطننا العربي ، والعالم الثالث أو بلدان الشرق عموماً ، وهو تطور يختلف جوهرياً عن تلك التشكيلات الاجتماعية في أوروبا ، وتسلسلها الذي تناولته المادية التاريخية ؟؟
من ناحية ثانية ، لماذا بقى المثقف العربي – بشكل عام – متلقياً للمعرفة ، عاجزاً عن إنتاجها ؟، لاشك أن الأسباب كثيرة ، ولكن يبدو أننا جميعاً – كما يقول المفكر العربي الراحل محمود العالم "لانملك المعرفة الحقيقية بالماركسية " وعلينا أن نعترف بأن " معرفتنا الحقيقية بالماركسية ، معرفة محدودة ، مسطحه ، واليوم ونحن نتساءل عن مصير الماركسية وأزمتها ، فإن تساؤلاتنا وإجاباتنا ستكون بالضرورة محدودة بحدود معرفتنا بالفكر الماركسي " .. لقد غلب الفكر العملي ( البرجماتي ) والفكر النظري الانتقائي والتوفيقي في ثقافتنا الراهنة ، وهذا هو بداية التناقض الرئيسي ( أو الطلاق ) مع الماركسية ، فالماركسية تقف من حيث جوهرها ضد أمرين : ضد التجريد المطلق من ناحية ، وضد التجريب البرجماتي من ناحية أخرى " ، إن " مادية ماركس ، تعني معرفة الاشياء والوقائع كما هي في تحققها الفعلي لافي تصوراتها الوهمية " ولا في جزئياتها المنعزلة عبر النقل الميكانيكي لها.
على أنه – كما يضيف مفكرنا الراحل محمود العالم بحق – " برغم ما حدث خلال السنوات الماضية ، وبرغم البلبلة الفكرية التي تغذيها ترسانة البلاد الرأسمالية ضد الفكر الاشتراكي عامة ، والماركسي خاصة ، فلم تبرز الحاجة إلى الاشتراكية وإلى الفكر الماركسي كما تبرز إليه هذه الأيام ، فالحكم على الاشتراكية لايكون بما أصاب التجربة السوفيتية من انهيار ، وإنما الحكم الصحيح على الاشتراكية والماركسية يكون بما تعانيه الرأسمالية العالمية اليوم من عجز عن تقديم حلول للمشكلات الاساسية للواقع الانساني ، بل وبشراستها العدوانية والاستغلالية ازاء شعوب العالم الثالث بوجه عام " ، وهكذا تبرز الماركسية كضرورة تتطلع إليها هذه الأوضاع التي تزداد تردياً في حياة شعوب البلدان المتخلفة والنامية عموماً وبلدان وطننا العربي على وجه الخصوص
وفي هذا الجانب من المفيد الحديث عن الاصولية الغربية المعاصرة ونقد الحداثة والعولمة كما اوردها هاشم صالح4 الذي يدعونا إلى غربلة الحداثة ونقدها لكي تصبح أكثر إنسانية وعدالة. وهذا ما يفعله في الواقع كبار مفكري الغرب من أمثال آلان تورين، أو يورغين هابرماز، وعالم الاجتماع الفرنسي الراحل بيير بورديو.. إلخ.
والسؤال المطروح هو التالي: كيف تحولت الحداثة إلى آيديولوجيا قمعية، أو حتى إلى أصولية إطلاقية تريد أن تفرض نفسها على العالم بدون أي نقاش؟ بمعنى آخر: كيف انقلب مشروع التنوير والحداثة الى ضده، ومتى؟
يكفي أن نشير إلى الخطوط العريضة :
من المعلوم أن الليبرالية المتطرفة أو الجديدة، التي تسيطر على البشرية اليوم من خلال العولمة الكاسحة، كانت قد بلغت ذروتها في عهد ريغان وتاتشر. وهي تجسّد الرأسمالية في أعلى ذراها صلفاً وغروراً واحتقاراً للعواطف الإنسانية. وعلى الرغم من مقاومة الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية لهذه الآيديولوجيا التي اكتسحت الغرب، إلا أن الجميع خضعوا لها في نهاية المطاف.
لا ريب في أن اليسار أفضل من اليمين فيما يخص هذه المسألة، لكن حصل في النهاية تقارب بين الطرفين إلى درجة أن المواطن الفرنسي لم يعد يعرف كيف يفرّق بينهما! وأصبح الناس يقولون هنا بأن التصويت لشيراك أو لجوسبان هو نفس الشيء! فما الذي حصل لكي تصبح الآيديولوجيا الليبرالية الجديدة (أو الرأسمالية الجديدة) مسيطرة على الجميع؟ لماذا استقالت الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية، أي أحزاب بلير، وشرودر، وجوسبان، وتحولت إلى نسخة منقّحة عن الرأسمالية؟
في الواقع أنه بعد سقوط الشيوعية أصبح الغرب واثقاً من نفسه وآيديولوجيته إلى درجة الغرور. واعتبر منظّروه الآيديولوجيون، من أمثال فوكوياما، بأن التاريخ قد انتهى أو وصل إلى مستقره. فالآيديولوجيا الليبرالية الديمقراطية (التي لا تقدم نفسها كآيديولوجيا) أصبحت حقيقة مطلقة، ومقدسة تقريباً.
ما هي مبادئ هذه الآيديولوجيا التي تسود مجتمعات الغرب حاليا؟ أولاً تقديس قوانين السوق وعدم المسّ بها بحجة انها علمية حتى ولو أدت إلى الغنى الفاحش والفقر المدقع في آن معا!
ثم عبادة المال والرأسمال واحتقار أي إنسان فقير لأنه لم يعرف كيف يدبّر حاله ويغتني بأي شكل..
وحتى ماكس فيبر، عالم الاجتماع الألماني الشهير، الذي اتهموه بتمجيد الرأسمالية، لم يمدح المال إطلاقاً في كتبه، ولم يمدح الجشع المصرفي أو الغنى الفاحش بأي ثمن، ناهيك من البطر وصرف الملايين بلا سبب. على العكس كان يقول بأن روح الرأسمالية تتمثل في الصرامة، والتقشف، والعمل، والجهد، وأداء الواجب! لكنه كان يتحدث عن الرأسمالية في بداياتها، أي عندما كانت لا تزال ذات معنى وقيمة.
تقول الإحصائيات الموثوقة التي قدمها «ديريك بوك» الرئيس السابق لجامعة هارفارد بأن راتب ربّ العمل أصبح في الستينات أكبر من راتب العامل بثلاثة وأربعين مرة، ثم قفز قفزة هائلة في التسعينات حتى وصل إلى مائة وثلاث وأربعين مرة! لنوضح الأمور أكثر: راتب السيد «بيير سيوار» مدير شركة فرنسية مهمة، وصل مؤخراً إلى مائة وخمسين ألف دولار في الشهر! هذا في حين أن العامل عنده لا يتقاضى أكثر من ألف دولار أو ألف وخمسمائة دولار على أكثر تقدير.. فهل هذه حضارة إنسانية؟
ويبدو أن المجتمعات الغربية كانت حتى السبعينات تشتبه في الأغنياء وتنظر إليهم نظرة سلبية عموماً، وتعتبر أن القيم الأخلاقية هي في جهة الفقير أو الإنسان العادي، لكنها في الثلاثين سنة الأخيرة شهدت انقلاباً كاملاً في القيم. فقد أصبح الغني هو رمز النجاح والتفوق والألمعيّة ويجسّد في شخصه كل القيم الإيجابية..
أما القيم الإنسانية والأخلاقية وحتى الثقافية والفكرية، فأصبحت مدعاة للاستهزاء والسخرية في مجتمعات العولمة الحضارية فهل من أجل هذه المجتمعات ناضل فلاسفة التنوير والحداثة؟ هل من أجل هذا المجتمع كتب جان جاك روسو خطابه الشهير عن أصل الظلم واللا مساواة بين البشر؟ وهل يمكن أن يتشكل نظام عالمي جديد في ظل عولمة مجرمة كهذه؟!
في ضوء ما تقدم، تكمن أهمية الفلسفة العقلانية عموماً من أجل التنوير واعمال الفكر في كل الظواهر المحيطة بنا، وهو امر هام ، لكن أهمية الفلسفة الماركسية تكمن في كونها تجمع بين إعمال الفكر والعقل من أجل التغيير والثورة على كل أشكال الاضطهاد والاستغلال والقهر خصوصاً... وهي بالتالي تجيب على كل أسئلتنا إذا ما استخدمنا منهجها المادي الجدلي وطبقناه على واقعنا الفلسطيني بصورة جدلية وواعية... وهو هدف لا بد ان يحمله ويناضل من اجله كل عضو في حزبنا/جبهتنا... إذ اننا أمام تحديات هائلة .. تحديات الصراع مع العدو الصهيوني وتحديات العولمة الإمبريالية.. وتحديات التحرر والاستقلال وحق العودة والدولة المستقلة كاملة السيادة... تحديات التبعية والتخلف الاجتماعي والاصولي .. تحديات الواقع الفلسطيني والعربي المفكك والمهزوم ... تحديات الاقتصاد والتنمية المستقلة والأمن الغذائي والمياه .. تحديات البطالة والفقر ... تحديات المستقبل الذي تسوده الحرية والعدالة الاجتماعية والاشتراكية والوحدة العربيـة .
أخيراً .. لقد استهدفنا عبر كل ما قدمناه من نصوص مكونة لهذه المحاضرة، ليس فقط للفهم والتأمل العقلاني الفلسطيني والمعرفي فحسب، بقدر ما هي أيضاً دعوة لمزيد من الحركة النضالية والمجتمعية على جميع المستويات، ومزيد من التوسع التنظيمي لحزبنا في أوساط الجماهير الشعبية التي يتوجب علينا الالتحام في صفوفها بكل ما فينا من مصداقية الثوري وتواضعه، انطلاقاً من حرصنا الشديد على استيعاب هويتنا الفكرية .. النظرية الماركسية في صيرورتها وتطورها الدائمين بعيداً عن كل أشكال ومظاهر الثبات أو الجمود أو العقائدية من ناحية، والوعي العميق بكل مكونات واقعنا الفلسطيني والعربي بما يمكننا من الإسهام بصورة واضحة في تطبيق شعاراتنا وسياساتنا على طريق النضال في اطار الحركة الماركسية العربية من أجل تغيير هذا المشهد السوداوي الذي نعيشه اليوم

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات

1.  

المرسل :  

كارم

 

بتاريخ :

21/01/2010 22:16:06

 

النص :

تحياتنا لكم ايها الرفاق في الجولان وفي موقع الجولان وفي كل بلادنا الشامية نشكركم على اهتمامكم ومتابعتكم لرفاقكم فى الجبهة الشعبية ومعا على طريق النضال القومي التحرري المشترك حتى تحقيق اهداف امتنا العربية عموما وكل كادحيها وفقراءها خصوصا في التحرر من الوجود الصهيوني الامبريالي في بلادنا وتحقيق العدالة الاجتماعية والديمقراطية بافاقها الاشتراكية
   

2.  

المرسل :  

ماجد

 

بتاريخ :

23/05/2010 17:29:13

 

النص :

بعد قراءتي لهذه المادة الدسمة اعتقد انني اقتنعت باهمية الفلسفة في حياتنا عموما والفلسفة الماركسية بالنسبة لمستقبل شعوبنا خصوصا .. حبذا لو تنشروا المزيد من كتابات د الصوراني