بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> قضايا فكرية >>
اليسار الأميركي ينسى انتصاراته
  06/03/2010

اليسار الأميركي ينسى انتصاراته



ألكساندر كوكبرن ـ

بعد خروجه مثخناً بالجراح من حقبة الاضطهاد المكارثي في الخمسينات، عرف اليسار التقدّمي والراديكالي الأميركي نهضةً مشهودة. ففي الأوّل من شباط/فبراير 1960، وفي خرقٍ للنظام الداخلي الذي نصّ على وجوب أن يأكل السود وهم واقفون، عمد أربعة طلابٍ من الثانوية الزراعية والمهنية في ولاية كارولينا الشمالية إلى الجلوس في كافيتيريا محلاّت "وولوورث" التجارية في غرينسبورو. وفي اليوم التالي، بلغ العدد 25؛ وبعد يومين، التحقت بهم أربعة طالبات من البيض؛ ثمّ انتقلت الحركة بعد قليلٍ إلى 15 مدينةٍ في تسع ولايات جنوبية؛ وفي 25 تموز/يوليو، وبعد أن سجّل خسارة 200 ألف دولار، تخلّى المتجر، وهو فرعٌ لشبكة محلاّت وطنية، رسمياً عن هذا التدبير العنصري. حيث أصابت هذه الأحداث البلاد بزلزالٍ حقيقيّ، وشكّلت انطلاقة إعادة الانصهار في عمق المجتمع.
وفي نيسان/إبريل 1960، أبصرت "لجنة التنسيق للطلاّب المعارضين للعنف" النور في مدينة رالاي الواقعة على بعد 130 كلم من غرينسبورو، بهدف توسيع وتنظيم الحركة. وقد أقرّ مدير حملتها الأولى، بوب موزيس، بأنّه فوجئ بـ"تجهّم وغضب وإصرار" المعترضين؛ وهو ما لا يتطابق مع تعبير "الخشية والتملّق" البادي على الصور الفوتوغرافية للمتظاهرين في الولايات الجنوبية.
في فصل الربيع نفسه، التئم في "أن أربور" في ولاية ميتشيغان، المنتدى الطلابي الأوّل من أجل مجتمعٍ ديموقراطي، الذي سيلعب دوراً محوريّاً في تنظيم المعارضة للحرب الفيتنامية. وفي أيار/مايو، اجتاز طلاّب جامعة بيركلي في كاليفورنيا، الخليج للاجتماع أمام القصر البلدي في مدينة سان فرنسيسكو والهتاف ضد لجنة التحقيق حول النشاطات "المناهضة لأميركا" في مجلس النواب. وقد أدّى الافراط في استخدام القوّة لتفريق المتظاهرين إلى إحداث انقلابٍ في الرأي العام، ووضع حدٍّ للاضطهاد بحقّ الشيوعيين.
وفي غضون أربعة أعوامٍ قصيرة، أرغمت "حركة الحقوق المدنية" الرئيس ليندون جونسون على توقيع مجموعةٍ من القوانين لتعديل دستور الولايات المتحدة وتحريم التمييز العنصري. ومنذ العام 1965، راحت شوارع واشنطن تضجّ بالمتظاهرين ضد حرب فيتنام؛ وعند منعطف العقد، عاش المجتمع الأميركي برمّته تغيّراً عميقاً. فأعادت القراءة المتفحّصة وغير المتساهلة لتاريخ البلاد النظر في الأمبراطورية الأميركية وإيديولوجيا الأمن القومي: هكذا ظهرت على الملأ أسرار وفضائح مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) ووكالة الاستخبارات المركزية (CIA)؛ وتمّ التشهير باستخدام العلوم الجامعيّة المتطوّرة لأغراضٍ عسكرية؛ وانتشرت حركات التمرّد في أوساط الجنود المرسلين إلى فيتنام؛ في حين أشار المحامي رالف نادر وجمعيّته "المواطن العام" (Public Citizen) بأصابع الاتهام إلى المجتمع الاستهلاكي. وفي العام 1974، تمّ إرغام الرئيس ريتشارد نيكسون على الاستقالة؛ كما أكّدت جمعيات المثليين الجنسيين قوّتها؛ وبدى اليسار قادراً على لعب دورٍ سياسيّ رئيسيّ في ربع القرن التالي.
لم يأتِ تغييّرٌ بهذه الجذرية من العدم. ففي العام 1958، كانت جرت حركة مقاطعة للمقاهي في مدينة أوكلاهوما؛ وكانت محرّكة الاحتجاج هي كلارا لوبر التي تأثّرت بمثال روزا باركس، المشهورة بكونها رفضت في مدينة مونتغمري من ولاية ألاباما، عام 1955، تقديم مقعدها لرجلٍ أبيضٍ في أحد الباصات. وقد كان هذا الحدث هو المؤشِّر على دخول القسّ مارتن لوثر كينغ عالم السياسة؛ فشاركت باركس مع كينغ في منتديات Highlander Folk School، وهي مؤسسة أنشأها مسيحيّون يساريّون مقرّبون من الحزب الشيوعي.
هكذا اندرج ازدهار فصائل اليسار الأميركي في الستينات ضمن خطّ النضالات من أجل العدالة الاجتماعية ولمناهضة أشكال التمييز العنصري. بيد أن هذا اليسار سيقع ضحية عجزه عن تحويل الاندفاعة النضاليّة إلى قوّة حكم. صحيحٌ أنّ مختلف تيارات اليسار التقدّمي قد توحّدت حول ترشيح السيناتور المؤيّد للسلام جورج ماكغوفرن، الحائز على ترشيح الحزب الديموقراطي للانتخابات الرئاسية عام 1972؛ لكنّ قادة النقابات وهم من أهمّ المتبرعين بالأموال للحملة الانتخابية كما قيادة الحزب قد تخلّوا عن مرشّحهم، وهو ما سمح بإعادة انتخاب الجمهوري ريتشارد نيكسون. وعند وصوله إلى البيت الأبيض في العام 1977، انحاز الرئيس جيمي كارتر إلى الطروحات النيوليبرالية، وأدخل البلاد في "حربٍ باردة جديدة" في أفغانستان وأميركا الوسطى دون أن يصطدم بمعارضة الحركات المناهضة للحرب التي كانت احتفلت، قبل أعوام خلت، بهزيمة الولايات المتحدة في فيتنام.
سيسترجع اليسار أنفاسه في الثمانينات من خلال تنظيم المقاومة في وجه حروب ريغان في أميركا الوسطى؛ كما سيوفّر الدعم لأوّل مرشحٍ أسود للانتخابات الرئاسية، جيسّي جاكسون، القسّ المعمداني المناضِل في سبيل حقوق الانسان والذي كان واقفاً في ممفيس إلى جانب مارتن لوثر كينغ عندما اغتيل عام 1968. وقد تقدّم جاكسون على رأس تحالف "قوس القزح" إلى انتخابات الحزب الديموقراطي التمهيدية عامَي 1984 و1988 على أساس برنامجٍ يشكّل حصيلة جميع الأفكار التقدميّة التي نادت بها مختلف التيارات اليسارية منذ مطلع الستينات. ولو أنّه فشل في أن يكون ممثّل الحزب، فقد حرّك ملايين الأميركيين.
ابتداءً من الثمانينات، كان لتصاعد نفوذ المنظّمات غير الربحية والصناديق الخاصة (هاورد هاينز، روكفيلير، إلخ... التي تموّل القضايا التقدمية) دوره في تفكيك عرى اليسار. إذ أنّ تلك الكيانات التي أسّسها مستثمرون أغنياء معفيّون من الضريبة، قد أمّنت أو سحبت دعمها المالي تبعاً للتوجّهات السياسية. هكذا باتت الأوساط "التقدّمية" والأكاديمية تعتاش مالياً في أجورها ومبانيها وكافّة شؤونها، من مساعدات يمكن سنوياً ألاّ تتجدّد.
فعندما هدّدت النقابات الكبرى ومجموعات الدفاع عن البيئة بالتوحّد عام 1993 لمعارضة إبرام الرئيس بيل كلنتون لاتفاقية التبادل الحرّ لأميركا الشمالية (Alena)، تدخّلت الصناديق الخيريّة الكبرى. وفي حينه، كانت الجماعات البيئية قد حصلت على 40 مليون دولار من عدّة مناصرين قادمين من صناعة النفط، من بينها 20 مليوناً من Pew Charitable Trusts وحدها. ولم تصمد معارضة اتفاقية التبادل الحرّ طويلاً أمام ضغوط المانحين؛ وفي مطلع الألفية الثالثة لم يبقَ من الحركة السابقة سوى بعض المجموعات المُفلِسة، فيما ابتلع الحزب الديموقراطي والقوى النيوليبرالية من تبقّى.
كذلك ابتعدت الحركة النسائية أيضاً شيئاً فشيئاً عن قضايا العدالة الاجتماعية، لتركّز فقط على حقّ الإجهاض الذي لم ينفكّ اليمين يعيد النظر به. ويوم وقّع الرئيس بيل كلينتون على إلغاء المساعدة الفيدرالية للفقراء، والتي كانت تستفيد منها غالبيّة من الأمهات العازبات، لم تحرّك هذه الحركة ساكناً خصوصاً أنّها مموّلة من هوليوود التي كانت تولي الرئيس تأييدها المطلق. أمّا حركة المثليّين المتجذّرة في السبعينات والثمانينات، فباتت تناضل من أجل زيجات المثليين، التي يعارضها البعض باعتبارها ارتداداً إلى مفاهيم العائلة التقليدية.
مع مرور الزمن، تقلّص كثيراً حضور التيارات اللينينية والماركسية التي كانت توفّر للشباب مدخلاً إلى المعارف الأوليّة في الاقتصاد وتدرّبها على الانضباط التنظيمي. وقد ساهم تداعي ثقافات اليسار في بروز أجيالٍ غير مؤهّلة للنقاش الفكريّ، تجهل دروس التاريخ، وتتقبّل أن تستبدل تحليل أنظمة الإنتاج بمختلف نظريّات المؤامرات أو بالكارثة البيئيّة.
ويفسّر انطفاء يسارٍ قادرٍ على صياغة انتقادات واقعيّة ردود الفعل المشخصنة بإفراط في وجه سياسات الرئيس جورج والكر بوش وذراعه الأيمن ريتشارد تشيني؛ وهي ردود فعل ساهمت في الوهم القائل بأنّ الديموقراطيين يمثّلون بديلاً فعليّاً وأن أيّ مرشحٍ من صفوفهم سيفي بالغرض في العام 2008؛ سواء تعلّق الأمر بالسيدة هيلاري كلينتون التي أيّدت السياسات النيوليبرالية في التسعينات (ومنها تحرير المصارف من القيود) أو بالسيد باراك أوباما المدعوم بالمساهمات الانتخابية من أوساط المال في "وول ستريت". فالناخبون في الدوائر التقدميّة ذات الغالبية السوداء قد تحرّكوا عموماً لصالح السيد أوباما، وسيبقون أمينين له حتى نهاية ولايته.
وقد دخل هذا الأخير إلى البيت الأبيض مقتنعاً بأنّ اليسار سيدعم سياساته مهما قرّر في أفغانستان، أو حتّى إذا لم يُقدِّم شيئاً في مجال الرعاية الاجتماعية والإصلاح المالي. وبمعنى ما، لا تمثّل المحصّلة المُحبطة لعامه الأوّل في الرئاسة تراث غرينسبورو قبل خمسين عاماً، بل نسيان هذا التراث.
لوموند ديبلوماتيك

 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات