بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> قضايا فكرية >>
الأهمية المعرفيّة للديانة اليهوديّة!
  27/01/2010

الأهمية المعرفيّة للديانة اليهوديّة!


نبيل فياض* : كلنا شركاء

كان ملفتاً تماماً مشهد يوسي ساريد وأبراهام بورغ وهما يتظاهران في القدس ضد إخلاء حي الشيخ جراح من بعض سكّانه العرب. كان السؤال المنطقي الذي لا بدّ أن يتبادر إلى الذهن مباشرة: ماذا لو أن الحالة كانت عكسيّة؟ بمعنى ماذا لو كان الضحيّة يهوديّاً والجلاّد مسلماً أو عربيّاً؟ كم من العرب أو المسلمين يمكن أن يتظاهروا مع الضحايا اليهود ضدّ جلاديهم؟ لا أحد. هذا ما تتنبأ به الوقائع والمواقف.
إن كل من يقرأ مذكرات الأديب اليهودي التشيكي المولد الألماني اللغة، فرانتس كافكا، يعرف مدى عنف كارثة " الهولوكست " التي ضربت الشعب اليهودي في أوروبا على يد الوحش النازي. فبين صفحة وأخرى لا بد أن تقرأ عن هذا القريب أو الصديق الذي قتله النازيّون – مع ذلك، ثمة من يقول بصوت عال إن " الهولوكست " أسطورة خلقتها الدعاية الصهيونيّة لغايات في " نفس يعقوب "؟؟!!
أثناء المراهقة كنت أتردد باستمرار على مكتبة تبيع كتباً باللغة الانكليزية في قلب دمشق، كان مالكها فلسطيني من أصل أرمني – اسمها أنطوان. وبسبب كافكا الذي اكتشفته عبر قراءاتي لألبير كامو، أدمنت قراءة المفكرين اليهود؛ خاصة الذين كتبوا باللغة الألمانية. أذكر تماماً استغراب صاحب المكتبة العجوز وقتها، بنظارتيه الطبيتين السميكتين وأنفه الأغريقي، حين طلبت منه كتاب " سدوم وعمورة " للروائي الفرنسي، مرسيل بروست، صاحب " البحث في الزمن الضائع ": سألني الأرمني بلهجته الفلسطينية التي لا " أهضمها ": لكن بروست ليس يهوديّاً؟ أجبت: أمه يهوديّة!!
كان زمناً قديماً جميلاً: والزمان لا يرجع! وكنت وقتها على شاطيء اليهوديّة الثقافي، لا الديني: أقصد، هاينه وفرويد، مان وماركيوزه، عوز واسبينوزا. لكني لم أحاول الإبحار قط في اليم الديني العبراني. – ربما بسبب افتقادي وقتها جرأة الإبحار ووسائله. وهنا أعترف للمرة الأولى أن أول من شجعني على ولوج هذا البحر كان الشاعر سعيد عقل. كنت أزوره وقتها مع صديقي الصحفي " البدوي " أنطون شعبان، الذي كان صديقاً لصديقي الباحث مسعود خوند، الشقيق البعثي للسياسي الكتائبي بطرس خوند. قال لي سعيد عقل: لم لا تترجم نصاً من التلمود يفضح الآلية التكفيريّة في العقل اليهودي ويبيّن أصل التكفير عند المسلمين؟ كنت على علاقة حميمة وقتها بجماعة يهوديّة في لندن عرفني عليها باحث عراقي، تدعى ناطوراي قارتا. طلبت منهم بعض رسائل التلمود. أرسلوها. ثم جاءني الصديق الباحث الأمريكي في تاريخ العهد الجديد، لاورانس تشيكوريللي، بكامل المكتبة اليهوديّة، على قرص مدمج، من انتاج جامعة بار إيلان وتوزيع برنستون الأمريكيّة.
ترجمت رسالتين من التلمود: العابودا زارا والحاغيغاه. العابودا زارا، أو عبدة الأوثان، تحكي عن الطريقة التي يجب أن يتعامل بها اليهودي مع غير اليهودي؛ والثانية تحكي عن طريقة الحج في بيت هَمقداش، أو بيت المقدس. نشرت الأولى وطبعتها مراراً؛ ثم توقفت عن ذلك. أما الثانية فلم أنشرها حتى الآن. بعدها وجدت كتاباً في مكتبة غير عربيّة في بيروت، يحتوي مقتطفات هي الأروع من التلمود البابلي، تذخر بالحكم ومحبة الآخر.
عبر الباحث الاستشراقي الحاخام أبراهام غايغر، دخلت عالم المدراش الأرحب؛ ثم تعمقت به أكثر عبر الباحث اليهودي يوسيف هوروفيتس وتلميذه البارز، هاينريش شباير. قدّم لنا غايغر في زمن مبكر للغاية كتاباً رائعاً، سمه: " ماذا أخذ محمد عن اليهوديّة"؛ وكان لهوروفيتس سلسلة أعمال هامة تدعى، دراسات قرآنيّة؛ أما شباير فلم أعرف له غير العمل الموسوعي: الحكايا الكتابيّة في القرآن. نص هوروفيتس الهام، رحلة محمد السماويّة، المنشور في مجلّة " الإسلام " الألمانيّة، ترجمته وقدمته في عملي المنشور قبل أكثر من عشر سنوات، " حكايا الصعود ". أما شباير فقد قدّمت من كتابه الهام نصوصاً كثيرة في ما أسميته " سلسلة الدين المقارن ". وقد احتاج عملي " حكايا الصعود " نوعاً من الاطلاع على الأدب الأبوكريفي، فكان أن ترجمت – دون نشر – نصين أبوكرفيين هامين: أخنوخ السلافي وأخنوخ الأثيوبي.
الحقيقة التي لا تخفي رأسها خلف هذا الجهد المتراكم – نعمل للأسف في بلد لا يقدّر معنى البحث أو الباحثين – هي أن الديانة اليهوديّة أهم ما أنتج الفكر البشري معرفيّاً على مرّ العصور. وحين يبدع اليهود في كل المجالات، ليس الأمر بالمستغرب؛ فهم نتاج إبداع بشري لا مثيل له في تاريخ هذا النوع من الكائنات الحيّة.
قد لا يكون اليهود " كعدد " بحجم غيرهم من أتباع الديانات والمذاهب الأخرى. وقد لا تكون اليهودية كمعرفة تراكميّة موجودة علنيّاً في كل زوايا العالم. لكنها موجودة حتماً تحت جلود الغالبيّة العظمى من سكّان الأرض، إن مباشرة، أو عبر ما قدمته للبشرية من ديانات – المسيحيّة والإسلام. ومع الانتشار الأفقي غير العادي للثقافة الأمريكيّة حتى في المناطق " العصيّة " على الفتح، كالصين مثلاً، تحفر اليهوديّة بأحرفها الآراميّة المربعة في ذواكر كل الشعوب.
إن الأهميّة الفائقة للديانة اليهوديّة، مقارنة بغيرها، هي احتفاظها لنا بتراث بشري هائل، عبر آلاف السنين، من سومري إلى بابلي وآشوري وكلداني، خاصة في التوراه وتفاسيرها في المدراش راباه لأسفار التوراه الخمسة. بل إن التلمود بفرعيه، اليورشلايمي والبابلي، هو خزان معرفي هائل، دوّن لنا بتواصليّة نادرة كمّاً من المعلومات لا سبيل إلى سبر أغواره، حول منطقة من أهم أقسام العالم القديم. – وكذلك المدراش. والدارسون للتراث الإسلامي، على سبيل المثال، يمكن أن يضيئوا عليه أكثر باستخدامهم للخزان المعرفي اليهودي، خاصة القسم منه المتعلق بالاسلام: نشرنا منه نستاروت راف شيمون بار يوحاي، صلاة راف شيمون بار يوحاي، قصيدة في ذلك اليوم، والملوك الأربعة.
لا أنكر أني أعمل بدأب على نشر نص لرامبام ( الراف موشيه بار ميمون )، يدعى: رسالة اليمن. موشيه بار ميمون، مثل كثيرين غيره، كان رجلاً هامّاً جدّاً في مصر الأيوبيين. ورسالة اليمن تلقي ضوءاً هامّاً على الاضطرابات في اليمن وقتها، والصراع السني الشيعي في ذلك البلد المضطرب. بار ميمون، أنموذج بدئي لليهودي العارف: إنه رجل بثقافتين: عربيّة وعبرانيّة؛ بعقليتين: يهوديّة وإسلاميّة. هكذا كان اليهود، وهكذا ما يزالون! وهنا سر قوتهم!!

نبيل فياض: مفكّر و كاتب و ناقد جريء و باحث جادّ ومنقب في التراث الإسلامي، من سوريا. متبحّر في الفكر الديني المسيحي و اليهودي و الإسلامي، و مهتمّ خصوصا بمسألة الدين المقارَن و النقديّة الكتابيّة. يتناول في أبحاثه و كتاباته الأديان و التراث الإسلامي و المجتمع العربي و الإسلامي بالنقد العلمي الباحث عن الجذور و الخلفيات لخلق حالة من الوعي العلمي إزاء المفاهيم و الظواهر الدينية.
هو سوريّ في العقد الرابع من عمره، وُلد في بلدة القريتين الواقعة شرق حمص من أسرة سنّيّة شافعية، درس الصيدلة في جامعة دمشق، و عمل صيدلانيا هناك و في بلدته (الناصرية) في ظاهر دمشق.
و مع أنه درس الطّبّ الصيدليّ إلا أن ميوله الفكرية و اهتماماته الثقافية لها قصة أخرى، حيث بدأت بقراءة مستلهمة للفلسفة الأوربية، خصوصا نيتشه، و الأدب الأوربي، و درس اللاهوت المسيحي في الكسليك بلبنان، و في هذا الاتجاه تعلم العبرية و الآرامية ممّا فتح له آفاقا كبيرة في الرجوع إلى مصادر الفكر الديني بلغتها الأم، و هذا فضلا عن اتقانه للّغات الألمانية و الإنكليزية و الإيطالية.
اهتم بدراسة الطوائف و الأقليات الدينية و المذهبية، يبحث عن جذورها و تاريخها، و يدافع عن حقوقها، و يلقي الضوء الكافي على ما لحق بها من اضطهاد و قمع في ظل الدول ذات المذهب السُّنيّ عموماً، المتعاقبة.
و قد عمل فترة في الصحافة اللبنانية، و قام في هذا الإطار بدراسات ميدانية للطوائف و الفِرَق الدينية في المنطقة.

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات