بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> قضايا فكرية >>
موقفا الحزبين الشيوعيين اللبناني والسوري من تقسيم فلسطين
  17/11/2009

موقفا الحزبين الشيوعيين اللبناني والسوري من تقسيم فلسطين
بقلم: عبد الله حنا


حدثان تاريخيان هامان كان لهما تأثير سلبي على صعود الحزب الشيوعي السوري في كسب أفئدة قطاعات من المجتمع كانت تسير باتجاه اليسار. فقد كان من ذيول هذين الحدثين منع الحزب الشيوعي من ممارسة نشاطه العلني, والنقمة الشعبية العارمة على الحزب الشيوعي بسبب موقفه من هذين الحدثين.
الحدث الأول: قرار هيئة الأمم تقسيم فلسطين عام 1947، وهو موضوع هذه المقالة.
والحدث الثاني: قيام الجمهورية العربية المتحدة عام 1958. وخلافاً لما أشاعته قوى مهيمنة لم يكن الحزب الشيوعي ضد الوحدة العربية, بل هو من أوائل الداعين إليها، كما هو واضح من وثائقه منذ عام 1931. وموقف التحفظ من قيام الوحدة الاندماجية بين سورية ومصر عام 1958 كان موقفاً من الحكم الشمولي ودفاعاً عن الديمقراطية المزدهرة بين عامي 1954 و1958 في سورية بعكس مصر. فالحملة الضارية على الحزب الشيوعي، في أعقاب قيام ج. ع. م، كان هدفها تصفية أحد الركائز الأساسية للمجتمع المدني المزدهر في سورية، ومن ثمّ تصفية الركائز الأخرى للمجتمع المدني، وهذا ما جرى تحقيقه بفضل همجية المباحث السلطانية، التي كان لها،بسب طغيانها، دور أساسي في تفكيك عرى الوحدة بين سورية ومصر.
***
في التاسع والعشرين من تشرين الثاني عام 1947 اتخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة قراراً حول إنهاء الانتداب الإنكليزي وتأسيس دولتين مستقلتين على أرض فلسطين: دولة عربية ودولة يهودية، وتصبح القدس منطقة إدارية تحت إشراف هيئة الأمم المتحدة، وهذا ما عُرِف بتقسيم فلسطين.
قبل صدور قرار تقسيم فلسطين في 29 تشرين الثاني من عام 1947، كانت ( صوت الشعب ) البيروتية الجريدة الناطقة باسم الحزبين الشيوعيين اللبناني والسوري من أشد الجرائد مقاومةً للتقسيم. وقد تصدرت صفحاتها المقالاتُ المنددة بالصهيونية وبسياسة الانتداب البريطاني الهادفة إلى تثبيت أقدام العصابات الصهيونية في أرض فلسطين العربية. وكان كاتب هذه الأسطر عندما قرأ في أوائل عام 1975 أعداد جريدة ( صوت الشعب ) الموجودة في أرشيف الحزب الشيوعي اللبناني مشدوهاً من موقف الجريدة ( القومي العربي )، إضافة إلى الموقفين الأممي والطبقي، في العداء للمخططات الصهيونية والعمل للحفاظ على عروبة فلسطين.
وبعد صدور قرار التقسيم وموافقة الاتحاد السوفييتي عليه جرت بلبلة في صفوف الحزب الشيوعي. وانقسم الرأي بين قلة منددة بالقرار وجمهرة معارضة للقرار، ولكنها رأت في الصمت وسيلة لتجنّب الوقوف في وجه الغضب الشعبي من جهة، وعدم الظهور بمظهر المخالف للاتحاد السوفييتي من جهة أخرى. أما الرأي الثالث المهيمن وعلى رأسه خالد بكداش فكان من رأيه السير وراء الاتحاد السوفييتي على السراء والضراء، وهو يعتقد أن ( السوفييت لا يخطئون ).
وكان موقف التأييد للاتحاد السوفييتي له مبرراته: فالاتحاد السوفييتي دولة شيوعية تدافع عن الشعوب المستعمَرة والمستضعفة، وتقاوم الاستعمار في شتى أشكاله. والاتحاد السوفييتي هو الدولة الوحيدة التي تناضل من أجل تخليص الشعوب من جشع الرأسمالية وهيمنة الإمبريالية.
***
وهنا علينا أن نشير بوضوح إلى أن الحزب الشيوعي لم يؤيد قرار التقسيم, كما كنا نسمع من الناس ونحن شباب, بل كان هدفه (الدفاع عن موقف الاتحاد السوفييتي ليس غير). وجلب بذلك على نفسه الويلات, التي امتدت سنين عديدة. ولم يتحسن الموقف إلا بعد توريد السلاح التشيكي ومن ثمّ السوفييتي إلى كل من مصر وسورية في منتصف خمسينيات القرن العشرين.
مواقف وذكريات
وسننقل فيما يلي مواقف وذكريات بعض قادة الحزب الشيوعي من قرار التقسيم:
1 - خالد قوطرش (أحد الأعضاء المثقفين البارزين في الحزب آنذاك) كتب:
(وما إن صدر قرار التقسيم حتى قامت قيامة الأقطار العربية حكومات وشعوباً ومؤسسات، رافضة التقسيم، باستثناء الأحزاب الشيوعية العربية, التي نشطت في توضيح موقفها وتبرير الموقف السوفييتي بتأييد التقسيم). وأضاف قوطرش: إن (الصهيونية رفضت التقسيم ودست عملاءها في الأقطار العربية لدفع العرب إلى رفضه. فهي طامعة في فلسطين كلها ولا تقبل بنصفها. وكان المندوب السوفييتي في الأمم المتحدة قد حثّ المندوبين العرب على إقناع حكوماتهم بقبول التقسيم، انطلاقاً من أن القبول بنصف فلسطين أفضل بكثير من خسرانها بالكامل..).
2 - الدكتور مصطفى أمين (العضو البارز في الحزب الشيوعي) يشير في ذكرياته إلى أن اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في سورية ولبنان أصدرت بياناً تؤيد فيه قرار الاتحاد السوفييتي من قرار التقسيم، مما أدى إلى تجدد المظاهرات المنددة بموقف الحزب الشيوعي, وإصدار وزارة الداخلية قراراً يقضي بحل الحزب الشيوعي وتحريم نشاطه وملاحقة أعضائه وإغلاق مقرّاته.
3 - لم يكن فرج الله الحلو القائد الشيوعي الوحيد، الذي عارض صدور بيان باسم الحزب الشيوعي يفهم منه الموافقة على قرار التقسيم انسجاماً مع الموقف السوفييت. بل إن معارضة صدور البيان تعداه إلى قادة آخرين.
4 - رشاد عيسى كان حتى صدور قرار تقسيم فلسطين مسؤول منظمة الحزب بدمشق وسكرتير الحزب الشيوعي. وقد أرسلت قيادة الحزب من بيروت (وكان خالد بكداش الأمين العام للحزب في بيروت - كاتب هذه الأسطر) مسودة البيان، ليوقعها رشاد عيسى بصفته عضو اللجنة المركزية وسكرتير الحزب. ولكن رشاد عيسى بعد قراءته للبيان رفض التوقيع عليه, وحذّر الحزب من إصداره وأنه سيسيء إلى نشاط الحزب ويعزله.
5 - أورد يوسف فيصل في مذكراته أن رشاد عيسى (وجه رسالة إلى قيادة الحزب يعلن فيها عدم موافقته على قرار التقسيم... وأعلن في الرسالة عدم قدرته على تحمل المسؤولية الحزبية نتيجة هذا الموقف). وقد استاء خالد بكداش من الرسالة. وتُقدّم ذكريات فيصل تفاصيل عن طرق معاقبة رشاد عيسى ومن ثمّ طرده في آب 1950 من الحزب الشيوعي. ويورد يوسف فيصل نقداً لموقف قيادة الحزب (قاصداً خالد بكداش) من التقسيم, ويكيل المديح لرشاد عيسى الذي عمل محامياً حتى وفاته.
6 - يوسف فيصل كتب في مذكراته ما يلي: (وعندما صدر قرار التقسيم, اتخذ الحزب الشيوعي السوري موقفاً آخر. فقد أعلن موافقته على موقف الاتحاد السوفييتي. ولم تكن هذه القضية شكلية, إذ ترتب عليها معارك طويلة خاضها الحزب الشيوعي وأدت إلى اعتقال العديد من أعضائه وسجنهم ومحاكمتهم. كما أدت إلى خلافات ومشاكل في قيادة الحزب).
7 - النقابي الشيوعي جبران حلال كتب في مذكراته حول قرار تقسيم فلسطين وذيوله الفقرة التالية:
(عندما أقرّت هيئة الأمم عام 1947تقسيم فلسطين ووافق الاتحاد السوفييتي على التقسيم، لم يوافق الحزب فوراً. ولكن بعد شهر تقريباً دُعينا إلى مكتب الحزب، الذي كان موجوداً تحت اسم جريدة (صوت الشعب) في منطقة المزرعة. وطُلب منّا توزيع بيان بالموافقة على التقسيم. وأذكر أننا بقينا أكثر من ساعة نناقش في عدم توزيعه. فأصرت قيادة الحزب على توزيعه. فما كان منّا إلا الطاعة ووزعنا البيان، الذي كان حجة للرجعية لمهاجمة المكتب. وقُتل يومئذالشهيد حسين عاقو، وضُرب الكثير من رفاقنا من قبل الناس . وقتها كنت أعمل في بناية حبّي وبعلي في الحريقة قرب سوق مدحت باشا. وعندما ذهبت إلى العمل في اليوم الثالث من الهجوم على مكتب الحزب كان هناك عمال يعملون بصب الأسمنت. ولما رأوني أدخل إلى البناء قالوا: إنه قادم.. (عليه)! (أي اهجموا عليه واضربوه أو اقتلوه). فما كان مني إلا أن أوهمتهم بأن المسدس في يدي وسأقتل كل من يقترب منيّ، وتخلصت منهم بأعجوبة).
هذه شذرات تمكّنا من جمعها حول المواقف المعارضة لإصدار بيان يبرر موقف الاتحاد السوفيتي من قرار تقسيم فلسطين... وانتصر أخيراً رأي خالد بكداش في إصدار بيان لتبرير موقف الاتحاد السوفيتي من التقسيم. وقد استغلت قوى اليمين والرجعية في سورية آنذاك هذا الموقف وشوّهت جوهر البيان الصادر عن الحزب الشيوعي، وأوهمت الناس بأن الحزب الشيوعي مؤيد للتقسيم ولذا يجب إبادته. وكان من ذيول تلك المواقف الهجوم على مكتب الحزب الشيوعي في المزرعة بدمشق، ومنع الحزب من ممارسة نشاطه العلني، وتسعير حملة ضارية ضد الشيوعية ومعتنقيها.
***
قبل شهر ونيّف من صدور قرار هيئة الأمم بتقسيم فلسطين وموافقة الاتحاد السوفييتي على القرار، نشرت جريدة (صوت الشعب) بتاريخ 19 و20 تشرين الأول 1947بياناً مشتركاً من الحزبين الشيوعيين اللبناني والسوري تحت العناوين الثلاثة التالية:
قضية فلسطين قضية جلاء واستقلال وحرية، جميع الوطنيين العرب متضامنون في رفض التقسيم رفضاً باتاً، وفي النضال من أجل إقامة دولة ديمقراطية مستقلة في فلسطين.
وهو بيان ذو أهمية تاريخية خاصة. وهو وغيره من المواقف المنشورة في جريدة الحزب الشيوعي (صوت الشعب) تقدم الدليل الواضح على مواقف الحزب الشيوعي في رفضه للتقسيم ورأيه في الحلول الواجب إتباعها لإنقاذ فلسطين من أخطبوطَيْ الصهيونية والاستعمار.
نُشر بيان الحزبين الشيوعيين اللبناني والسوري بشأن رفض قرار التقسيم في العدد 411 من جريدة (النور) (ص3) منقولاً عن عدد (صوت الشعب) رقم (1507) الصادر يومي الأحد والاثنين 19 ـ20 تشرين الأول عام 1947، وهي الجريدة التي كان يصدرها الحزب الشيوعي في سورية ولبنان وكان صاحبها ورئيس تحريرها نقولا شاوي.
عبد الله حنا
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات