بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> قضايا فكرية >>
تغير مكانة اسرائيل في نظر العالم العربي
  09/12/2009

تقدير استراتيجي لاسرائيل 2009
دراسة لـ افرايم كام - تغير مكانة اسرائيل في نظر العالم العربي
شلومو بروم وعنات كورتس - معهد بحوث الامن القومي، جامعة تل ابيب


ارادت دولة اسرائيل منذ اقامتها انشاء علاقات سلام بجاراتها العربيات وأن يقبلها العالم العربي على أنها كيان سياسي شرعي. كان فرضها ان مسيرة اندماجها في مجال الشرق الاوسط ضرورية لتطورها السياسي والاقتصادي، ولمضاءلة مشكلاتها الامنية وضمان مستقبلها. بيد ان العالم العربي رفض توقعات اسرائيل حتى السبعينيات من القرن العشرين، وهو الذي صعب عليه ان يسلم لهزيمته في حرب 1948 وأمل ان يستطيع الغاء نتائجها. بعد هزيمة العرب الشديدة في حرب الايام الستة رفض العالم العربي ايضا كل محاولة للمصالحة مع اسرائيل، وكان التعبير البارز عن ذلك اللاءات الثلاث في مؤتمر القمة العربي في الخرطوم، الذي عقد بعد تلك الحرب: لا للسلام مع اسرائيل، ولا للتفاوض معها، ولا للاعتراف بها. برغم قرارات الخرطوم، تبين ان حرب 1967 كانت الخط الفاصل في علاقة العالم العربي باسرائيل: فمنذ ذلك الحين فصاعدا اصبح هدف اكثر العالم العربي الاستراتيجي القضاء على نتائج 1967، اي اعادة المناطق التي احتلتها اسرائيل في 1967. ان هدف القضاء على نتائج 1948 الذي كان يوجه العرب للقضاء على دولة اسرائيل، اخذ يتخلص في الخطاب السياسي العربي.
ان توقيع اتفاق السلام مع مصر في اذار 1979 أحدث في اسرائيل توقعا مضاعفا هو أن يمتلىء السلام مع مصر بمضامين ايجابية تقويه وتمنحه حياة طويلة، وأن يفضي هذا الاتفاق الى اتفاقات سلام مع دول عربية اخر والى تطبيع بين اسرائيل والعالم العربي والاسلامي. تحقق هذا التوقع تحققا جزئيا فقط؛ فالسلام مع مصر مستقر حقا منذ ثلاثين سنة، ولم تمس المواجهات الشديدة بين اسرائيل والفلسطينيين وفي جنوب لبنان بأسسه. فوق ذلك بعد 15 سنة من توقيع اتفاق السلام مع مصر وقعت الاردن ايضا اتفاق سلام مع اسرائيل، واصبح عدد من الدول العربية ينشىء علاقات غير رسمية باسرائيل، ولا يقل عن ذلك أهمية ان جميع زعماء الدول العربية بلا شذوذ، يقبلون اليوم مبدأ أنه ينبغي حل النزاع العربي الاسرائيلي بالطريقة السياسية لا العسكرية، وإن يكن ذلك بحسب شروط يقبلها العرب.
بمقابلة ذلك بقي السلام مع مصر ومع الاردن، فضلا عن العلاقات بسائر الدول العربية، باردا. 5فلم يحدث في مصر جهد حقيقي لتعميق العلاقات ولتوسيع التعاون الاقتصادي والتكنولوجي، وفي الاردن خيبة أمل من مقدار التعاون الاقتصادي مع اسرائيل. وأهم من ذلك أنه لم يتم في الدولتين جهد لتربية الجمهور فيهما على معاني السلام الحقيقي وعلى مضاءلة كراهية اسرائيل وعداوتها. وفي الدولتين، كما في دول عربية أخر، ما تزال توجد دوائر واسعة، فيها جماعات كثيرة من المثقفين والاكاديميين، يظهرون عدواة لاسرائيل ويتحفظون من السلام معها، ولم يصنع النظامان كثيرا لتغيير هذا التوجه. وبرغم ان تصور التهديد الاسرائيلي قد تضاءل في نظر العرب في الجيل الاخير، فان اكثر العالم العربي ما يزال يرى اسرائيل تهديدا، وخصما بل عدوا. من هذه الجهة، لم تفعل الدول العربية الكثير لمضاءلة المعارضة العامة فيها لتطبيع العلاقات باسرائيل وبتوكيد المكاسب الكامنة فيها للعالم العربي ايضا.
التطبيع: صعاب وعقبات
بعد اقامة دولة اسرائيل بستين سنة وبعد ثلاثين سنة من توقيع اتفاق السلام مع مصر ما يزال تقديم التطبيع بين العالم العربي واسرائيل يلقى قبل كل شيء عقبة اساسية هي ان كثيرين في العالم العربي يصعب عليهم قبول اسرائيل على انها جزء أساسي شرعي من الشرق الاوسط. فهم ما زالوا يرون اسرائيل نبتة غريبة، ودولة غير مسلمة وحيدة في مجال اسلامي، وكيانا سياسيا أقامه الاستعمار الغربي مع سلب الفلسطينيين حقوقهم. يضاف الى هذه الصعوبة تصور التهديد الاسرائيلي. فاكثر العرب يرون اسرائيل تسعى الى التوسع فيما حولها قدر ما تمكنها قدرتها العسكرية، وتريد أن تؤبد تفوقها العسكري على الدول العربية، بمساعدة الولايات المتحدة ايضا، وتميل الى استعمال القوة العسكرية لتقديم امورها. وما يزالون يرون اسرائيل تريد استعمال السلام والتطبيع اداة ترمي الى اقناع العالم العربي بالتسليم بوجودها، مع احتلالها للمناطق وتفوقها العسكري والتكنولوجي.
ازدادت هذه الصعوبة شدة بعقب قوة الحركات الاسلامية المتطرفة في العالم العربي في العقدين الاخيرين. ان الجهات الاسلامية المتطرفة هي النواة الاشد لمقاومة السلام مع اسرائيل، في الدول العربية والمسلمة وعند الفلسطينيين ايضا. ان معارضتها مبدئية وهي ان اسرائيل سيطرت على اراض للامة المسلمة، وتسيطر على أماكن مقدسة للمسلمين وتضطهد ملايين المسلمين تحت سلطتها. وعلى ذلك، ولان تأييد الكفار محرم بحسب الاسلام، فيجب ان لا تكون هوادة مع حق اسرائيل في الوجود او التسليم بها. وهكذا قام النظام الاسلامي المتطرف في ايران – وهي ليست دولة عربية – على رأس الرافضين مبدئيا لوجود اسرائيل، وتغذي استمرار الكفاح المسلح لاسرائيل. في الحقيقة ان اكثر العالم العربي يتحفظ من الحركات الاسلامية المتطرفة ويراها خصما وعدوا لنظم الحكم العربية انفسها، لكن لها تأثيرا كبيرا في الشارع العربي، ولا تستطيع النظم العربية المعتدلة ان تتجاهلها وتتجاهل موقفها المعادي لاسرائيل.
ان المشكلة التي هي أشد تصعيبا لتقديم التطبيع بين اسرائيل والعالم العربي هي بقاء قضايا غير محلولة في النزاع العربي الاسرائيلي: القضية الفلسطينية والقضية السورية. ومن بين هاتين، القضية الفلسطينية هي الحاسمة بالنسبة لمستقبل العلاقات بين اسرائيل والعالم العربي. القضية السورية مهمة هي ايضا في هذه المسألة، واحراز سلام بين اسرائيل وسورية في ذاته يستطيع ان يساعد في تسخين آخر لعلاقتها بالعالم العربي. لكن المفتاح الرئيس لهذه القضية موجود في القضية الفلسطينية لان الدول العربية ترى انفسها ملتزمة قبل كل شيء المساعدة على اقامة دولة مستقلة للفلسطينيين. للقضية الفلسطينية ايضا جانب شعوري مهم جدا، ليس موجودا في القضية السورية: فمنذ الانتفاضة الاولى رأى العالم العربي مرة بعد الاخرى مشاهد معاناة الفلسطينيين في وسائل الاعلام، ولهذا اصبح عطفه عليهم أعمق. وعلى ذلك ما لم يحظ الفلسطينيون بدولة لهم، فسيعد تطبيع العلاقات باسرائيل في نظر كثيرين خيانة للقضية الفلسطينية، واعترافا باحتلال اسرائيل للمناطق الفلسطينية ومسا باحتمال ان يحرز الفلسطينيون حقوقهم بالتفاوض.
فوق ذلك في العشرين سنة الاخيرة انتقل النزاع الاسرائيلي الفلسطيني الى مستوى عال جدا من العنف والعنف المضاد، عبرت عنهما الانتفاضتان وعملية "الرصاص المصهور" في غزة. هذه التطورات تثقل على الدول المعتدلة ولا سيما مصر والاردن، لان الجمهور فيهما، بتأثير من المشاهد الصعبة في التلفاز وبتأثير جهات اسلامية، يضيق على نظامي الحكم لمساعدة الفلسطينيين وللاضرار بالعلاقات باسرائيل.
اسرائيل والعالم العربي: تغييرات ايجابية
منذ سبعينيات القرن الماضي، ولا سيما منذ بدء ثمانينياته، حدثت تغييرات مهمة في علاقات العالم العربي لاسرائيل.
اولا توصل اكثر الزعماء العرب بالتدريج الى استنتاج ان اسرائيل حقيقة قائمة ولا يمكن القضاء على وجودها، بسبب قوتها العسكرية وبسبب التزام الولايات المتحدة الدائم لوجودها وأمنها. فوق ذلك كان مضي مصر للسلام مع اسرائيل وخروجها من دائرة الحرب ومضي الاردن في اثرها بعد ذلك وغرق العراق في حرب مع ايران وفي حربي الخليج – كل ذلك منع امكان اقامة جبهة عسكرية عربية تواجه اسرائيل. كان انهيار الاتحاد السوفياتي الضربة النهائية للخيار العسكري مع اسرائيل، وهو الذي سلب سورية التأييد الاستراتيجي، وترك الولايات المتحدة – التي توجد لها علاقات خاصة باسرائيل – القوة العظمى الوحيدة. كل اولئك افضى الى ان يدرك زعماء الدول العربية انه ينبغي انهاء النزاع مع اسرائيل بالطريقة السياسية لان طريقة الحرب ليست عملية ولا تخدم مصلحتهم.
وثانيا في النصف الاول من التسعينيات نشأت لاول مرة مسيرة سياسية بين العرب واسرائيل في قناتين جديدتين: القناة الاسرائيلية السورية والقناة الفلسطينية. وبرغم ان القناة السورية لم تفض الى الان الى اتفاق سلام، وولدت القناة الفلسطينية اتفاقات محدودة فقط وكان يصحبها احداث عنف شديد بين اسرائيل والفلسطينيين، لكن مجرد العملية نفسها أعطى محادثة اسرائيل شرعية، ونشأ اهتمام عند الحكومات العربية المعتدلة بتشجيع هذه المسيرة.
وثالثا، منذ بضع سنين أصبح جزء من العالم العربي يلحظ استعدادا يزداد من قبل اسرائيل لدفع ثمن عال للتوصل الى تسوية للقضية الفلسطينية وربما للقضية السورية ايضا. وقد عبر عن هذا الاستعداد على نحو خاص تأييد أكثر حكومات اسرائيل في العقد الاخير حل دولتين للشعبين والانفصال عن قطاع غزة. اسهم هذا الادراك في الجدل الدائر في العالم العربي في شأن العلاقة باسرائيل: فثم من يزعمون أن تطبيع العلاقات باسرائيل سيكون ممكنا فقط بعد ان تنسحب اسرائيل من جميع المناطق الفلسطينية وتحل مشكلة اللاجئين، وإلا فان تغيير العلاقة باسرائيل سيضر بالفلسطينيين وبقدرتهم على المساومة؛ وثم من يزعمون ان محادثة اسرائيل قبل ان تنسحب ايضا من المناطق المحتلة ستساعد الفلسطينيين لانها ستمكن من التأثير في مواقفها وتليينها.
ورابعا، نجمت للدول العربية تهديدات واخطار اخرى تتطلب علاجا، بعضها بعيد الامد، وبعضها جديد نسبيا: التهديد الايراني، ولا سيما امكان ان تحرز ايران سلاحا ذريا؛ والازمة في العراق وتأثيراتها في جاراتها؛ وقوة المحور الشيعي الراديكالي، الممتد من ايران الى العراق الشيعي، الى سورية ثم لبنان ثم الساحة الفلسطينية؛ والحاجة الى مكافحة الارهاب الاسلامي المتطرف، وفي ضمنه التهديد النابع من منظمة "القاعدة" وشعبها؛ ومشكلات اقتصادية – اجتماعية ازدادت شدة في 2008 في اثر الازمة الاقتصادية العالمية. ان الحاجة الى مواجهة هذه التهديدات زادت من اهتمام العرب بعلاج النزاع الاسرائيلي – الفلسطيني، مفترضين ان انهاءه سيسهل علاج بعض المشكلات الاخرى.
من هنا تقلق قوة حزب الله في لبنان وتولي حماس السلطة في قطاع غزة الحكومات العربية المعتدلة ايضا. فالعالم العربي يرى التطورين متصلين بجهود ايران لتوسيع تأثيرها في العالم العربي ولتقيم فيه مواقع لها على شواطىء البحر المتوسط. ان المواجهات بين حزب الله وحماس واسرائيل أقلقت الحكومات المعتدلة لانها اسهمت في تثوير الشارع العربي وتعزيز الاتجاهات المتطرفة فيه. وعلى ذلك برغم ان اسرائيل حظيت بتنديدات واسعة من قبل الحكومات العربية، في حرب لبنان الثانية وفي العملية العسكرية في غزة، أملت الحكومات المعتدلة – من غير ان تعترف بذلك علنا – ان توجه اسرائيل ضربة عسكرية للمنظمتين وتضعفهما.
مبادرة السلام السعودية – العربية
على هذه الخلفية ينبغي ان نرى مبادرة السلام السعودية – العربية في سنة 2002. نشرت المبادرة السعودية في شباط 2002، عندما اقتبست اقوال ولي العهد (الذي اصبح الملك بعد ذلك) عبدالله في مقابلة صحفية. وكان يمكن ان يفهم منها ان الدول العربية ستوافق عوض انسحاب اسرائيل الى خطوط حزيران 1967 على انشاء سلام تام معها ومنحها ضمانات أمنية. أصبحت مبادرة السعودية هي المبادرة العربية بعد أن تم تبنيها مع توسيعات وتغييرات في مؤتمر القمة العربي الذي انعقد في بيروت في آذار 2002. اقترح في المبادرة صفقة عامة بين العالم العربي واسرائيل: ان تنسحب اسرائيل انسحابا تاما من المناطق العربية التي احتلتها في 1967 وفيها هضبة الجولان ومناطق لبنانية ظلت محتلة، وان تعود الى خطوط حزيران 1967؛ وان توافق على اقامة دولة مستقلة للفلسطينيين عاصمتها شرقي القدس في المناطق التي احتلت في حزيران 1967؛ وان تتوصل الى حل متفق عليه عادل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين بحسب قرار مجلس الأمن 194 في سنة 1949. عوض ذلك تعلن الدول العربية ان النزاع العربي الاسرائيلي انتهى، وتوقع اتفاقات سلام مع اسرائيل، وتنشىء علاقات طبيعية بها وتمنحها ضمانات أمنية.
تعبر المبادرة العربية عن تغيير حقيقي لتوجه العالم العربي نحو اسرائيل ونحو النزاع العربي – الاسرائيلي. فهي لا تجعل في مركز النزاع مسألة حق اسرائيل في الوجود واعتراف العرب بها كما تفعل قرارات مؤتمر القمة في الخرطوم في 1967 – بل مسألة احتلال المناطق العربية في 1967. وعلى ذلك عندما ينتهي الاحتلال وتحل مشكلة اللاجئين ينتهي النزاع ايضا. فضلا عن ذلك تقترح المبادرة العربية على اسرائيل عوضا يتجاوز ما تستطيع الاطراف العربية – الفلسطينيون او سورية – منحها اياه: السلام والتطبيع مع الدول العربية قاطبة.
بالرغم من التغيير المهم الذي اشتملت عليه المبادرة العربية، فانها لم تقدم الى الان المسيرة السلمية العربية – الاسرائيلية. لم يكن توقيت نشرها – ذروة انتفاضة الاقصى، عندما لم تكن اسرائيل والفلسطينيون فارغين لمبادرات سلمية – لم يكن ناجحا. تبنى مؤتمر القمة في بيروت عددا من القرارات بدت مناقضة للمبادرة على نحو جزئي على الاقل. واثيرت في اسرائيل تحفظات على صيغة المبادرة وعلى جزء من المطالب التي تشتمل عليها؛ ورفضت حكومة اسرائيل برئاسة اريئيل شارون المبادرة لانها بدت مثل رزمة واحدة غير مفتوحة للتفاوض ولا تقبل اسرائيل اجزاء منها. اثير من جملة ما اثير زعم ان حل مشكلة اللاجئين بحسب قرار مجلس الامن 194 يعني طلب الاعتراف بحق اللاجئين في العودة، ولهذا فان هدف المبادرة هو المس بطابع اسرائيل اليهودي باعادة اللاجئين اليها. ان التعويضات التي اقترحت فيها على اسرائيل بدت عامة وغامضة، وكان من زعموا انها ليست سوى حيلة سعودية في العلاقات العامة لتحسين صورة السعودية بعد هجمات الارهاب في التاسع من ايلول 2001. عبر الجانب الفلسطيني ايضا عن خيبة أمل من المبادرة لانها لم تذكر بصراحة حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة، ولم يكن للفلسطينيين اصلا قوة كافية للتأثير فيها.
برغم ان المبادرة العربية لم تحرك المسيرة السلمية من جديد، سجل اهتمام مجدد بها منذ 2007، وتم تصديقها ايضا من جديد في مؤتمر القمة الذي عقد في الرياض في آذار 2007. تحاول الجهات العربية المعتدلة ان تبيعها الجمهور الاسرائيلي: فالاردن اذاع صيغة المبادرة العربية بين اعضاء الكنيست في 2007. ونشرت منظمة التحرير الفلسطينية الصيغة كاعلان بالعبرية في الصحف الاسرائيلية في تشرين الثاني 2008. وجددت جهات دولية اهتمامها بالمبادرة، وأهم من ذلك أن الموضوع اصبح يثار في محادثات بين جهات حكومية اسرائيلية وعربية، وامتدح رئيس اسرائيل شمعون بيرس المبادرة في تشرين الثاني 2008 بالرغم من انها غير كاملة بالنسبة لاسرائيل، وعبر عن اهتمام بالفحص عن امكانها، وان يفحص في اطار ذلك عن امكان اجراء محادثات في شأنها مع فريق من الجامعة العربية. يحل لنا ان نفترض ان سبب نشوء الاهتمام المجدد بها مزدوج: الخوف المطرد في المعسكر السني المعتدل من قوة المحور الشيعي المتطرف، وزيادة ايقاع الاتصالات باسرائيل من قبل السلطة الفلسطينية وفي القناة السورية ايضا. ووجدت ايضا نواة احتمال: ففي تشرين الثاني 2007 عقد مؤتمر أنابوليس، الذي كان يرمي الى ان يحرك من جديد المسيرة السلمية نحو اتفاق دائم بين اسرائيل والفلسطينيين وأن ينشىء جهازا لتحريك الاتصالات بين الجانبين، بيد ان حماس سيطرت آنذاك على قطاع غزة وألقت على المسيرة ظلا ثقيلا، ولم يمكن ضعف القيادتين الفلسطينية والاسرائيلية، الداخلي لم يمكنهما من احداث مسيرة حقيقية سوى مجرد الاتصالات بينهما.
من الجهة الاخرى أضرت عملية الجيش الاسرائيلي في غزة في كانون الثاني 2009 بالقدرة على تحريك المسيرة السلمية على اساس المبادرة العربية، مؤقتا على الاقل. دعت القمة الطارئة العربية، التي انعقدت في الدوحة ردا على العملية، الى الغاء المبادرة، وقال رئيس سورية بشار الاسد ان المبادرة ماتت. مع ذلك، لما كان مؤتمر القمة هذا لا يعد مؤتمرا عاديا، لان اكثر من ثلث الدول العربية – وفيها دول رئيسة مثل مصر والسعودية والاردن والسلطة الفلسطينية – لم تشارك فيها، فلا ينبغي ان نرى هذا القول الغاء رسميا للمبادرة.
مكانة اسرائيل في نظر العالم العربي
ان التغييرات التي طرأت على علاقة العالم العربي باسرائيل في العصر الاخير، ومبادرة السلام العربية على التحديد، تثير أمام اسرائيل عددا من الاسئلة تتصل بنظرتها الى تقديم المسيرة السلمية: ماذا يستطيع العالم العربي أن يسهم في المسيرة السلمية سوى دور الاطراف العربية المتصلة مباشرة بالمسيرة اي الفلسطينيين وسورية؟ وماذا يجب ان تكون توقعات اسرائيل في هذا الشأن؟ وهل يستطيع العالم العربي ان يساعد في المسيرة قبل أن تمهد طريق فيها ولا سيما والفلسطينيون واسرائيل ما زالا غير ناضجين للتوصل الى تسوية شاملة؟ وهل يمكن استغلال المصالح الاقليمية المشتركة بين اسرائيل والدول العربية المعتدلة في تعاون عملي وما يتصل بالمسيرة السلمية في ضمن ذلك؟
يجب ان نصدر عن افتراض ان المبادرة العربية تعبر عن اهتمام حقيقي عند العرب بالاسهام في احراز تسوية سياسية للنزاع العربي الاسرائيلي. ان الزعم الذي اثير لحينه ان المبادرة هي حيلة في العلاقات العامة لتسحين صورة السعودية ليس مقنعا. فقد اصبحت المبادرة منذ بدايتها مبادرة عربية لا سعودية فقط، وهكذا تعرض. يوجد للسعودية تاريخ في كل ما يتصل باقتراح مبادرات سلمية – خطة فهد في 1981 لتسوية سياسية بين اسرائيل والفلسطينيين. واهم من ذلك حقا، ان المبادرة العربية تعبر عن استعداد زعماء الدول العربية كافة لانهاء النزاع العربي الاسرائيلي ولا سيما نواته الفلسطينية، بالطريقة السياسية، بحسب الشروط التي يقبلها العرب، والمساعدة في احراز تسوية شاملة للنزاع، مع الاستعانة بجهات دولية على رأسها الولايات المتحدة.
لم يفصل صاغة المبادرة العربية ما الذي تنوي الحكومات العربية وما الذي تستطيع الاسهام به في المسيرة السلمية، سوى تحديد عام لشروط التسوية، لكن يمكن ان نذكر عددا من الاسهامات الممكنة:
1. اصبح العالم العربي يقترح على اسرائيل عوضا لا يستطيع الطرفان المباشران للتسوية – الفلسطينيون وسورية – اقتراحه في تسوية سلام متبادل معهما: اتفاقات سلام وتطبيع مع الدول العربية كلها، وربما ايضا نظم تعاون اقليمي في مجالات مختلفة. هذا التوسيع للتسويات السلمية وادماج الدول العربية كلها فيها سيمنحها بعدا آخر من الاستقرار والقدرة على البقاء.
2. تستطيع الدول العربية ان تمنح اسرائيل عوضا قبل ان تحرز اتفاقات سلام بينها وبين سورية والفلسطينيين، لمساعدة اسرائيل على اتخاذ قرارات صعبة. وقد فعل عدد من الدول العربية ذلك وأنشأت علاقات غير رسمية باسرائيل.
3. يستطيع العالم العربي ان يؤيد الفلسطينيين عندما يحتاجون الى اتخاذ قرارات صعبة في مفاوضتهم اسرائيل. هذا التأييد يستطيع ان يعزز القيادة الفلسطينية، ولا سيما تجاه المقاومة التي تنتظرها داخل الجمهور الفلسطيني.
4. يستطيع العالم العربي ان يضغط على الفلسطينيين وربما على السوريين ايضا، ليزدادوا مرونة في نقاط حاسمة في مفاوضة مع اسرائيل في المستقبل للتوصل الى اتفاق. لم يحدث ذلك الى الان، وربما كانت في الماضي حالات ضغطت فيها مصر على القيادة الفلسطينية لتزيد موقفها مرونة.
5. من الممكن ان تكون الدول العربية مستعدة للانضمام الى تسويات سلمية – مثل قوات حفظ السلام او ترتيبات أمنية. والمثال على ذلك استعداد مصر الحالي، الذي ما زال يحتاج الى برهان، للمساعدة في منع التهريب الى قطاع غزة في اثر عملية "الرصاص المصهور".
6. يمكن ان يضعف تأييد العالم العربي وان يردع جهات متطرفة ستحاول أن تمنع احراز التسويات وتقويضها. وهكذا يمكن ان تسهم التسوية مع الفلسطينيين، ولا سيما اتفاق سلام مع سوريا، اذا افضى الى دق اسفين بين ايران وسورية والى اضعاف حماس وحزب الله في مضاءلة التهديد الايراني وان لم ينجح في تغييبه.
بيد انه ليس عرضا ان المبادرة العربية لم تحرك مسيرة سياسية منذ نشرت. فإلى جانب اسهام مهم ممكن لتسويات في المستقبل بين اسرائيل والعرب يلقى تحقيق المبادرة صعابا كبيرة، سوى تحفظ اسرائيل وجهات فلسطينية وعربية منها او من اجزاء منها. تكمن المشكلة الرئيسة في ان المبادرة العربية لا تستطيع التقدم من تلقاء ذاتها، فتقدمها متعلق بتقدم التفاوض بين اسرائيل والفلسطينيين او سورية. وما لم تتقدم قنوات التفاوض هذه من تلقاء ذاتها، فلن تستطيع المبادرة العربية أن تساعدها وأن تتمها. وفي هذه الاثناء يوجد اتفاق شبه عام على أن التفاوض في تسوية شاملة بين اسرائيل والفلسطينيين لا يواجه شق طريق قريبا، لان الفلسطينيين غير ناضجين نضج كافيا لانشاء سلطة قوية تستطيع اقامة تسوية مستقرة مع اسرائيل، لان سلطة حماس في قطاع غزة ما ظلت باقية، تقيم حاجزا حقيقيا أمام تسوية اسرائيلية – فلسطينية شاملة، ولان اسرائيل ايضا تسهم اسهامها في نشوء حلقة مفرغة توجد المسيرة السلمية فيها. ستكون تسوية اسرائيلية – سورية ايضا برغم ان صياغتها تبدو أسهل من تسوية اسرائيلية – فلسطينية، متعلقة قبل كل شيء بقرارات الطرفين على الموافقة على التنازلات المطلوبة منها وهما لم تبلغا هذه المرحلة بعد.
فوق ذلك، قد يؤيد العالم العربي الفلسطينيين في اتخاذ قرارات صعبة، بل قد يضغط عليهم للتوصل الى تسوية مع اسرائيل، لكن يصعب ان نفترض ان تكون مواقف العالم العربي اشد مرونة من مواقف الفلسطينيين او السوريين. واذا وجدت فروق بين مواقف السوريين والفلسطينيين ومواقف سائر الدول العربية فستكون هامشية لا اساسية. فضلا عن ذلك سيكون من الصعب اجراء تفاوض مع الدول العربية كلها او مع ممثليها – مثل الجامعة العربية – لانها سيصعب عليها التوصل الى اتفاق بينها، والقاسم المشترك الذي ستصوغه قد يتأثر بمواقف اشد تطرفا. ولهذا السبب فضلت اسرائيل سنين طويلة اجراء تفاوض مع قيادات عربية مفردة، لا مع مجموع عربي.
لوجهة النظر الاسرائيلية جانبان آخران. فمن جهة ليس واضحا لاسرائيل هل المبادرة العربية سبيكة واحدة غير مفتوحة للتفاوض في عناصرها او انها اطار عام يمكن من المحادثة في مضمونها، ومن جهة اخرى بعد خيبات الامل للنتائج الضئيلة للمسيرة السلمية مع الفلسطينيين وسلوكهم سنين طويلة، ليس واضحا مبلغ العوض الذي تقترحه المبادرة في مجال التطبيع، وجوهر مضامينها جذاب في نظر اسرائيل بقدر كاف.
يوجد لمسألة مكانة العالم العربي في استراتيجية اسرائيل جانب أوسع. فللمعسكر العربي المعتدل ولاسرائيل اليوم مصالح اقليمية مشتركة: صد التهديد الايراني، واضعاف المحور الشيعي المتطرف ومواجهة الارهاب الاسلامي. يمكن ان نزيد على ذلك ايضا مصالح اقتصادية مشتركة. برغم ذلك يصعب ان نتوقع تعاونا حقيقيا بين هذا المعسكر واسرائيل، لان الدول العربية ستصد عن تعاون مع اسرائيل على قضايا عربية عامة حساسة وتخاف رد الجهات المتطرفة، ولانها لن ترى مكانا للمبالغة في خطواتها نحو اسرائيل قبل ان تحل المشكلة الفلسطينية.
الخلاصة هي انه يوجد عند العالم العربي استعداد للاسهام في تقديم حل سياسي شامل للنزاع العربي الاسرائيلي ولا سيما عنصره الفلسطيني. يوجد ايضا احتمال لتعاون مع المعسكر العربي المعتدل لصد التهديد المتطرف، لكن يبدو انه لن تتخذ خطوات كهذه في المستقبل القريب. يمكن ان يتحقق انضمام العالم العربي للمسيرة السلمية بعد ان تحرز الاطراف المباشرة للتفاوض – اسرائيل والفلسطينيون وسورية – تقدما حقيقيا من تلقاء ذاتها، بحيث يستطيع العالم العربي ان يكمل ذلك باسهامه. ان التعاون الاقليمي على التهديد المتطرف، اذا وجد، يمكن ان يتحقق فقط بعد ان تلوح تسوية شاملة للقضايا غير المحلولة للنزاع العربي الاسرائيلي.

شلومو بروم وعنات كورتس - معهد بحوث الامن القومي، جامعة تل ابيب
مركز المعطيات و الدراسات الاستراتيجية


 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات