بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> قضايا فكرية >>
إلى متى نزعة التهافت في الوعي القومي العربي؟
  02/01/2010

إلى متى نزعة التهافت في الوعي القومي العربي؟ هوشنك اوسي


بذور الوعي القومي العربي المعاصر، بدأت تتبلور، كردّة فعل على القمع والاضطهاد وحملات التتريك التي كان يمارســها الأتراك، في خواتم أيّام «الرجل المريض»، إبّان حكم جماعة الاتحاد والترقّي. وهذا لا يعـني أن العرب كانوا يعيشون بحبوحة العــيش الرغيد، فكراً وثقافةً وتنميةً، على عهد «السلف الصالح» من السلاطين العثمانيين، الذين خطفوا الخلافة من العرب، ونقلوا عاصمتها من الحجاز إلى اسطنبول. ولا يمكن بأيّ حال من الأحوال، إلقاء اللائمة على اقطاب جماعة «الاتحاد والترقّي» الطورانيّة، المتصهينة وحسب، بل ربما القمع والظلم اللاحق بالعرب وقتئذ، وصل لأوجه، في حقبة حكم أولئك الطغاة الدمويين.
وغنيٌّ عن البيان، أن سقف مطالب الجمعيّات والأحزاب العربيّة من الباب العالي، في مطالع القرن الفائت، لم يكن الانفصال، ولا تتعدّى الحكم اللامركزي، وتحويل السلطنة إلى فيدراليّات. ولو أنصت الأتراك آنئذ لمطالب العرب المشروعة والمعقولة والمحقّة، لما اضطرّ العرب إلى الاستعانة بالانكليز «الكفّار»، كي ينقذوهم من بطش أخوانهم الأتراك «المسلمين»!. ولما حدث ما حدث!. والسؤال الآخر الذي يطرح نفسه هنا: لو «بلع العرب الموسى على الحدّين» حسب المثل الشامي الدراج، وخنعوا، وارتضوا بالذلّ والهوان العثماني ـ الطوراني آنئذ، ولم يستنجدوا بالانكليز، وبقوا رازحين تحت نير ذلك البؤس، ماذا كان حال العرب الآن؟! ولأن افتراض المحال ليس من المحال، لنتصوّر حال العرب، تحت حكم جماعة الاتحاد والترقّي حتّى أيّامنا هذه!؟. لَعمري، إنْ لم يكن العرب، في عداد الشعوب المنقرضة، لكانوا الآن على مشارف الانقراض، لو بقي طغاة «الاتحاد والترقّي» قادةً للمنطقة.
ولننظر إلى العرب، الذين انصهروا في المجتمع التركي الآن، إذ يتذكّرون انَّهم كانوا عرباً، لربما كان حال العرب في البلدان العربيّة، كحال العرب المنصهرين في تركيا، إنْ قبلوا الخنوع لإرادة «الاتحاد والترقّي». والجدير بالذكر هنا، أن الظلم والقمع التركي للعرب، آنئذ، غذى فيهم الشعور بالخصوصيّة والاستقلال، والتأسيس لوعي قومي عربي، عبر الارتداد للذات، لصون الهويّة القوميّة والثقافيّة واللغويّة، وحتّى الدينيّة، المستهدفة من قبل الأتراك. وخاصّة، بعد تقديم العرب كواكب الشهداء على أعواد مشانق جمال بشا السفّاح. هذه المجازر بحقّ النخب العربيّة، لم يعتذر عنها الأتراك حتّى الآن. ولا العرب يطالبونهم بالاعتذار!. ونتيجة استعانة العرب بالانكليز ضدّ السلطنة، تشكّلت عبارات ومقولات تركيّة، تحوّلت إلى حِكم متداولة حتّى الآن في الموروث الشعبي التركي.
وبعد تشكلّ الوعي القومي العربي، في مطالع العشرينيات، بدأت نزعة التهافت تطغى على مسلكه، لجهة استلهام التجارب الغربيّة، اليساريّة منها واليمينيّة. فانجرف قسم نحو الكتلة الشرقيّة، والاتحاد السوفياتي السابق، والتغنّي بمحاسن ومفاتن التجربة الاشتراكيّة، لدرجة الدوغما العمياء. ووصل الأمر في فترة الستينيات والسبعينيات لدرجة، إذا كانت تمطر في موسكو، كان شيوعيو دمشق وبيروت وبغداد والقاهرة...، يحملون المظلاّت «الشماسي»!. والمفارقة الكبرى تكمن في ان الشيوعيين والماركسيين الأوروبيين بدأوا محاولة مراجعة الذات ونقدها، ونقد الستالينيّة منذ منتصف الثلاثينيات وحتّى منتصف الخمسينيات، إلاّ أن اليساريين والشيوعيين العرب، كانوا منبهرين ومفتونين بالستالينيّة والتجريّة السوفياتيّة حدّ العبادة. وكأنّهم ـ أيّ اليساريين العرب ـ تخلّوا عن الإسلام والمسيحيّة، واعتنقوا الماركسيّة ديناً!.
كما انجرف قسم آخر من المثقفين العرب الى العمل على بلورة ايديولوجيّة قوميّة عربيّة، تعاطت مع قــضيّة الأقليّات في العـالم العربي، بممارسات تتماهى في تطبيقاتها العمليّة مع ما كانت تفعله جماعة «الاتحاد والترقّي» بحقّ العرب والشعوب الاخرى من رعايا السلطنة العثمانيّة. فتشكّل نوع من الشذوذ القومي، العصبوي، الذي لا يمتّ بأيّة آصرة، بجوهر القيم والاخلاق العــربيّة، ومكنونها الحضاري، ومخزونها التاريخي الأصيل. وعليه، لم تُعلِ التيارات القوميّة العربيّة، بنسختيها البعثيّة والناصريّة، من شأن الأمّة العربيّة، بل لوثَّتها وقوَّضتها، وسارعت من انزلاقها نحو الحضيض والغيبوبة الحضاريّة، أو ما يمكن تسميته بالقطيعة مع العصر، استكمالاً لما بدأه العثمانيون، وواصله الاستعمار الفرنسي والبريطاني بحقّ الشعوب العربيّة!.
وبانهيار المشروع العلماني العربي، بنسختيه القوميّة واليساريّة، بدأ التهافت على الغرب مجدداً، من جهة، والتهافت على التيارات الإسلاميّة الراديكاليّة من جهة أخرى، كملاذ، ربما ينتشل الواقع العربي مما فيه. وفشلت تجارب الإسلام السياسي، في صيغها العنفيَّة والسلميّة في الوصول للسلطة، لأسباب، لسنا بصددها في هذا المقال. لكن، نزعة التهافت، بقيت محافظة على جذوتها. فتارةً، تنجرف نحو التهليل والتطبيل للمشروع الخميني، وما يسمّى بـ«الثورة الإسلاميّة»، وبل تعاضد إيران في مسعاها لامتلاك سلاح نووي، وتعتبره سلاحاً لها، ولن يُستخدَم ضدّها. وتارة تتهافت على اللبيراليّة الغربيّة وقيمها!. والآن، تشهد الساحة السياسيّة والفكريّة والإعلاميّة حالة من التهافت المريع على التجربة التركيّة، حدّ الافتتان والاندهاش والانجذاب والغرام والعشق والهيام والغيبوبة. إذ لا يكاد يمرّ يوم، إلاّ وترى تقارير تلفزيونيّة عديدة على قنوات التلفزة العربيّة، دأبها الترويج والتسويق للأنموذج التركيّ، إلى جانب العديد من المقالات اليوميّة في الصحافة العربيّة التي تمجّد أردوغان وحزبه. كل ذلك، في مسعى «نمذجة تركيا» في العالم العربي والإسلامي، على حدّ تعبير الكاتب والباحث الكردي، الدكتور آزاد علي. وإلى ذلك، ما كتبه فهمي هويدي، تحت عنوان «الصعود التركي ليس معجزة»، ونُشر هذا المقال في صحيفتي «السفير» اللبنانيّة و«الخليج» الإماراتيّة في آن، يوم 15/12/2009. والحقّ أن هويدي، يسوّق للأنموذج التركي، في شخص أردوغان وحزبه.
لفت انتباهي، أن مقالات الكتّاب العرب عن الشأن التركي، مع استثناءات قليلة جدّاً، تبدوا وكأنّها تنتمي لأدب الرحلات. حيث يكثرون في هذه المقالات من انطباعات السائح، غير الغائصة في العمق. وكأنَّ مقالاتهم هي تحقيقات صحافيّة، وليست مقالات رأي! وعليه، شدّة الافتتان بتركيا، وحزب العدالة والتنمية، تنسي الكاتب العربي عيوب ومثالب وأخطاء وأطماع هذا الحزب وزعيمه.
«إن ما تحقق في الداخل من نجاحات كان الأسس الذي انطلقت عنه واتكأت عليه الإنجازات المتلاحقة التي تحققت في الخارج». بهذه العبارة، يخلّص هويدي تفسيره للتجربة التركيّة، في مقاله السالف. وللتأكيد على فكرته، استجمع هويدي الكثير من الإحصائيّات والأرقام، حول أداء حكومة حزب العدالة والتنميّة والبلديّات التي يسيطر عليها، وبذل مجهوداً كبيراً في هذا السياق. ولكن، لو كشف عن أرقام أخرى، لدلّت على أنّ عدد العاطلين عن العمل تجاوز 2 مليون شخص. وإنّ هنالك محاولة إخفاء تبعات الأزمة الاقتصاديّة العالميّة على والضع الاقتصادي التركي ويا حبذا لو عرّج هويدي على منظّمات حقوق الانسان التركيّة، ليرى أرقام الذين تعرّضوا للتعذيب في السجون والمعتقلات، وعدد المدنيين والنساء والأطفال الأكراد الذين قتلوا على أيدي الجيش وقوى الامن التركي، خلال فترة حزب العدالة والتنمية، وزعيم الحزب يتباكى على اطفال غزّة، وأطفال الأكراد يقتلون امام عينيه. وحسب آخر تقرير لمنظمة حقوق الإنسان التركيّة، إن عدد الاطفال الذين تمّت محاكمتهم وسجنهم بتهم سياسية منذ مجيء أردوغان للسلطة، تجاوز 3 آلاف فتى كردي. ومن شهر آذار الماضي، تمّ اعتقال اكثر من 800 من قيادات وكوادر حزب المجتمع الديموقراطي الكردي المنحلّ. ومنذ شهر آذار قُتِلَ أكثر من 80 من مقاتلي حزب العمال الكردستاني، والكثير من الجنود الأتراك. وتمّ حظر حزب المجتمع الديموقراطي الكردي بقرار من المحكمة الدستوريّة التركيّة يوم 11/12/2009، ولن ينخدع الرأي العام الكرديّ بتصريحات أردوغان «المنددة» بقرار الحظر.
لا يكفي النظر من بعيد الى تركيا. المرور بها، مرور السائح، لا يكفي لإعطاء تقييم حقيقي موضوعي وعلمي لواقع الحال الداخليّة في تركيا. ينبغي الغوص عميقاً في تفاصيل المشهد الداخلي، في مسعى فهم حيثياته وتفاعلاته ومكابداته.
الكاتب العزيز فهــمي هويــدي، وفي مســعى إحالة ما حققته حكومة العدالة والتنمية، لخلفيّته الإسلاميّة، وتفنيد جدوى النظام العلماني، نجده يقول: «إن أكثر النظم العلمانية في العالم العربي هي أقلها ديموقراطية...»!. لماذا لا ينظر هويدي إلى جدوى النظام العلماني، والعمق الديموقراطي فيه، إلاّ من خلال التجارب العربيّة الفاشلة؟!، ولا يتناول العلمانيّة الناجحة، خارج إطار العالم العربي؟!.
ولعلّ ما كتبه الأستاذ محمد نور الدين في «الخليج»، في نفس اليوم، 15/12/2009، تحت عنوان: «تركيا والمأزق الكــردي المستدام»، يعطي إجابة كافية لهويدي، ان صفراً من المشاكــل مع دول الجوار، ينــبغي ان يسبقه صفـر في المشاكل في الداخــل. فمن لا يتصالح مع أهل بيته، بشكل جادّ وحقيقي وصميمي، من دون لفّ أو دوران او تحايل او تخاذل، بشكل عملي ودستـوري وجذري، لا يمكن ان يتصالح مع الآخرين. وربما الأجدى القول: إنَّ العرب، والقوميــين منهـم، يحنّون إلى المناخ العثماني، حين ينظرون الى واقع نظمهم وبلدانهم. وإذا استنجد الــعرب بالغرب، للخلاص من العثمانيين القدامى، وحصل ما حصل، ودفعوا ضريبة ذلك الخلاص. فبمن سيستنجدون إذا ظهرت بطانة العثمانيين أو الاتحاديين الجدد؟ وما هو حجم الضرائب التي سيدفعونها «للمخلِّص الجديد»، هذه المرّة؟.
(اسطنبول)
([) كاتب كردي سوري
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات