بحث في الموقع :
-بدء الحفريات الاثرية الاسرائيلية في خسفين في الجولان المحتل          -اسرائيل : رقم قياسي في معدّل الأجر الشهري          -عرض لأطروحتي الدكتوراه لـ د. يوسف بريك و-د. تيسير الحلبي في اعدادية مجدل شمس          
موقع الجولان >> الجولان الثقافي  >> قضايا فكرية >>
كيف حضرت الماركسيّةُ – اللينينيّةُ في تجربتي السياسيّة؟
  06/04/2010

كيف حضرت الماركسيّةُ – اللينينيّةُ في تجربتي السياسيّة؟

* أحمد قطامش


قد أبدأ مقالتي بالقول إنّ الماركسيّة منهاجٌ يستند إلى قوانين، وإنها منظومةُ أفكارٍ أنتجها مفكّرون كبار. ولأنّ هدفها تغييريّ فإنها تواكب المتغيّرات، وتنقد نفسَها، وتنقد الواقعَ، في عمليّةٍ ديالكتيكيّةٍ مستمرّة، تستصوبها الممارسةُ وتصوّبها في آن. فتكون، بذلك، بمثابة عقلٍ نظريّ للبروليتاريا الثوريّة في صراعها مع البرجوازيّة، بغية إقامة “ديكتاتوريّتها” من خلال “حكم الشغّيلة الأحرار” (ماركس)، بما يزيل “التناقضَ بين مملكة الضرورة ومملكة الحريّة،” “ويمحو الفوارقَ الطبقيّة” في طريق “الانتقال من الطور الاشتراكيّ إلى الطور الشيوعيّ،” يحفّزها منطلقٌ أمميّ تجسّد في شعار ماركس – انجلز “يا عمّال العالم اتحدوا” وإضافة لينين “ويا شعوبه المضطهدة…”
وقد أضيف أنها اتّكأتْ على المنهاج الماديّ الجدليّ الذي تجاوز ماديّة فورباخ وديالكتيك هيجل، فاكتشفتْ قانونَ التوافق بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج، وقانون التوافق بين البنية التحتيّة والبنية الفوقيّة، كأداةٍ تحليليّةٍ لفهم أيّة مرحلةٍ تاريخيّة، وصولاً إلى حتميّة زوال الرأسماليّة (“حفّارة قبرها بنفسها”).
وقد أزيد أنّ لينين غاص في الوجود المادّيّ والوعي، وصولاً إلى تحليله للإمبرياليّة والاحتكارات وقانون تفاوت التطور والحلقة الأضعف في السلسلة وتحويل الثورة الديمقراطيّة الشعبيّة إلى ثورة اشتراكيّة. وبرهن على صدقيّة رؤيته ببناء الحزب الجماهيريّ الكفاحيّ الذي ينظّمه قانونُ المركزيّة الديمقراطيّة. وأقام التحالفَ الطبقيّ بين العمّال والفلاّحين، وقاد عمليّةً ثوريّةً ضخمةً أطاحت بالنظام ودشّنتْ عهدًا جديدًا يسعى إلى إزاحة كافّة أشكال استغلال الإنسان لأخيه الإنسان وكافّة أشكال الاستلاب والاغتراب.
وقد أستطرد في هذه العبارات الخشبيّة إلى آخر المقالة.
وقد يكون مفتتح مقاربتي هو الأزمة الاقتصاديّة التي اكتسحت العالمَ، ومنبعُها النظامُ الرأسماليّ وسياساتُ الليبراليّة الجديدة، فأعود بالتالي إلى تحليلات ماركس لأسلوب الإنتاج الرأسماليّ والدورة الاقتصاديّة وحتميّة الأزمة، سواء تجلّت في الآليّة القديمة لفيض الإنتاج أو الآليّة الجديدة للبورصة والمضاربات الماليّة. ومن ثم فالرأسماليّة “تكذب إذا كانت ربحيّتها 10%، وتقتل إذا كانت ربحيّتها 50%، وتشعل حربًا إذا كانت ربحيّتها 100%” (ماركس)؛ وشواهدُ ذلك الحربين العالميّتين الأولى والثانية، وعشراتُ الحروب المحليّة، ناهيكم باحتلال العراق وأفغانستان والحرب على لبنان والاستيطان الكولونياليّ الحربيّ في فلسطين.
وقد أستطرد في هذه العبارات المحفوظة أيضًا. ولكنني أؤْثر أن أعرض لمحاتٍ من مقطعٍٍ فلسطينيٍّ حيٍّ في الأرض المحتلة، عنوانُه: كيف حضرت الماركسيّةُ – اللينينيّةُ في تجربةٍ سياسيّة.
***
منذ البدايات، وفي وقتٍ مبكّرٍ من الشباب، بهرتنا مقدرةُ لينين على بناء حزبٍ تميّز بالثبات والتصميم على بلوغ أهدافه بالأساليب الثوريّة. وكانت مقاربته للمسألة اليهوديّة هي “التمثل” لا “الانفصال،” مع إدانة الصهيونيّة كحركةٍ استعماريّة. قلنا لأنفسنا: ماذا يحتاج العربُ والفلسطينيون أكثرَ من ذلك؟ لقد كان أنموذجًا وقوةَ مثالٍ، الأمرُ الذي دفع مثقفًا من وزن إلياس مرقص في السبعينيّات إلى التنظير للحزب البروليتاريّ العربيّ.
وقرأنا فهمَ لينين لكلمات ماركس (في بؤس الفلسفة) عن “الطبقة في ذاتها” و”الطبقة لذاتها،” وقيامَ نظريّته التنظيميّة على الانتقال من تلك إلى هذه، أيْ من النضال النقابيّ إلى النضال السياسيّ والانتفاضة الظافرة في أكتوبر 1917. فدفعَنا ذلك إلى قراءة وضع الطبقة العاملة الفلسطينيّة، وصولاً إلى الشعب الفلسطينيّ، وإلى خوض الممارسة الثوريّة التي تنتقل بالجماهير “من… إلى…،” وإلى بناء الأدوات الطليعيّة وحمايتها وتطويرها، وصولاً إلى الانتفاض الشعبيّ العارم في أواخر العام 1987.
لقد كان يتعيّن فهمُ الخصوصيّة الفلسطينيّة من جهة، وخوضُ الممارسة الثوريّة من جهةٍ ثانية، وبناءُ “الضمير الجمعيّ” من جهةٍ ثالثة، في إطار الصراع ضدّ محتلٍّ عنصريٍّ استيطانيٍّ توسعيّ. وعلى الدوام كانت الأسئلة الملحّة هي: كيف نفهم عدوّنا؟ كيف تتمّ التعبئةُ بمقولاتٍ تحرّريّةٍ وحداثيّةٍ في مجتمع تقليديّ؟ وكيف يتم البناءُ فيما نارُ الاعتقال والتعذيب تطلق من كلّ الجهات؟ وكيف نناضل في جغرافيّةٍ ضيّقةٍ من دون مرتفعاتٍ شاهقةٍ أو غابات، وفي ديموغرافيّةٍ محدودةٍ ومجزّأةٍ وحدودٍ محاصرة؟ وهل لكلمات لينين معنى حين يقول إنّ بناءَ الحزب هو المسألة الأصعب، وإنّ المسالة الأولى تكمن في الحفاظ عليه وعلى صلابته، و”إنّ حزب الطليعة يسترشد بنظريّة الطليعة” وبناء فريق من “المحترفين الثوريين،” وإنّ “المربّي ذاته يحتاج إلى التربية”؟ أثمة معنى لقول ماركس إنّ تحويل الذات في النشاط الثوريّ يتطابق مع تحويل الظروف؟ لاحقًا، اكتشفنا باولو فريري، وتساءلنا عن المعاني العميقة لـ “المشاركة” و “الحوار” و”التواضع” و”هيمنة الوعي العميق التي تفضي إلى انتشار الأكاذيب.”
وفي سنوات السجن في السبعينيّات عرفنا سحرَ العديد من الأسئلة المفتاحيّة، وأبحرنا في سفينة الفلسفة والاقتصاد والتاريخ العربيّ والتجربة الكوبيّة. كانت “نظريةُ الممارسة” موحيةً لنا، وفتحنا عيونَنا على الملموس والإبداع؛ فالماركسيّة “مرشدٌ للعمل لا عقيدةٌ جامدة” كما قال لينين، و”لن تجدوا في الكتب إجابةً عن أسئلتكم” كما قال هو أيضًا في خطابه إلى شعوب الشرق. وبهرتنا عبارةُ ماركس إلى الاشتراكيين الفرنسيين “أنا لستُ بماركسيّ،” أيْ لا مقدّسَ مطلقًا ولا جمودَ عقائديّاً، بل منهاجٌ واستخلاصاتٌ ترشد العقلَ إلى قراءة الخصوصيّة؛ وهذا ما لخّصه لينين في مقولته: “تحليلٌ ملموسٌ للواقع الملموس.”
هكذا أصبحنا أمام تحدٍّ إبداعيّ حقيقيّ، في التحليل، والبناء، والتصليب والتجذير. أما الصمود في الزنازين فكان المرآة المقعّرة: فالضربات الاعتقاليّة لا تتوقّّف، ولا ينفع في تفاديها “براكسيس” أو إبداعٌ أو نضال! وعلى امتداد عقودٍ كان الامتحانُ العسيرُ هو القدرة على حماية الطلائع المناضلة، ولاسيّما في الزنازين؛ فهي فتيّةٌ بلا تجربة، والعدوُّ يحْصدها من دون توقّف. وعليه، فقد باتت مفرداتُ “بناء، مهارات، صمود” على رأس الأجندة. وباتت جسرَ العبور إلى الفاعليّة، أيْ إلى “الممارسة الاجتماعيّة الشاملة” (ماركس) وإلى “العمل المتكلّم” (التوبا ماروس).
أما من الناحية التنظيميّة فقد فهمنا الديمقراطيّة (بعد قراءة غرامشي وروزا) بوصفها مبادرةً قبل أيّ شيء آخر: فـ “الكادر يبادر،” كما قال جيفارا، والتجربة الكوبيّة مبادرةٌ عظيمةٌ خرجتْ عن “النصّ” وأبدعتْ. وفهمناها أيضًا حوارًا واسعًا، واستجابةً للمهمّات: فمن لا يقوَ عليها يُعَدِ النظرُ في موقعه. أما “الألقاب المركزيّة” فقد نأى عنها الجميعُ، وألغيت امتيازاتُها الماليّة والعلاجيّة. وفي حين كانت نسبة التفرّغ الحزبيّ خارج السجون تصل إلى 50% [من الأعضاء الحزبيين]، لم تتجاوز 2% في داخلها؛ بل كان السجناء يخرجون من السجون ليعودوا إليها ثانيةً، ويكتفون بثلثيْ بدل التفرّغ، أيْ ما يعادل متوسّطَ الدخل في المجتمع. ولم تكن ثمّة تقسيماتٌ طائفيّة أو جنسويّة بالتأكيد. وغلب على القرارات استخلاصُ جوهرٍ مشتركٍ، أو انضباطُ الأقليّة للأغلبيّة، والأدنى للأعلى، وانتخابُ المسؤول من قِبل مرتبته الحزبيّة في كثير من الأحيان، وذلك في إطار قواعد العمل السريّ، إذ يعادل “عقدُ مؤتمراتٍ مكشوفةٍ تصفيةً للحزب” (فهد).
وإلى جانب العمل المنظّم الواعي فقد استرشدنا بالحكمة الصينيّة “وتّر القوسَ ودعها تنطلق،” إذ إنّ العفويّة الجماهيريّة والمبادرة الجماهيريّة لا تقلاّن أهميّةً عن ذلك العمل… بل يقف “الضميرُ الجمعيُّ” في قلب الفعل الجماهيريّ لممارسة الصراع الطبقيّ القوميّ (لينين).
***
في البدايات، ولاسيّما في السبعينيّات، شهدت السجونُ ورشةً فكريّةً متشعّبة، وقمنا بعملٍ أرسى الأسسَ التي سرنا عليها لاحقًا، وذلك في جدليّة مستمرّةٍ بين النظريّة والتطبيق، وفهمنا أنّ التطبيق هو المعيار الأهمّ للحقيقة. وتعرّفنا على عبارة ماركس “لا نعترف إلا بالتاريخ وعلم التاريخ،” وعلى مقاربته للتعاقب التاريخيّ الأوروبيّ. ولاحظنا جدليّة الأفكار والحضارات، بدءًا بالأموريّة وتأثيراتها على ما تلاها من كنعانيّةٍ وفرعونيّة، ووصولاً إلى الهندوكيّة والطاويّة وتأثيراتهما على الكونفوشيّة والبوذيّة. وهذا حالُ مراحل التاريخ القديمة، مرورًا بالإقطاعيّة ومنظوراتها، ووصولاً إلى الرأسماليّة وعلومها. ذلك أنّ “الثقافات متمازجة ومتداخلة كثيرًا،” وعلى “المثقف أن يكون كالرحّالة” (إدوارد سعيد).
كما لاحظنا البذرة العقلانيّة في الفلسفة الإغريقيّة وصولاً إلى هيجل وماركس، وإبحار هذا الأخير في تحليل المرحلة الرأسماليّة وصولاً إلى خلاصته: “إذا كانت الظروفُ هي التي تصنع الإنسانَ، فعلينا أن نصنع ظروفًا إنسانيّة.” وقد اخترنا هذا المنظور، ودلّلنا عليه بانخراطنا في تنظيم جماهيرنا ومقاومة المحتلّ، تحفّزنا كلماتُ ماركس “المثلُ العليا حاجةٌ لإبقاء الحماسة في مستوى التراجيديا التاريخيّة الكبرى،” وكلماتُ هيجل “لا ينجَزُ أمرٌ عظيم دون شغفٍ شديد،” وكلماتُ فرانز فانون “لا ثورةَ من دون حماسة،” وكلماتُ كاسترو “لقد احتفظتُ بحماسة اللحظة الأولى.” وقد تجذّرتْ هذه المقولات في رؤوسنا، وأعيد إنتاجُها عشرات المرات. ولاحقًا اكتشفنا دوبريه ومهدي عامل وسعد الله ونّوس، كلاً ضمن مساحته.
كنا نعمل بالاعتماد على الذات، وبلا مرجعيّات. كان كلُّ شيء يبدأ من المربّع الأول: “هنا القلعة فاقفز هنا.” ورحنا نستجيب للمقولة التنظيميّة والقول الثقافيّ والسياسيّ، نفعل وننفعل في براكسيس متشعّبٍ، نحو يوتوبيا كبيرةٍ هي فلسطين ديمقراطيّة دون تمييزٍ دينيّ أو جنسيّ أو عرقيّ، بما يتطلبه ذلك من مهاراتٍ وتضحياتٍٍ ونضالٍ سريّ ونصف سريّ وربطٍ للوطنيّ بالقوميّ، والطبقيّ بالأمميّ، ومتابعات (“فالمتابعة هي جوهر العمل الحزبيّ” كما يقول لينين).
وحين كانت تنشأ تناقضاتٌ بين “الجزء والكل” (لوكاش)، بين الفرد والجماعة، وبين قابليّات الأفراد وميولهم، كنّا على الدوام نبحث عن المشتركات، حافرين الصخرَ بأصابع عاريةٍ أحيانًا. وكانت ذروة عملنا بين مرحلتيْ مدريد وأوسلو، رغم تفكّك سبيكة الدولة السوفييتيّة وارتداد نظامها؛ فلقد فعل العامل الذاتيّ فعله لدينا، وعلى نحوٍ “اقتحم السماءَ.”
***
هنا تجدر الإشارةُ إلى أمور ثلاثة:
أولاً: التناقضات الداخليّة: لقد فهمنا مبكّرًا المنظور الماركسيّ للتناقض الأساس، والتناقضات الثانويّة والفرعيّة والآنيّة. وحدّدنا تناقضَنا الأساسَ مع المحتلّ، ورفضْنا إحلالَ الثانويّ محلّه. ومن الطبيعيّ، والحالُ هذه، عدمُ اللجوء إلى العنف في تسوية انشقاقات عام 69 و 72 [عن الجبهة الشعبيّة]، وأن يجرِّم جورج حبش اللجوءَ إلى السلاح في اقتتال البقاع والبدّاوي عام 83، وأن ينتقد اقتتالَ غزة. كما أننا لم نستخدمْ تعابيرَ التخوين؛ فمن حقّ الجميع، ممن تعمّد بضحيات الميدان والزنازين، التفكيرُ والاجتهاد، إذ لا أحد يحتكر الحقيقة. لقد بحثنا جميعًا عن الحقيقة، وتعلّمنا مبكّرًا من الديالكتيك أنّ كلّ شيءٍ مكوّنٌ من أ + ب وأنّ أ ذاتها مكوّنة من س + ص؛ أما الأرقى فهي ج التي تولد من جدليّة أ + ب. ولم نقبلْ، بالتالي، منطقَ الخير المطلق والشرّ المطلق؛ “ففي التناقض الحياةُ، وفي التماثل الموتُ” (مهدي عامل). على أنّ ذلك كلّه يحتكم في النهاية إلى قانون “المركزيّة الديمقراطيّة،” كما حضر في الوضع المعيّن، ومن دون نمذجةٍ أو تقليدٍ أعمى. أما صوابيّة الفهم فتدلّ عليها الفاعليّة والمنجَز.
ثانيًا: الدين: لقد تعرّضنا هنا لإطلاق نارٍ من كلّ الجهات، بما في ذلك الزنازين، بتهمة أننا “ملاحدة،” ومن دون أن يحاول المتّهِمون فهم رؤيتنا الفكريّة أو سببها. غير أننا كنّا نردّد أننا ضدّ كلّ اضطهادٍ قوميّ أو طبقيّ أو جنسيّ أو دينيّ (لينين)، وأنّ “على كلّ واحد أن يتمكّن من أن يقضي حاجاته الدينيّة والجسديّة من دون أن يحشر البوليسُ أنفَه فيها” (ماركس). أما على صعيد بنيتنا الداخلية، فقد كانت هناك أقليّةٌ تمارس طقوسَها الدينيّة بلا أدنى تدخّل. لاحقًا استخدمنا عبارة سبينوزا “الحساب الأخلاقيّ العمليّ للفكرة،” سواء أكانت دينيّة أمْ غير ذلك، فاهتممنا بمضمون انعكاس هذه الفكرة في الحياة لا غير، وتوصّلنا إلى أنّ الإيمان “مسألةٌ ضميريّةٌ شخصيّة.” أما برنامجنا السياسيّ ونظامنا الداخليّ فهما يخلوان من هذا السؤال الفلسفيّ الإشكاليّ.
وفي بدايات التمرّد الثوريّ قرأنا كتابَيْ صادق جلال العظم (النقد الذاتيّ بعد الهزيمة، ونقد الفكر الدينيّ)، وقرأنا الكثيرَ في ميدان الأنثربولوجيا ودور البشر في إنتاج حضارتهم، ولم نقبل التفسيراتِ التي نظّرتْ لهزيمة حزيران على أنها عقابٌ من السماء وأنّ شهداءَ الثورة ليسوا شهداء. وفي مرحلةٍ متقدّمةٍ من الوعي اكتشفنا الفارقَ بين دور الدين كإيديولوجيّةٍ إقطاعيّةٍ في أوروبا، وبين الدين الإسلاميّ في التاريخ العربيّ كحاملٍ ومحمولٍ للهويّة القوميّة.
ثالثاً: الانتفاضة الكانونيّة: اشتعل الجَيَشانُ في الأراضي المحتلة عام 67 في أواخر سنة 1987، وفيه تكثّف كلُّ شيء: إرادةُ الناس، وإرادةُ القوى المنظّمة، وقدرةُ هذه الإرادة على تحدّي الاحتلال. وبسرعةٍ مذهلة، تحوّلت الانفجاراتُ العفويّة المحليّة إلى انتفاضٍ شعبيٍّ عارم، بقيادةٍ مركزيّة، على الرغم من التفاوت بين دور الطبقات الاجتماعيّة والمواقع الجغرافيّة (إذ كانت المخيّماتُ رأسَ الحربة ومنبعًا لنصف الشهداء). واتسعت الاشتباكات، موشّحةً ببعض المظاهر العصيانيّة والسلاح الناريّ. وتمّ تفادي عدد من التكتيكات المغامرة التي كان يمْكن أن تنهي الانتفاضة في أسابيع. كما عُزل النفوذُ الأردنيّ تمامًا، وأُسقط مخطّطُ التقاسم الوظيفيّ، واندفعت الجماهير إلى كسر حاجز الخوف، في سعيٍٍ حثيثٍ إلى جعل الانتفاض نمطَ حياة. ثم جاءت اتفاقاتُ مدريد وأوسلو، فقطعت السياق.
لقد عشتُ الماركسيّة – اللينينيّة كمرشدٍ للعمل والنضال، تنأى عن الإطلاقيّة والانغلاقيّة، ولم أعشها مجرّدَ نقاشاتٍ أكاديميّة. وهذه الممارسة غدت مقطعًا مهمّاً في المسيرة الوطنيّة، ما قبل تمدُّدِ مرحلة أوسلو وما نتج عنها من تحوّلات.
***
والآن إلى محاولة الإجابة المباشرة عن السؤال الذي تطرحه الآداب.
1 ـ أعتقد أنّ هويّة اليسار العربيّ مازالت على حالها: فنحن مازلنا “ضدّ كلّ اضطهادٍ قوميّ، أو استغلالٍ طبقيّ أو دينيّ أو جنسيّ.” ومازلنا نؤمن بأنّ “الاشتراكيّة والديمقراطيّة صنوان،”وأنّ “السلطة هي المسألة المركزيّة،” وأنّ “طبقةً لا تتعلّم حملَ السلاح تستحقّ أن تعامَلَ معاملةَ العبيد،” وأنّ “الحزب هو الضميرُ الجمعيّ للأمّة…” بهذه المقولات اللينينيّة تتحدّد هويّةُ اليسار، وإلاّ أصبح “فجلاً أحمرََ من الخارج، وأبيضَ من الداخل” (لينين).أما أن يَحْمل بعضَ المقولات الليبراليّة، كالديمقراطيّة والتعدديّة والمواطنة وسيادةِ القانون وحقوقِ الإنسان…، فشرطُ ذلك ألا يتوقّف هنا وإلاّ أصبح احتياطًا للبرجوازيّة، أيْ ما هو أسوأ من الانتهازيةّ، وأعني “تسخيرَ مصالح الطبقة العاملة لخدمة البرجوازيّة” (لوكاش). على اليسار، بدلاً من ذلك، أن يمضي في خوض الصراع الطبقيّ من أجل الاشتراكيّة، وخوضِ الصراع القوميّ من أجل “تقرير المصير” (لينين)، والاستقلالِ عن الإمبرياليّة والاحتكارات المعولمة، وتنظيمِ حركةٍ نسويّةٍ مناضلة.
2 ـ التاريخ مراحل، ولكلّ مرحلة تناقضاتُها وقوًى اجتماعيّةٌ تتصارع فيها. ولا معبِّرَ عن شعار “يا عمّال العالم ويا أيّتها الشعوب المضطهَدة اتّحدي” (لينين) سوى الرؤية الماركسيّة اللينينيّة، على الرغم من الإرباكات والالتباسات والانهيارات في معسكرها هذه الأيام. فهي “النهج الأصوب في قراءة التاريخ” (جورج حبش)، وليست ثمّة قيودٌ مقدّسةٌ تمنعها من أن تكون ديالكتيكيّة، تنقد الواقعَ وتنتقد نفسَها وتتمثّل المتغيّرات.
3 ـ إنّ القوى اليساريّة العربيّة، بما فيها الفلسطينيّة، قد شاخ معظمُها، وشاخ معظمُ هيئاتها. وهي لم تستطع حملَ الراية بعد فشل البرجوازيّة القوميّة، بل لم تستطع الحفاظَ على تركيمها الذي أحرزته في الأمس، إذ تقهقر دورُها، رغم وجود بقايا وطاقةٍ حيويّةٍ هنا وهناك وإرثٍ فكريٍّ يتموضع في الثقافة العربيّة. وسواء اتّحدت تلك البقايا أو لم تتحد، فقد شاخت. ولكنْ من بين ظهرانيها، ومن إرثها، سوف تنهض قوًى جديدةٌ ماركسيّة/ قوميّة للتعبيرعن التناقضات المتفاقمة في الوطن العربيّ والساحة الفلسطينيّة.
لقد كتب غرامشي أنه عندما تشيخ علاقاتُ الإنتاج والقوى الطبقيّة الحاكمة، وتعجز القوى الثوريّة، يصبح المجتمعُ مريضًا. وأظنّ أنّ المجتمع العربيّ غايةٌ في المرض، ولكنه سينبثق لا محالة من تحت السطح؛ ذلك لأنّ الشيء يستولد نقيضَه، ولولا ذلك لما نشأ حزبُ لينين ولا تجربةُ كاسترو ولا مقاومةُ حزب الله ولا حركةُ فتح والجبهة الشعبيّة ولا الثورة الصينيّة ولا تشافيز ومشروعه في أمريكا اللاتينيّة.
إنّ الخلل الأول اليوم في اليسار وبقايا اليسار الفلسطينيّ والعربيّ هو عجزُ “القيادات” وعدمُ كفاءتها، وتحديدًا فقرُ المنظّمين من الطراز الرفيع أو غيابُهم. ومن دون منظّمين كهؤلاء، يعملون “محترفين ثوريين” بالمعنى اللينينيّ للكلمة، ويجرؤون على خوض كافة أساليب العمل والنضال، فليس ثمة فرصةٌ لبناء يسارٍ أبدًا. وهؤلاء لا يكونون عادةً إلا من الجيل الشبابيّ المتخفّف عائليّاً، الذي لم تستنزفه الشيخوخةُ (البيولوجيّة) بعد؛ فلقد تصدّر المقدّمة، مع الأسف، ولأسبابٍ مختلفة، زعاماتٌ مشهديّةٌ فاشلةٌ إجمالاً!
فلسطين

* كاتب يساريّ له عدّة مؤلّفات، من بينها: التنظيم الثوريّ السريّ، التسوية الجارية إدارة أزمة، مداخل لصياغة البديل، الدولة الواحدة (ترجم إلى الإنجليزيّة)، لن ألبس طربوشكم (ترجم إلى الإيطاليّة)، الرحلة (رواية). أمضى في سجون الاحتلال عشرة أعوام ونصفَ العام، أكثرُ من نصفها “معتقلاً إداريّاً،” وعاش طريدًا لقوات الاحتلال سبعة عشر عامًا. حاصل على درجة الدكتوراه في العلوم السياسيّة. رئيس تحرير مجلة العودة، ومدير مركز منيف البرغوثي الثقافيّ.

مجلة الآداب » ٤-٥/
 

عَقّب على المقال                    طباعة المقال                   
التعقيبات