بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> قضايا فكرية >>
هل اكتشف ونسف إبن رشد جذور التأنيث؟
  17/02/2010

هل اكتشف ونسف إبن رشد جذور التأنيث؟
بادية ربيع- وعادل سمارة


تتعامل هذه المقالة مع المرأة على أرْضِيَّةِ النوع الاجتماعي (الجندر) بما هي مقولة كنتاج اجتماعي منذ انتقال أول تجمع بشري إلى الملكية الخاصة وحتى غوص الإنسانية في الأزمة الممولنة والانتاجية معاً في اللحظة. وتحديداً ما يهمنا هنا أن النوع كما عُلِّمنا إياه، فتعلمناه هو خطاب مقصود به تأنيث المرأة ليحل هذا التقسيم محل النوع الإنساني الذي يكتنف الرجل والمرأة معاً. هكذا كان الأصل واحداً، وهكذا جرت قسمته بالقسر، وتواصلت.
وهذا القول من جانبا لا يقصد مناقشة الجنسن بمعنى أن النوع الإنساني ينقسم من حيث التركيب او المبنى البيولوجي إلى جنسين مذكر ومؤنث. وما نقصده هو أن سحب فارق الجنس، إن كان حقيقياً أو مطلقاً، كمركَّب كتكوين بيولوجي، على الحياة الإنسانية، على السلطة والقوة والملكية الخاصة، والاقتصاد والثقافة...الخ هو ما نسميه التأنيث بالمعنى السالب لأن ما تم تاريخيا هو تحويل الفارق بين المرأة والرجل إلى مشروع تأنيث المرأة بالمعنى الذي يخدم السيطرة الذكورية. وهذا يسمح لنا بنقد الفارق البيولوجي وترجيح نسبيته، أي لا بد من نقد توافق النوع والجنس لصالح الجنس كمدخل بل كمشروع عميق الجذور بعيد الامتداد لقهر المرأة.
ليس ما نقصده، هنا، قراءة وتحليل كيف تعاملت الإيديولوجيات والأنظمة والقوانين والسلطات والمصالح المادية مع هاتين المسألتين، وكيف تطورت المواقف منهما وضدهما ومعهما.
وإنما نهدف إلى طرح مغامرة بسيطة تستكشف المساهمة الكبرى التي قدمها ابن رشد فيما يخص رفض التأنيث، بمعنى أنه كان سابقاً لعصرنا بكثير. وتحديداً بأن ابن رشد هو أول من رفض التأنيث، دون بالطبع أن يستخدم المصطلح نفسه.
لقد أحدثت عبارة سيمون دي بوفوار دويا هائلا منذ 1949:"لا نولد إناثا، وإنما نصبح إناثاً". كانت مثابة البيان الشيوعي ضد الرجل وضد االنسذكوريات[1] ايضاً. وربما ليست الأولى التي تعرضت لهذا الأمر منذ أن بدأه ابن رشد. فميرزا علي محمد المولود 1820 والمقتول 1850 دعا الى ازالة الفوارق بين كل الرسائل الإلهية وبين النساء والرجال[2]"
كلما وصلنا بالعلم ومن ثم أوصلنا العلم قفزة ما للأمام، (وهو، أي العلم، إنتاج مادي / وعي خاص بالإنسان)، كلما اختصرت المسافة الجسدية/القووية (من قوة عضلية ) بين الجنسين، إن وُجدت حقاً. هذا رغم توتر حافز الربح بما يدفع الطبقات المالكة/الحاكمة إلى جندرة الجنس، جندرة "الفوارق"، في الجنس لتثبيت فوارق وهمية على أساس النوع، أي تأنيث ما أمكن في كل ما يتعلق بالمرأة، وهذا أخطر لأن قياسه أصعب، واقتلاعه أكثر مشقةً. وكل هذا ليؤكد لنا أن الاختلال التكويني لا علاقة له وليس هو سبب ما يسمى بالتأنيث. هذه المسافة التي اختصرها ابن رشد في زمنه.
نَسَب مُعِدُّوا كتب التدريس من العرب إلى ابن رشد ترجمته لأرسطو، بل نسبوا للعرب دور الترجمة فقط، على اهميتها. ومن اين لهؤلاء المقرئين أن يرتقوا إلى موقف ابن رشد من المرأة! وهكذا، في حين جرى التعتيم على موقف ارسطو الرجعي من المرأة، قلما تمت الإشارة إلى موقف ابن رشد التقدمي منها، يقول ابن رشد:
"لا تدعنا حالنا الاجتماعية نبصر كل ما يوجد من إمكانيات في المرأة، ويظهر أنهن لم يخلقن لغير الولادة وإلإرضاع الأولاد، وقد قضت هذه الحالة من العبودية فيهن على قدرة القيام بجلائل الأعمال، ولذا، فإننا لا نرى بيننا امرأة مزينة بفضائل خلقية، وتمر حياتهن كما تمر حياة النباتات، وهن في كفالة أزواجهن أنفسهم، ومن هنا أيضا، أتى البؤس الذي يلتهم مدننا"[3].
واضح أن ابن رشد يقترب هنا من أهمية العمل الاجتماعي مما دفعه لنقد تغييب المرأة عن العمل بسبب العبودية أي تغييب مساهمتها في التطور الاجتماعي الاقتصادي، وأن هذا التغييب أتى بالبؤس والهلاك على المجتمع (هو يسميه المدن)، وهو ما عالجه ماركس ونبه إلى أهميته بعد ابن رشد بقرون عِدَّة. بالتقاط ابن رشد للتغييب والتركيز عليه، يمكننا الاستنتاج بأنه الأول الذي التقط تأنيث المجتمع للمرأة على الأساس الاجتماعي، وبهذا يكون الأول الذي وضع اساس قراءة التأنيث االمفرووض عليها ورفض هذه الأسس، وأدرك أن غياب دورها يقف وراء بؤس المجتمع أو الحضارة، وهذا بعكس فرويد الذي لا ينسب لها دورا ذي بال. وبالطبع لم تكن البشرية قد ادركت بعد الدور الحاسم للمرأة في الحياة اي دورها في إعادة إنتاج المجتمع بالإنجاب.
والنص التالي إما نفس السابق، أو مأخوذٌ من مصدر ربما بلغة أجنبية، إنما هو بنفس الروح:
"والمرأة في الظاهر صالحة للعمل والحضانة فقط، إلا أن حالة العبودية التي نشأت عليها نساء أتلفت مواهبها العظيمة وقضت على مواهبها العقلية. وحياة المرأة تنقضي كما تنقضي حياة النباتات. لقد كان سبباً في شقاء المدن وهلاكها[4]". بهذا فهو ينفي التأنيث وإن لم ينحت المصطلح نفسه. ما من احد يملك علوم الأولين والآخرين. ولكن يمكن لأحد أن يتجاوز علوم الأولين:
وإني وإن كنت الأخير زمانه لآتٍ بما لم تستطعه الأوائلُ.
يثير بيت الشعر هذا التحدي الذي يواجهنا يومياً، بمعنى إخضاع الماضي لقوة اللحظة، قوتنا في اللحظة، دون حداد عليه ودون ماليخوليا ودون اغتراب، بل إعادة تصنيعه لنا نحن الأحياء، ليفعل بنا من يأتوا ما فعلناه كبشر بما مضى.
قراءة ترفض حصر النساء في دور الإنجاب والرَضَاعَة ووصفها الصريح بالعبودية، وتأكيده على قدرتها على القيام بأعمال الرجال لولا أن العبودية منعتها من ذلك، والعبودية هنا تكتنف التأنيث وليس الجنس وحده. ويكفي أنه وصف البؤس الذي فيه المجتمع إلى اضطهاد المجتمع الذكوري للمرأة. فهذا إدراك مبكر بما لا يُقاس لكون نصف المجتمع يعتقل نصفه الآخر. وربما الأهم هنا أن ابن رشد هو الذي التقط "تأنيث المجتمع الذكوري للمرأة" قبل سيمون دي بوفورا وغيرها.
ولذا، كتب ابن رشد أيضاً: "المرأة والرجل لا يختلفان من حيث طبيعتهما، ولكن بينهما تفاوت من حيث الدرجة، فإذا امتاز الرجل على المرأة بنواحٍ، فهي تفضله بنواح أخرى. كما ساوى بين الرجل والمرأة في الكفاءات الذهنية والعملية وحتى في الحرب" ( العطية ص 140). أليس هذا نقضاً للتأنيث؟ المنطلق هنا هو المساواة بينهما، المساواة الموهوبة، وليست الممنوحة فقط وهذه خطوة متقدمة جداً تتجاوز الزعم ما يسمى النقص البيولوجي للمرأة، أو التفوق البيولوجي للرجل، أعني قبيل قهر الإنسان لجوانب من الطبيعة العمياء بحيث لم تعد للقوة العضلية تلك الأهمية المميزة. وهو لا يعتمد القوة الممنوحة لأن الممنوحة، لم تُمنح بالطبع، ذلك لأن ابن رشد كان مفكراً، ولم يكن مثقف سلطة، ولا تاجراً.
أصبح النوع والجنس من العلوم التي لا يتوقف البحث والإبداع فيها، وبالطبع الرد عليها لقمعها. هو الديالكتيك ميدان ومحرك الصراع في كل لحظة وكل إنش، لا فراغ ولا عدم. وضمن هذا الصراع توصلت باحثات/ون في الغرب إلى أن الفوارق البيولوجية هي نسبية أو غير قائمة فعلاً[5]. وهذا ما قاربه ابن رشد في عصره.
يقول ابن رشد في هذا الصدد:
"وتختلف النساء عن الرجال درجة لا طبيعة، وهن أهل لكل ما يفعل الرجال في حرب وفلسفة... ولكن على درجة دون درجتهم وهن يفقنهم أحيانا كما في الموسيقى" (العلوي فصول في المرأة ص 70).
نلحظ في كتابات ابن رشد تأثر ابن رشد بأفلاطون، أو هكذا يمكن أن نستنتج، ولكن دون أن يقع في ارتباك أفلاطون، الذي في موقف يَُسانِدُ المرأة مع المرأة وفي موقف يصفها بالعبدة. وهذا يؤكد قدرة التخطي والتجاوز وتماسك المنهج لدى إبن رشد، وينفي عنه التلمذة أو التكرار أو الانصياع للتيار/الثقافة السائدة في مجتمع حياته. إنَّ اهتمام ابن رشد بمساواة المرأة للرجل في الحرب[6] ذات دلالة لا تخلو من موقف جذري يتحدى السائد، ويجعل من المرأة قوة مقاومة وليس مجرد ضحية في الحرب يتم استخدامها لإذلال رجولة المقاتلين، أو للبكاء على الشهداء والضحايا كما تفعل منظمات الأنجزة في الأرض المحتلة التي تتعاطى مع أمهات وأزواج الشهداء والأسرى كفاقدات أي كمستضعفات فقدن القدير الحامي والمعيل وبالتالي أصبحن بحاجة للحماية مما يؤصل في النفس مضار المقاومة وليس وجوبها، ويؤصل بالطبع لضعف المرأة واحتمائها بالرجل. وفي هذا بالطبع تعميق لمشاعر الاستسلام.
لكن ابن رشد يأبى إلا أن يرتفع إلى مصاف عظام المفكرين فيصل في نفي التأنيث إلى القمة السياسية ليكتب تحت عنوان: النساء كالرجال: فيلسوفات ورئيسات:
فمن الناحية المبدئية: " قلت إن النساء من جهة أنهن والرجال نوع واحد في الغاية الإنسانية، فإنهن بالضرورة يشتركن وإياهم فيها (الأفعال الإنسانية) وإن اختلفن عنهم بعض الاختلاف. أعني أن الرجال أكثر كداً في الأعمال الإنسانية من النساء. وإن لم يكن من غير الممتنع أن تكون النساء أكثر حذقا في بعض الأعمال، كما يظن ذلك في فن الموسيقى العملية، ولذلك يقال إن الألحان تبلغ كمالها إذا أنشأها الرجال وعملتها النساء. فإذا كان ذلك كذلك، وكان طبع النساء والرجال طبعا واحدا في النوع، وكان الطبع الواحد بالنوع إنما يقصد به في المدينة العمل الواحد، فمن البين إذن أن النساء يقمن في هذه المدينة بالأعمال نفسها التي يقوم بها الرجال، إلا أنه بما أنهم أضعف منهم فقد ينبغي أن يكفلن من الأعمال بأقلها مشقة...وأما اشتراكهن في صناعة الحرب وغيرها فذلك بين من حال ساكني البراري وأهل الثغور. ومثل هذا ما جبلت عليه بعض من النساء من الذكاء وحسن الاستعداد، فلا يمتنع أن يكون لذلك بينهن حكيمات أو صاحبات رياسة[7]"
وبعد، لو كان للمرأة أن تحتفل بمفكر نسوي، لكان عليها البدء بابن رشد، ولو كان للعرب أن يُراجعوا التراث بشكل علمي، لا باستنامة سلفية، لأعادوا تتويج ابن رشد، وليس ابن تيمية، ولا شيوخ المرحلة. وكشأن ابن رشد كان ابن حزم نصيرا للمرأة.
وهكذا، تتعلق بتقسيم العمل وتوسيع تطبيق هذا التقسيم على مختلف مجالات الحياة وليس العمل الإنتاجي وحده مسألة: هل خُلقت أُنثى بالمعنى الاجتماعي أم جرى تأنيثها؟ يتزايد إجماع البشر الذين يستخدمون عقولهم، ولا مصالح رجعية وطبقية لهم على أنها جُعلت أُنثى، فاستمرار تأنيث المرأة هو استعادة تثبيتية لتاريخ الانتصار الذكوري. وفي سياق تأنيث المرأة، يتمُّ كذلك تأنيث تربية الأولاد بحيث يقع عبئهم عليها كذلك.
إذا اتفقنا مع النسويات، حتى الراديكاليات منهن أن التأنيث مسألة اجتماعية، وهذا أساساً إبداع ابن رشد،، لا بد أن نتفق على أنها تاريخية ومادية أيضاً، بمعنى أنه لا بد من دراسة نشوء هذا التأنيث في سياقه التاريخي وبالتالي الطبقي. وهذا يقتضي مناقشة المشروطية الاجتماعية للتأنيث. وهذا يفتح على مسألة أساس وهي أن ما يصلح لقراءة التأنيث هو علم الاجتماع المادي التاريخي الذي يبدأ بقراءة جنسانية، ولكن لا بد أن ينتهي طبقياً. صحيح، أن الإلغاء الكلي لأي تقسيم عمل وتخصيص وظيفي جنساني في حقلي الانتاج وإعادة الإنتاج هو الشرط الرئيسي اللازم لتحرير النساء.
لم تكن هذه العجالة مشروع إجابات، رغم مقاربتها ذلك. بل هي مشروع إحالات، لمن سيأتون! وهم آتون حقاً. ولكنها كذلك، تُختتم بالسؤال:
هل الانتصار الذكوري هو الذي خلق التأنيث؟ وهل سحب البيولوجي على الاجتماعي هو فقط جنسي، تحديداً بمعنى الجماع وأشكاله وشعورياته، أم هو مادي وطبقي في الأساس؟


________________________________________
[1] حاولنا اشتقاق مصطلح للمرأة المندمجة في البنية الذكورية سياسيا وطبقيا وثقافيا بمصطلح نسذكورية ولم نقصد قط المستوى الجنسي، فهو وإن كان حاضراً، فليس أساسياً. وذلك في كتاب عادل سمارة المقبل على الطباعة.
[2] انظر كتاب رجاء بن سلامة، بنيان الفحولة أبحاث في المذكر والمؤنث، منشورات دار المعرفة للنشر، تونس، 2006 ص 173.
[3] ابن رشد في الطبيعيات، نقلا عن هيثم مناع، في المرأة في الإسلام، بيروت دار الحداثة 1980 ص 4، في ندوة الخبراء حول المرأة العربية والتغيرات الاجتماعية والثقافية، القاهرة 13-15 يناير 1987، اليونسكو والأسكوا.. ص 81.
[4] زنجية، عبد الله، "المرأة واليسار العربي"، مجلة مواقف، العدد 12، بيروت 1970، ص 34.
[5] فاطمة العمورية هي أول من علمتني درس قوة المرأة.. كانت ضخمة وقوية، كانت تضرب أمي كلما لاحت بها! كنت طفلاً، كانت لنا جارة من قرية أخرى لجأت هربا من زوجها. جاء زوجها لأخذها عنوةً. تحركت فاطمة مثل دبابة متوسطة الحجم Scout car كالتي طاردتنا في مظاهرات الوحدة بين مصر وسوريا والعراق 1963، التقطت الرجل طرحته أرضاً، وجلست على صدره حتى كاد يموت، لولا فريقاً من النساء دفعها، ولم يتمكن من رفعها عنه. فهل بقي للمعطى البيولوجي نقاشاً! ع. س.
[6] تفرض الثقافة الطبقية نفسها في هذا السياق، ففي حين يساوي ابن رشد بين الرجل والمرأة في ممارسة الحرب، تصر أم عبد الله الصغير آخر الأمراء بني الأحمر في الأندلس نفسها على دونية المرأة. فحين جاءَها وقد علم أنه مهزوم أمام فرديناند، وإيزبيل، قالت له:
أعطيتَ مُلكَاً فَلَمْ تُحْسِن صِيانَتَهُ وَكَلُّ ما لا يَسوسُ المُلْكَ يَخْلَعْهُ
إبكِ كالنساء مُلكَاً لم تُحافِظ عليه كالرِّجال. ليس حجر الزاوية هنا فقط في نسبها الحرب للرجال والبكاء للنساء، بل حرصها على المًلك المُضاع، الملكية الخاصة! ولم تدرك أم عبد الله أنها بموقفها هذا كانت أقوى من الرجال!
[7] أنظر د. محمد عابد الجابري، ابن رشد سيرة وفكر دراسة نصوص، إصدار مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 1998، ص 251.


 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات